وبالفعل: أجج مصطفى كمال الشعب على الاحتلال العسكري للبلاد ، لدرجة اضطر معها الإنجليز إلى الطلب إلى السلطان بتنحيته عن قيادة المنطقة ، وفي هذا الصدد: يضيف شيخ الإسلام (مصطفى صبري) بأن السلطان قد ماطل في فصل مصطفى كمال لمدة شهرين على الرغم من تذمر قوات الاحتلال ، واستمر في دعوته للعودة إلى إستانبول ، لكنه أبى ، وقد ظل السلطان يحسن الظن به حتى قال فيه: » ليخدم الوطن وليغتصب عرشي « ! [34] ، علمًا بأن أنور باشا بعث ببرقية إلى السلطان يحذره فيها من » أن إرسال مصطفى كمال إلى الأناضول
سيكون بداية لمصائبنا « [35] .. وبعد أن أُعفي من منصبه العسكري سارع إلى عقد المؤتمرات (أرضروم سنة 1918م ، وسيواس سنة 1919م) لتعزيز سلطته في المنطقة ، وقد خرج المجتمعون بتوصيات ، منها: المحافظة على أراضي الدولة ، واستقلال الشعب ، ومقاومة الاحتلال .. وتم تغيير اسم الجمعية إلى جمعية (الدفاع عن حقوق شرق الأناضول والرومللي) ، أي: إسقاط باقي مناطق الدولة ، والمحافظة على المناطق التركية فقط [36] ، كما تم انتخاب مصطفى كمال رئيسًا
للجمعية .
وتستمر فصول المسرحية الهزلية ، فيهاجم مصطفى كمال وجيشه مستودعات الأسلحة والذخائر التابعة للحلفاء ، وأرسلوا ما حصلوا عليه إلى الأناضول بوصفه غنائم حرب [37] ، فكان رد الفعل الإنجليزي هو: إرسال قواتها لاحتلال إستانبول ، والزّج بنوّاب مصطفى كمال بالبرلمان في السجن ، وحلّ البرلمان ، ونفي بعض أعضائه ، وفرض الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة ، وتم تشكيل وزارة جديدة .. وكل ذلك بموافقة السلطان الذي لا يملك من أمره شيئًا ، ثم أجليت
القوات الإنجليزية عن (إسكى شهر) و (قونية) دون الاشتباك مع قوات مصطفى كمال المحاصرة ، فظهر للناس وجود معسكرين ، أحدهما يضم السلطان والمحتلين الإنجليز ، بينما يتكون الآخر من المناضل ! مصطفى كمال ومؤيديه [38] ، أما المناضل الوطني ! فقد أوعز إلى مفتي مدينة أنقرة بإصدار فتوى تندد بفتوى مفتي إستانبول القاضية بمحاربة الكماليين ؛ بحجة أنها والسلطان والحكومة محتلين من
قبل الإنجليز [39] ، وهذه هي حيلة المنافقين دائمًا: الإذعان إلى الدين متى ما احتاجوا إليه في دعم باطلهم ، كما أعلن عن تكوين برلمان في مدينة أنقرة ومقر للحكومة لمكافحة الأجنبي ، وكان مما صرح به هو: » أن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطة ، وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي « [40] ثم إن الإنجليز قاموا في تلك الأثناء بنشر بنود معاهدة (سيفر) ،
التي تتنازل الدولة العثمانية بموجبها عن أراضٍ كثيرة ؛ ليوغروا صدور العامة على السلطان ويرفعوا من أسهم مصطفى كمال ، كما قاموا بغض الطرف عن تمويل وتسليح ذلك المناضل الوطني ! [41] ، لكن هذا الرجل المتقلب عدل من رأيه حول السلطة والخلافة (وبصورة غير ديمقراطية تمامًا ! ) ؛ إذ صرخ في أعضاء المجلس الجديد في أنقرة مناديًا بحتمية الفصل بينهما ، ولكن من المحتمل أن
بعض الرؤوس كانت ستقطع إذا لم توافق على ذلك الرأي [42] ، ولقد اعترف فيما بعد في كتاب الخطابة بأن الفصل بين السلطتين كان نقطة أساسية ولازمة وكانت بمثابة الخطوة الأولى [43] ، ترى ما هي الخطوة الثانية إذن ؟ .
