حقًا، لقد بقيت رابطة العطف والماضي المشترك والعقيدة المشتركة ولكن امتزاج الأفكار المأخوذة من الغرب بدرجات 25 متفاوتة كان قد بدأ ينزع إلى كل مملكة من الممالك الأخرى"."
وهذا هو ما يستدعي العمل لوضع قاعدة: وحدة الفكر الإسلامي إزاء كل ما يراد به وأن نبدأ في بناء مناهجنا التربوية والثقافية والاجتماعية على هذه القاعدة.
إن العالم الإسلامي الذي يضم الآن قرابة ألف مليون مسلم ويتكلم أكثر من عشر لغات يستطيع أن يتخذ من (القرآن) لغة جامعة تقوم على أساسها زعامة فكرية رصينة تقف في وجه كل هذه المؤامرات والمحاولات التي ترمي إلى تدمير ذاتيته وحصره في بوتقة (التبعية) بعد أن بدت بوادر فجر الانطلاق نحو مرحلة: الرشد الفكري كمقدمة لقيام المسلمين بتبليغ رسالتهم إلى العالمين كرة أخرى.
وأمامي تقريران: أحدهما:
عن مؤتمر بتليمور الذي عقد بإشراف الصهيونية العالمية في إحدى الجامعات المصرية والذي يعد في نظر الباحثين نقطة التحول في اتجاه الصهيونية لتزييف التاريخ الإسلامي وذلك عام 1948 م وقد حضر (بن جوريون) هذا المؤتمر وقاد أعماله إلى هدفها، وكان مما تقرر فيه: تنظيم ومضاعفة عمليات تزييف التاريخ العربي وطرح دراسات جديدة تحمل الشبهات التي تتصل بمؤامرة إسرائيل. 26
وقد أعدت الصهيونية عناصر هامة من الباحثين استطاعوا السيطرة على كراسي دراسات التاريخ الإسلامي في أغلب الجامعات الأوروبية والأمريكية - وذلك على حد تعبير الدكتور إبراهيم العدوي - لدعم النشاط السياسي ضد العرب في العالم والتوصل إلى خلق حركة ثقافية عنصرية تساعد على تفتيت العرب وعلى هزيمتهم أمام العالم وأمام المسلمين تاريخنا. ومن أمثلة هذه النظريات التحريفية التي يطرحها الاستشراق اليهودي محاولة تصوير العرب والمسلمين بصوره الوحشية، ورد مقومات ثقافتهم إلى أصول يونانية رومانية وإحياء الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي كالقرامطة والباطنية والزنج والحلاج وغيرها.
وإثارة الشبهات حول سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل وخاصة فيما يتصل بالمرحلة التاريخية التي عرفت باسم الحنيفية والسابقة لليهودية. كذلك تركز الصهيونية على تخويف الغرب من قيام دولة عربية كبرى واحدة وتعيد إثارة صفحات التاريخ فيما يتعلق بالخلاف بين المسلمين والغرب وخاصة في الأندلس والبلقان وغيرها. ويؤسفني أن أقول أن كثيرًا مما نشر في العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة كان استجابة وتطبيقًا لهذا المخطط.
الثاني: تقرير عن الحرب المعلنة على العقائد الدينية وعلى أمور الوحيث والنبوة والغيب. والفلسفات المطروحة التي ترمي إلى إلغاء القيم الثوابت وإبدالها بنظرية التطور 27 المطلق، وتجاوز المعنويات والروحيات وإقامة المادية وحدها مقاعدة الفكر وإلغاء الضوابط الأخلاقية والمسئولية الفردية والدعوة إلى رفع الوصاية عن الشباب والعمل على إخراج العرب والمسلمين من إطارات الدين مما أطلق عليه بعد النكسة (علمنة الذات العربية) كذلك هناك دعوات إلى إعادة طرح الأساطير والإباحيات في أفق الفكر الإسلامي والأدب العربي عن طريق القصة والمسرح والصحافة. ومحاولات أخرى لإحياء الجاهلية العربية والوثنية الإغريقية والمجوسية الباطنية.
وقد تجد هذه الدعوات تقبلًا من شباب قليل الخبرة ممن عجزت المناهج الجديدة أن تمدهم بزاد نفسي وروحي يسد حاجتهم من القيم العاصمة من الزلل.
