فهرس الكتاب

الصفحة 2803 من 3028

وبدأ المخطط بتحويل كتاب الله من قوة حاكمة دافعة للمجتمع إلى مجرد كتاب يحمل ذكريات. تُغير عليه قوى الشر ولا يتحرك المسلمون للدفاع عنه. وتنتشر من حوله الخرافات. وهكذا يصبح القرآن الذي هو حياة الأمة، رمزا للموت فيها، فلا يقرأ إلا في سرادقات العزاء، ولا تكاد تسمع القرآن في مكان حتى تسأل عمن توفى!!! وجعلوا من فاتحة الكتاب - التي هي دستور حياة المسلمين، والتي كان حرص الشارع على قراءتها سبع عشرة مرة على الأقل يوميا في كل ركعة من الصلوات المفروضة - وسيلة لجلب الرحمة على الأموات، فلا تذكر ميتا حتى يقال"اقرءوا له الفاتحة"!!!

وصدق فيهم قول ربي عز وجل: ? وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ? ] الفرقان: 30[. قال ابن القيم في كتابه القيم"الفوائد": وهجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم. والرابع: هجر تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به ... وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.

وجميع هذه الأنواع من هجر القرآن واقعة بيننا ومتفشية فينا الآن. ومن صور هذا الهجران ما يلي:

-عدم قراءته. فمن منا يقرأ القرآن يوميا؟! إن القرآن مقسم إلى ثلاثين جزء، ومتوسط كل جزء عشرون صفحة. فهل من الصعب قراءة عشرين صفحة يوميا؟ إنه أمر لا يستغرق منك سوى نصف ساعة. إن قراءة الصحف اليومية تستغرق من المرء أكثر من ساعة يوميا، فهل قراءة تلك الصحف أهم من قراءة القرآن؟!!

-وسماع القرآن ... لقد استبدلناه بسماع الأغاني ومشاهدة الأفلام والتمثيليات ومتابعة المباريات.

-وأخلاقنا الآن في وادٍ وما ينادي به القرآن من التحلي بقويم الأخلاق في وادٍ آخر.

-ونعرف حلاله وحرامه ولا نقف عندهما، بل نتفاخر بالتملص منهما، ونصم من يلتزم بهما بالسذاجة وقلة الخبرة.

-وتعلمنا كيف نجادل لا لإثبات تعاليم ربنا ولكن لكي نتفلت منها، ونعمل بغيرها. ظننا أن التقدم الخادع الذي أحدثته الأمم من حولنا إنما مرجعه للتخلي عن الدين، فلما تخلينا عن ديننا انحرفنا وزغنا عن طريق التمكين.

-التخلي عن التحاكم إليه في حياتنا وفي معاملاتنا.

-تركنا فهم معانيه ومن ثم تدبر آياته، وأصبح معظم ما نعرفه عنه عكس المراد به.

-تركنا تعلم لغته ولجأنا إلى لغات المستعمر، وأصبح تجنب الحديث باللغة العربية والرطانة بهذه اللغات مصدر فخر وإعزاز بيننا.

-تركنا التداوي به ولجأنا إلى الاعتماد على الأسباب المادية فقط.

إني لأعجب من أمة تهجر كتاب ربها وتُعرض عن سنة نبيها، ثم بعد ذلك تتوقع أن ينصرها ربها؟ إن هذا مخالف لسنن الله في الأرض. إن التمكين الذي وعد به الله، والذي تحقق من قبل لهذه الأمة، كان بفضل التمسك بكتاب الله عز وجل، الدستور الرباني الذي فيه النجاة مما أصابنا الآن. إن الذين يحلمون بنزول النصر من الله لمجرد أننا مسلمون لواهمين. ذلك أن تحقق النصر له شروط. قال تعالى: ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُ! دُونَنِي َلا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ? ] النور: 55 [. كما أن ما بعد النصر له شروط. قال الله تعالى: ? الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي اْلأَرْضِ أَقَامُوا الصََّلاةَ وَآتَو! ْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ اْلأُمُورِ ? ] الحج: 41 [. فعودوا إلى كتاب ربكم تنالوا نصره في الدنيا وتدخلوا جنته في الآخرة.