عقب التطورات الخطيرة ، دعت بريطانيا إلى عقد مؤتمر لندن لحل المشكلة (المسألة) الشرقية وقد وجهت إلى كل من إستانبول وأنقرة دعوتين منفصلتين ، وقد كانت الهيمنة لوفد أنقرة لحكمة يعلمها الحلفاء جيدًا ، من ثمارها: تنازل مصطفى كمال عن سورية للفرنسيين ، وعن باطوم للروس [44] ، وتمخض عن هذه التنازلات: قيام الحلفاء بتحريض اليونان على غزو إستانبول ، ثم التخلي عنها ، بينما توقف الهجوم اليوناني وبدأ في الانسحاب ، وكان مصطفى كمال قد أمر بوقف
القتال قبل تراجع اليونانيين ، وقد ضخمت الدعاية الغربية الحادثة لتظهر الغازي مصطفى كمنقذ للبلاد من عدوها التقليدي ، والتساؤل الذي نطرحه هو: كيف يأمر قائد بوقف القتال أمام عدو لم يعلن عن استسلامه أو انسحابه بعد ؟ فإذا لم يكن هناك تنسيق مسبق بين القوات فهذا يعني وضع الجيش تحت رحمة الأسلحة اليونانية ، أم إنها إحدى لعبات الإنجليز في صنع الأبطال القوميين ؟ ! . وبعد تلك اللعبة تظاهر الحلفاء بمقاومة الغازي في هجومه على (تراقيا) ، لكن الإنجليز توسطوا لإنهاء القتال وانسحاب اليونان [45] ، والأعجب من ذلك هو: قيام السفن الإنجليزية الراسية في البحر بنقل الفاريين اليونانيين من سكان الأناضول وشارك معها سفن الحلفاء [46] ، ثم إن إنجلترا ، وهي المنتصرة في الحرب العالمية ، الأولى تنازلت بمحض إراداتها عن مدينة أزمير لتظهر مصطفى كمال أمام العالم الإسلامي بأنه الغازي والمنتصر ، ثم تفرض شروطها عليه ، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام
مصطفى صبري [47] .
ثم إن الغازي ! مصطفى كمال هدد أعضاء المجلس الوطني الكبير بالقتل ، إذا لم ينزلوا على رأيه بإلغاء السلطة العثمانية [48] ، هذا هو أسلوب معاملة الرجل الذي راهنت عليه إنجلترا ، وتلكم هي طريقة تعامله مع البرلمان الموقر ونوابه المحترمين ، الذين يتمتعون بحصانة يكفلها الدستور الذي خلعوا السلطان عبد الحميد الثاني من أجله ! فكيف ستكون سياسته عندما يصبح الآمر الناهي في البلاد والعباد ؟
بعد هذه السلسلة من الحروب الكرتونية المفتعلة: قرر الحلفاء عقد مؤتمر لإنهاء وضع الدولة العثمانية ، وذلك لكسب الرأي العام التركي لصف الغازي مصطفى كمال الذي صُنع على أعين الإنجليز ، فكان مؤتمر (لوزان) بسويسرا سنة 1340هـ (1924م) ، ويقال: إن اللورد (كرزون) رئيس وفد إنجلترا قد طرح أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا ، وهي: إلغاء الخلافة ، وطرد الخليفة ، ومصادرة أمواله ، وإعلان فصل الدين الإسلامي عن الدولة والحياة (العلمانية) [49] .
بينما يؤكد شيخ الإسلام مصطفى صبري وبناءً على تصريح مستشار وزير خارجية بريطانيا بأن مصطفى كمال قد اقترح على المؤتمر: إلغاء الخلافة ، وقطع علاقة الدولة بالإسلام ، وتجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية ، واستبدال الدستور القائم بآخر مدني .. وقد وكل إلى عصمت إينونو القيام بتلك المهمة [50] ، وكان قد همس في أذن إينونو قبيل سفره بألا يعارض الإنجليز ، حتى ولو طلبوا التنازل عن مدينة إستانبول وتراقيا ! [51] ، لكن الإنجليز اكتفوا فيما يبدو بما قدمه الغازي من تنازلات ، اللهم إلا اشتراط بقاء بطركية الروم في إستانبول بناءً على ضغوط مجلس الكنائس البريطانية [52] .. وإذا كان هذا لا يكفي المسلمين جراحًا فإن الآلام تزداد عندما يخرج علينا مؤرخ مسلم حاول الدفاع عن الدولة العثمانية في موسوعته ، فيزعم بأن قرار مصطفى كمال بإلغاء السلطنة كان الهدف منه هو: حسم ازدواجية الحكومة ، وإلغاء معاهدة سيفر الظالمة ، وسد الباب على الإنجليز ؛ لكيلا يضربوا بعضها ببعض [53] .