وهناك محاولات تضع تخلف المسلمين والعرب وهزيمتهم الماضية في كفة في مواجهة ضرب الفكر الإسلاميه ورميه بأنه مصدر الهزيمة مع أنه لم يكن خلال تلك الفترة مطبقًا أو معتبرًا أسلوبًا للحياة حتى يتحمل مسئولية الخطأ، وإنما تتحمل مسئولية الخطأ تلك المناهج الوافدة، ولو التمس المسلمون منهجهم أسلوبًا للحياة لما تعرضوا لهذا الخطر ولما هزموا، والحقيقة أن هذه الهزيمة لم تأت من مصدر واحد، هو التبعية واعتماد أساليب الفكر الوافد، ثم أنهم بعد ذلك لم ينتصروا إلا عن طريق التمساهم منهجهم الأصيل 28 الذي انتصروا به خلال تاريخهم كله وسوف يكون نصرهم حاسمًا ما تعمقوا هذا المنهج واستوعبوه بالتطبيق الكامل في مختلف مناحي الحياة.
ولقد نسي العرب والمسلمون في مرحلة التبعية والاستعمار أن منهجهم يختلف اختلافًا كبيرًا عن مناهج المستعمرين من ناحية وأن المستعمرين لم يقدموا للمسلمين إلا كل زائف ومضطرب وفاسد، وأنهم حجبوا عامدين وما زالوا يحجبون أسرار العلم وأسباب القوة ووسائل التقدم.
لعلي لا أعدو الحقيقة إذا رددت هذه الكلمة التي يؤلف عنها مجلد كامل، تلك هي:"إن الأهداف الصهيونية تحولت إلى مذاهب فلسفية لها دعاة ومدافعون، وأن بعض أهلنا قد استخدموا - بغير أجر ولا مثوبة - لخدمة هذه المخططات على سذاجة منهم وغرور، وأن الخطر ليس خطر المؤسسات المعروفة، ولكن الخطر الأشد، هو الذي يختفي وراء بريق التقدم والعلمانية والعصرية وغيرها".
وقد آن للعرب وللمسلمين أن يتجاوزوا هذه المناهج، أن يتجاوزوا فرويد وماركس وسارتر إلى آفاق أكثر سعة وأكثر اتصالًا بذاتيتهم وقيمهم، وهم لم يجدوا هذه الآفاق إلا في الإسلام وفي معطياته المثمرة وحلوله الحاسمة لكل ما تعاني البشرية من مشاكل وأزمات وفي قضاياها الثلاثة الكبرى: الحرية والعدل والشورى. ص 29
لقد سقطت تلك المناهج الوافدة في بلادها، وفقدت قدرتها على العطاء، وعجزت عن إسعاد النفس أو تأهيل المجتمع للطمأنينة وهي أعجز بالنسبة لمجتمع غير مجتمعها، ولذلك لم يبق للمسلمين والعرب من سبيل إلا أن يعودوا إلى معطياتهم. وهي معطيات ربانية المصدر، إنسانية الطابع، تحمل الصدق والحق واليسر بعيدًا عن التعقيدات الفلسفية، والمذاهب والأهواء، وهي خير عطاء للبشرية لو فقهت البشرية حاجتها الحقيقية وهديت إلى ذلك الضوء الساطع العميق.
إن على المتابعين للحضارة العربية منا أن يذكروا كيف أن أصحابها قد فقدوا الأمل فيها وهذا (أرنولد توينبي) في كتابه: «الحضارة والغرب» يعلنها صيحة مدوية حين يقول:"إن الحضارة الغربية تمر الآن في طور التدهور والانحلال الذي مرت به الحضارة الرومانية من قبل. من أجل هذا لم تعد فنون الصناعة أو الاقتصاد أو غيرها من المعارف كافية لتوفير الاستقرار والسعادة للمجتمع الإنساني، ذلك أن الروابط الروحية هي العمد الحقيقية التي لا يمكن أن يقوم بدونها صرح المجتمع ويتماسك بناؤه"!. فكيف إذن نلتمس من الضائعين الضوء وهم في حاجة إلى أن نعطيهم إياه. لقد استطاعت حركة اليقظة الإسلامية أن تكشف كثيرًا من زيف الاستشراق وخطل رأيه من أبرز وجوه ذلك عجز الاستشراق نفسه عن تصور النفس الإسلامية والعقل الإسلامي تصورًا صحيحًا لأسباب عديدة منها:
-عجز المستشرقين أنفسهم عن فهم البيان العربي، هذا 30 إذا خلصوا من تعصبهم، أما إذا اجتمعت الأهواء مع العجز عن الفهم يكونون قد بعدوا تمامًا عن فهم المسلمين والعرب. إننا لا نغلق أبوابنا أمام الفكر البشري، وسمة فكرنا الأساسية أنه متفتح، ولكنه قائم على قاعدته يأخذ ما يزيده قوة ويرد ما سوى ذلك، ولقد كان المسلمون يؤمنون على مدى العصور أن الفكر الوافد ما هو إلا بمثابة (مواد خام) لهم الحق في استعمالها وتشكيلها على النحو الذي يرونه نافعًا لهم ولهم الحق أيضًا في ردها والاستغناء عنها.
قراءات الشباب المسلم في مواجهة ركام الفكر المطروح على الساحة اليوم: