بقلم: ياسر قارئ
يمتد عمر الدولة العثمانية عبر ستة قرون ونصف من الزمان (699 /1340 هـ) ، وبالتالي: فهي تشغل جزءا كبيرًا من تاريخ الإسلام منذ أن بزغ فجر الدعوة المحمدية وعمّ نورها أركان الأرض ، ولقد كان للأتراك الحظ الأوفر من رعاية المسلمين والحفاظ على مجتمعهم ، ومن الطبيعي جدًّا أن تتعرض دولة كهذه للمؤامرات الخارجية والحروب الضارية ، خاصة إذا علمنا حجم الرقعة التي شملتها ، والمقدار الذي اقتطعته للإسلام من أوروبا النصرانية ، فقد تسابق الملوك والرؤساء في أوروبا على حربها ، وتولى الفاتيكان كبر هذه العمليات ، واتحدت أوروبا الممزقة على هدف واحد ، هو: تصفية الوجود العثماني في أوروبا على أقل تقدير ، واستعادة بيزنطة منها ، إذا لم تنجح محاولاتها في إنهاء حياتها بالكلية ، إلا أن حكمة الله أبت أن يكتب لتلك المحاولات النجاح ، فعمدت أوروبا إلى أسلوب آخر هو أمضى وأنجع على الرغم من كونه خفيًّا وغير ملموس ، إذ سرّبت إلى الجسد المسلم خلايا فاسدة تظاهرت بالإسلام وأبطنت الكفر ، مستغلة بذلك سذاجة بعض المسلمين وغفلتهم ، وتأويلات بعض المرجفين ، أو انهزامية بعض المؤمنين ، فسعت في الأرض وعاثت فيها فسادًا ، حتى نجح الثالوث اليهودي النصراني الوثني في تحقيق الحلم الأوروبي الكبير ، وانمحت من الوجود دولة الخلافة وسلطان المسلمين ، وغدت ديار الإسلام نهبًا للأمم والشعوب الأوروبية (المتحضرة) ، التي ارتقت بها إلى الخراب الاقتصادي والفساد الأخلاقي .
هل كانت هذه المؤامرة امتدادًا لفتنة عبد الله بن سبأ ؟ .. الأسلوب والنتائج يشيران إلى تشابه كبير ، فهل تواصوا به ؟ ! .
كما يقول المنصرون في أدبياتهم: » إنه لا يهدم البيت إلا أحد أركانه « ، لذا فقد فطن أعداء الإسلام إلى غرس فئة من اليهود في جسد الدولة العثمانية يتظاهرون بالإسلام ، فيما يقومون وبالتنسيق مع أعدائها بدك عرشها ، وإزالة سلطانها ، تلك الطائفة التي عرفت بيهود (الدونمة) ، وهذه اللفظة التركية تعني الردة عن الإسلام [1] ،
وقد تركزت في منطقة (سلانيك) في الأراضي اليونانية حاليًا ، حيث نسجت خيوط اللعبة التي أدت بالدولة العثمانية إلى مصيرها المحتوم ، وهنا: لا بد من الإشارة إلى أن الدولة هي التي تسببت في ذلك ابتداءً ؛ إذ إنها لم تسع جاهدة إلى نشر الإسلام بين صفوف رعاياها ، واكتفت بترك الطوائف وشأنها ، بل تهاونت معهم كثيرًا ، الأمر الذي انعكس سلبًا عليها وفتح ثغرة فيها نفذ منها الأعداء ، فكانت الكارثة ، ولقد شكل اليهود الخطر الأكبر على الدولة ؛ بسبب مديونيتها لهم من جهة ، وطبيعة هذا الشعب الماكر وحقده على السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين من جهة أخرى ، فما برحوا يحيكون الدسائس ويستغلون الأحداث لإنهاء هيمنة دولة المسلمين على (الأرض المقدسة) ، وقد برز من يهود الدونمة رجل ساهم بشكل كبير في تغيير مجرى التاريخ المعاصر ، حيث ألغى كيان الخلافة التي استمرت لمدة أربعة عشر قرنًا في لمح البصر ! !
سؤال خطير وجوابه:
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تمكن فرد من تحقيق ما عجزت عنه أوروبا بقضها وقضيضها ، ولمدة سبعة قرون تقريبًا ؟ .. هذه الدراسة تحاول تسليط الأضواء على هذه الشخصية ودورها وميراثها ، وقد قسمتها إلى مقدمة عن الأوضاع قبيل ظهور هذا الرجل ، ثم مولده ونشأته ، والتساؤلات حول أصله ونسبه ، ثم تطرقت إلى تدرجه في السلك العسكري ، وبروزه على الساحة ، ثم صناعة الإنجليز له وعلاقته بهم ، بعد ذلك تعرضت إلى أعماله إبان فترة حكمه ، وختمت البحث بالحديث عن الإرث الذي تركه ، ومدى استمرار الدولة في السير على نهجه .
تمهيد عن الأوضاع في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني:
اعتلى عرش السلطة في وقت حرج جدًّا شاب طموح وعبقري ، قد بزّ أهل زمانه ، وفاق أقرانه من الحكام ، ذلكم هو السلطان عبد الحميد خان الثاني ، الذي حكم البلاد منذ سنة 1293هـ (1876م) إلى سنة 1327هـ (1909م) ، أي: قرابة ثلاثة وثلاثين عامًا ، وقد كانت الحياة الاقتصادية في عهده رخيصة ، وأوشك مؤشر التضخم الاقتصادي على الهبوط إلى الصفر ، على الرغم من الحروب الروسية المتتالية ، ومضايقة الإنجليز المستمرة في مجال التجارة الدولية ، لكن فئة الضباط الذين عاشوا في أوروبا وجلهم من غير المسلمين لم تعجبهم تلك السياسة
الحميدة في الوقت الذي مات فيه ألوف البشر بسبب المجاعة في أيرلندا والهند الخاضعتين للحكم الإنجليزي ، ثم إن بريطانيا كانت تكره السلطان بسبب وقفه لطموحاتها وتغلغلها في أراضي الدولة العثمانية من جهة ، وسلطانه الروحي على رعاياها في المستعمرات وكذلك النصارى الواقعين تحت حكمه من جهةأخرى [2] .
في تلك الحقبة: فُتحت المجالس النيابية في روسيا وإيران ، وقد سرت هذه الظاهرة إلى الدولة العثمانية ، فتطلع الشعب الذي شعر بالملل من طول فترة حكم السلطان إلى النظام البرلماني الشائع في أوروبا ، وقد استجاب السلطان لتلك المطالب ، فشكل لجنة للنظر في الدساتير الغربية والاستفادة منها ، لكن أوروبا المتربصة والمعارضين المفتونين بها أصروا على وضع دستور عام يضمن استقلال
المناطق والشعوب ، مما يعني عمليًّا إلغاء سلطة الدولة على رعاياها ، الأمر الذي فطن إليه السلطان ، وقد نصحه بذلك أيضًا المستشار النمساوي » بسمارك « ، لذلك: شكلت المعارضة جمعية في فرنسا تدعى (الاتحاد والترقي) ، القصد المزعوم منها: تطوير نظام الحكم [3] ، وقد طالب أعضاؤها بمنح جميع الأقطار استقلالًا ذاتيًّا وتقسيم البلاد على أسس قومية [4] .
رضخ السلطان لمطالب المعارضة باستئناف أعمال مجلس المبعوثان (النواب) لكن الاتحاديين وكما يبدو من قرارات مؤتمر باريس قد أصروا على تنفيذ خطتهم بتقسيم البلاد ، بل وخلع السلطان بقوة السلاح ، فأغاروا على العاصمة في سنة 1909م ، ولم يشأ السلطان مواجهتهم ، بل استسلم لقضاء الله وقدره على الرغم من سيطرته على الجيش ! إلا أنه لم يشأ إراقة الدماء بسببه هو ! ، فآثر مواجهة الموقف وحيدًا بعد أن أخلى القصر من الحرس ، وتلك من حسناته التي يتعالى عنها
الحاقدون والمرجفون [5] .
لقد استغل اليهود (جمعية الاتحاد والترقي) للعمل ضد السلطان عبد الحميد المتربص بمخططاتهم .. والمتتبع لطبيعة القادة البارزين فيها: يتأكد أنها ليست تركية أو إسلامية ، فأنور باشا: بولندي ، وجاويد باشا: من الدونمة اليهود ، وقارصوه يهودي إسباني ، وأما طلعت باشا وأحمد رضا فهما من أصل غجري تظاهرا بالإسلام [6] ، وكما يذكر أحد المؤرخين: فإن السلطان قد أمر بجمع المعلومات عن الصهاينة من سفاراته وإرسال مخبرين متنكرين إلى اجتماعاتهم ليوافوه بالتقارير عنها ، وكذلك إرسال قصاصات الصحف والمجلات الأوروبية المتعلقة بنشاطهم [7] ، لذلك: لا نفاجأ عندما يصرح طلعت باشا في مذاكرته بأن