27 من صفر عام 1425 ( الموافق في تقويم النصارى 17 ابريل عام 2004 ) .

الدعوة مقام عظيم، قد يشعر الإنسان بمنزلتها وقد لايشعر، أما من لم يشعر فليس له حظ من هذه التوجيهات التي سنوردها، إنما هي حظ من اهتم لأمته وأحس بعظمة الدعوة وجلالتها، هذا هو العظيم حقا.. العظيم هو الذي يهتم للأمور العظام، وهو الذي يتعب نفسه في تحصيل المراتب الكبيرة، كما قال الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام

وإذا كان الإنسان يعلو عند الناس لكفاحه وجده في أسباب الحياة، فإن الذي يعلو عند الله تعالى هو الذي يكافح من أجل أن يقيم صرح الدين في الأرض، ويعلم الناس الخير، ويحذرهم من سبل الشر، قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} ...

قال الحسن:"هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله". (تفسير ابن كثير7/169)

الله ما خلق الخلق إلا لعبادته، وأرسل الرسل لأجل ذلك، والداعي إلى الله تعالى يحقق مراد الله من الخلق، ويتبع الأنبياء ويقتدي بهم، ومن هنا شرف وكان أحب الخلق إلى الله تعالى..

لكن الدعاة هم أكثر الخلق عناء وتعبا، وأكثرهم ألما وحزنا، لا نقول هذا تنفيرا من طريقهم، فإن كل إنسان يناله في الدنيا من التعب والحزن القدر المكتوب، لكن الذي يتميز به الدعاة بالرغم من كونهم أكثر الناس تعبا وحزنا، أنهم كذلك أكثر الناس تلذذا بالذكر والطاعة، تمر بهم لحظات من حلاوة الإيمان تنسيهم كل تلك الآلام، وهذا ما لا يجده غيرهم إلا في النادر.

إن مصدر آلام الدعاة أنهم يرون انتفاش الباطل وكثرة المعرضين، وهم يعلمون علم اليقين حقيقة الدنيا والآخرة، وهم في محاولة جادة لاستنقاذ الغارقين من غرقهم، لكن محاولاتهم تبوء بالفشل في بعض المرات أمام إصرار الغارقين على الغرق، وأمام ترصد الظلمة وقعودهم بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبيل الله من آمن يبغونها عوجا..

وأمام هذه المعوقات يجد الدعاة أنفسهم في عائق آخر لا يقل خطرا من المعوقات السابقة، وهو عائق نفسي، وعلمي، وعملي:

-فأما عائق النفس فمللها ويأسها..

-وأما العائق العلمي والعملي فهو الحيرة التي ترد عليهم إزاء أزمات دعوية تمر بهم فلا يهتدون إلى حلها، فتضيق بهم السبل، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية..

لأجل كل هذه الأمور كتبت هذه التوجيهات الدعوية، لعلي أساهم في حل شيء من تلك المعوقات، فأقول:

هذه توجيهات وزاد يتزود بها الدعاة:

أولا: (الإخلاص في طلب العلم وتعليمه) .

ـ لابد للداعية من أن يتعلم العلم الشرعي، ولابد له من الإخلاص في طلبه وتعليمه:

ـ فالإخلاص هو سبب القبول عند الله تعالى، وهو كذلك سبب الإتقان، فما أخلص إنسان في شيء إلا وأتقنه.

ـ والإخلاص يتطلب اتهام النفس بالتقصير دائما، والخشية من عدم الإحسان، وذلك يدفع إلى التطور الدائم إلى الأحسن، فإن الذي يتهم نفسه بالتقصير يعمل على الدوام على الارتقاء إلى الأفضل كي يسلم من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت