فهرس الكتاب

الصفحة 1032 من 3028

الوفد الذي أخبر السلطان بعزله لم يكن فيه مسلم أو تركي واحد ! ، وإنما كانوا: يهودي ، وأرمني ، ويوناني ، ويوغسلافي [8] ، وهذا ما دعى أحد المؤرخين الأتراك إلى القول بأن الثورة سنة 1908م تقريبًا من عمل مؤامرة يهودية ماسونية ، وشاركه الرأي رفيق بك أحد شخصيات الجمعية البارزة [9] ، ومما يؤكد هذه الحقيقة: أن جيش الجمعية الذي احتل (إستانبول) كان مكونًا من أرباب السوابق وعصابات الروم والبلغار والأرناؤوط (الألبان) ويهود الدونمة من (سلانيك) وغيرها [10] ، فيما يحاول مستشرق فرنسي موتور تلميع صورة أولئك الأوباش ، فيزعم أنهم ينحدرون من صفوف البورجوازية الصغيرة كالمحامين والصحفيين وصغار الضباط [11] ، وللمزيد من الأدلة على دور اليهود في توجيه الجمعية والثورة لتحقيق أهدافهم: هذه شهادة من طلعت باشا (العضو في الجمعية) يعترف فيها بأن (الاتحاد والترقي) كان أمل اليهود المنشود ، بينما يتنبأ شخصيًّا بإقامة دولة يهودية في فلسطين [12] ، ويزيد الصورة إيضاحًا كلام الدكتور رضا نور ، إذ يعترف بأن الآمر الناهي في الاتحاد والترقي هم: جاويد ، وقارصوه ، وهما من يهود الدونمة ، وطلعت باشا ، وهو ماسوني [13] .

مصطفى كمال .. مولده ونشأته:

كما يقال بأن الشائعة إذا راجت في زمانها كان لها أثر كبير من الصحة ،

ومصطفى كمال ، المولود في مدينة (سلانيك) باليونان حاليًا سنة 1296 هـ (1880 م) ، تحوم حول نسبه شكوك أثيرت في أيام طفولته حول هوية والده من ناحية ، وحول أصله العرقي من ناحية أخرى ، فوالده مجهول الهوية ؛ إذ عندما قدمت له صورة والده الرسمي أنكرها [14] ، بينما يُقال: إن والده هو علي رضا ، الموظف الحكومي المتواضع ، وقد توفي ومصطفى ابن سبع سنين ، فتولت أمه (زبيدة) رعايته ، فكان يدرس اللغة الفرنسية سرًّا في العطلات المدرسية على يد رئيس دير فرنسي ، وكان يعتني به شخصيًّا بصفة خاصة [15] ، فيما يدّعي بعض المطلعين بأن أباه قد مات بسبب عدم سيطرته على فسق زوجته وفجورها ، وأن الأب الحقيقي لمصطفى هو إما صربي أو بلغاري أو روماني ، وقد تبرأ علي رضا أفندي من مصطفى رسميًّا ، إلا أنّ السجلات أزيلت من المحكمة [16] من جهة أخرى: فإن الأدلة الأنثروبولوجية لمصطفى كمال بشُقْرَته وعينيه الزرقاوين ، وجمجمته: تؤكد أنه أكثر ما يكون بعدًا عن الملامح التركية [17] .

التحق مصطفى كمال بالجيش بعد إنهائه للثانوية العسكرية ، وهناك أضيف له اسم » مصطفى « بسبب تشابهه مع أحد المدرسين ، وكان من المعجبين بنابليون والثورة الفرنسية ، وكان له اهتمام بعلاقة الجنسين والحرية التامة لهما [18] بعد تخرجه من الكلية الحربية بإستانبول خاطب زملاءه قائلًا: » إن الباشاوات العثمانيين كلهم في غفلة وانخداع بفكرة العالم الإسلامي ، وعلينا أن نجمع كل منابع

قوتنا في الأناضول التركي « [19] ، عُيِّن قائدًا في الشام ، وكان يتردد على مقهى للعمال الإيطاليين ليشاركهم في الرقص وشرب الخمر ، وهناك كوّن (جمعية الوطن والحرية) في سنة 1906م ، كما أسس مع رفاقه فروعًا لها في يافا والقدس وبيروت ، وكان قد التحق بالمحفل الماسوني (فداتا) [20] ، ثم رجع إلى سلانيك سنة 1907 م ، حيث قضى أوقاته في الملاهي ، لكنه تمكن عن طريق المحافل الماسونية هناك من الترويج لحركته التي سميت (تركيا الفتاة) ، والتي اندمجت لاحقًا مع الاتحاد والترقي [21] ، ولكن الاتحاديين لم يرتاحوا له ، فنفوه إلى طرابلس الغرب في مهمة عسكرية ، ثم رجع إلى سلانيك ، وعين قائدًا للواء الثامن والثلاثين ، وكان هو أول من يتخلى عن التحية الإسلامية في الجيش [22] ، وقد أكد السلطان عبد الحميد توجس الاتحاديين من مصطفى كمال ، إذا تجاوزوه وعينوا أنور باشا وزيرًا

للدفاع ؛ لأن به سكونًا خطيرًا جعل طلعت باشا يتجاهله ويؤيد أنور باشا الذي كان يتفاداه [23] ، وفي حقه يقول أنور باشا: إنه » إذا ترقى إلى رتبة باشا فإنه يرغب أن يكون سلطانًا ، وإذا أصبح سلطانًا فإنه يرغب أن يكون إلهًا ! « [24] ، هذا الطموح الشخصي والغرور الذي لا حد له سينعكس على كل قراراته وسياساته المستقبلية ، كما سيمر معنا .

بروزه على مسرح الأحداث وعلاقته بالإنجليز:

ملكت الثقافة الألمانية على زعماء الاتحاد والترقي الذين شكلوا الحكومة التي أعقبت خلع السلطان عبد الحميد عقولهم وقلوبهم ، فاندفعوا خلف ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ظنًّا منهم أن ذلك سوف يحميهم من التوسع البريطاني في أراضي الدولة العثمانية ، تلك الحرب التي كان ينتظرها السلطان المخلوع (عبد الحميد) ؛ لكي تدمر أوروبا نفسها ، ويخرج هو سالمًا بعدم مشاركته فيها [25] ، وبعد أن

ورطوا البلاد في حرب خاسرة: رحل كبراء الجمعية (طلعت ، وأنور ، وجمال) إلى ألمانيا ، وبذلك خلت الساحة أمام مصطفى كمال ، وبدأت أسهمه في الصعود ، لكننا لا بد أن نذكّر بأنه كان سببًا في هزيمة الدولة في حرب البلقان سنة 1912م ؛ لانسحابه من المعركة حتى لا يحصل أنور باشا على شرف الانتصار ، ثم انتُدب لتخليص الحجاز من الإنجليز إبان اندلاع الحرب العالمية الأولى ، وكانت خطته العسكرية توصي بالتضحية بالحجاز مقابل المحافظة على القدس [26] ، ثم ما لبث أن انسحب أمام الجيش الإنجليزي في سورية ، وبالاتفاق مع القائد (اللنبي) ؛ فتسبب في هزيمة الأتراك ، لكنه لايكتفي بذلك ، بل ينعى على الاتحاديين سياستهم الموافقة لألمانيا والتي دمّرت الدولة [27] ، ولا نزيد على أن نقول: » إذا لم تستح فاصنع ما شئت « .

انتهت الحرب واحتل الحلفاء إستانبول ، ودخل الجنرال الفرنسي » دسبري« المدينة ، ممتطيًا جوادًا أبيض أهداه له سكان المدينة من اليونانيين ؛ أسوة بما فعله السلطان محمد الفاتح قبل 466 عامًا [28] ، لكن السلطان محمد وحيد الدين السادس لم يصبر على الضيم ونظرًا لعجزه شخصيًّا عن إثارة القلاقل في وجه الحلفاء: فإنه عدل إلى مصطفى كمال باشا الذي أمده بالأموال اللازمة [29] ، كما

أطلق يده ، إذ عينه مفتشًا عامًّا لجيش الأناضول ، ليقوم بالثورة على قوات الاحتلال ، فيتسنى بذلك للسلطان هامش للمناورة والمساومة السياسية مع المحتلين ، وقد أمده بمئة وعشرين ألف ليرة ذهبية [30] ، ويبدو أن السلطان قد تجاهل خيانات مصطفى كمال السابقة للدولة وتواطؤه مع الإنجليز ، بينما اعتقدت بريطانيا أن المشاكل المثارة في الأناضول تجري بناءً على عرض سابق تقدمت به إليه (أي: إلى مصطفى) سنة 1917م عندما كان قائدًا في فلسطين ، تطلب فيه الثورة على السلطنة والخلافة مقابل مساعدته في ذلك [31] ، وربما كان هذا الرأي هو الأقرب إلى التصديق ؛ إذ لم تمانع إنجلترا في خروج مصطفى كمال من إستانبول بحرًا إلى مدينة سامسون ، وهو الذي دحر الحلفاء في جناق قلعة [32] ، وقد استغرب ( ثريا إيدمير) مؤلف كتاب (الرجل الأوحد) ، عن أتاتورك تصرف الإنجليز هذا ، وتزول الغرابة تمامًا عندما نعلم بأن الجنرال اللنبي رشح مصطفى كمال لقيادة

الجيش السادس المرابط بالقرب من الموصل ، حيث النفط والنفوذ الإنجليزي في المنطقة الذي يتطلب شخصًا يستطيع الإنجليز التعامل معه [33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت