فهرس الكتاب

الصفحة 858 من 3028

إن فكرة المفاعل أو المركب لعناصر الحضارة قد قال بها (كسرلنج) ويسميها: (Ethice) ويعتبر أن حضارة أوروبا ترتكز على روحها الدينية، نعم إن فكرة (كسرنلج) تنطبق على أوروبا الحديثة التي تكونت من بقايا المجتمع الروماني، تكونت من عناصر سياسية واقتصادية وجغرافية، ثم جاءت النصرانية فأعطتها بعدًا قويًا، ولكنها جاءت عاملًا مضافًا إلى العوامل الأخرى، فالمجتمع الروماني كان مؤسسًا بروابط عرقية وسياسية وإقليمية، ودخلت النصرانية على مجتمع مركب، وهذا لا ينطبق على المجتمع الإسلامي الذي تكون أساسًا بالدين، والعوامل الأخرى جاءت مرتكزة إلى الدين مثل السياسة والاقتصاد والنسب ... فالخطاب الإلهي في القرآن لم يتوجه إلى أمة معينة ولا إلى قبيلة معينة، وإنما توجه إلى الناس جميعًا أفرادًا وجماعات، ولكن من حيث كونهم (ناسًا) لقوله تعالى"يا أيها الناس"فالذين استجابوا لهذا النداء تكون منهم مجتمع بإرادتهم وتوافقهم وكانت الرابطة ترجع إلى الدين، وبذلك تكون شبكة العلاقات الاجتماعية- التي يهتم بها مالك كثيرًا - هي أقوى ما تكون؛ لأنها مرتبطة بالمعنى العبادي، وكذلك الأخلاق فهي مرتبطة بالعقيدة وهذا أدوم لها وأبقى، وهذا هو المعنى الذي أشار إليه الحديث ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وإن كانت الحضارة جزءًا من الدين ففي الدين تركيز واضح، على حقائق وأحكام ثابتة، بينما في التتابع الحضاري إيحاء بوجوب التنقل من طور إلى طور، فالإسلام ليس عنصرًا مساعدًا كأي فكرة يتحمس لها البشر، بل هو دين يصبغ المجتمع بصبغته الخاصة وحضارة الإسلام لا تنتهي لأن أساسها ليس عنصرًا بشريًا يناله الضعف أو البلى، ولكن أسسها العقيدة"والتمدن الحقيقي مكافئ للدين، فالدين هو الذي يتيح للإنسان الارتقاء فوق مراتب البهيمية الدنيا، والدين هو الذي يسمح ببناء نظام اجتماعي متماسك يسعى لخير المجموع، وإذا كان مالك بن نبي يعتبر أي فكرة تبلغ مبلغ الدين عند أصحابها مثل الماركسية أو مبدأ اللاعنف عند غاندي يصلح لأن يكون مركبًا لعناصر الحضارة، فإن المؤرخ ( ول ديوارنت) كان أكثر دقة منه حين ذكر أن من عناصر الحضارة: الإيمان بما هو كائن وراء الطبيعة."

كما أخذ مالك عن المؤرخ الألماني ( شبنجلر) تقسيمه لدورة الحضارة إلى مراحل ثلاث: روحية، عقلية، غرائزية. وقريب منه تقسم المؤرخ الإيطالي (فيكو) لدورة التاريخ لكل أمة: المرحلة الدينية، مرحلة البطولة، مرحلة التمدن والنضج ثم الانحدار، والحقيقة أن هذه التقسيمات يمكن أن تصدق على شعوب مثل الفرس أو اليونان، أما الأمة الإسلامية فليس الدين مرحلة من مراحلها، وهي أمة غير منقطعة وإن كانت تمر بفترة ضعف أو تقهقر، إلا أنها تتجدد ولا يخلو قرن من تجديد.

وأما قول مالك إن الإنسانية بلغت رشدها في هذا العصر، وأنها تتجه نحو حل مشاكلها على أساس نظم الأفكار فهذه مثالية قريبة من مثالية"هيغل"الذي يعتقد أن البشرية في حالة تقدم دائم. والحقيقة يجب أن نكون على حذر من مفاهيم التقدم والتخلق، والبدائية والحضارة؛ لأنها قد تعني التقدم المادي بشكل عام، والعبرة في منجزات البشر هو ما ينفع الناس وييسر لهم سبل الاستقرار والأمن"فرغيف الخبز مثلًا أنفع للبشر من الوصول إلى القمر، والصاروخ الذي دفع مركبة القمر هو الصاروخ الذي يعبر القارات ويقضي على الناس، وقد نجد مجتمعًا خاليًا من الأشياء الكثيرة، ولكنه أقرب للفطرة والأخلاق الأساسية، فقد جاء سيدنا يوسف - عليه السلام- من البادية، وكان هذا المكان الذي نشأ فيه أشد صفاء ونقاء من المجتمع الذي انتقل إليه، وكان إنقاذ هذا المجتمع الأخير على يديه، فهل المهم هو التقدم ولو على حساب عذاب الإنسانية والأزمات الخانقة والحروب المدمرة"

د. عبدالحكيم الفيتوري* 27/7/1424

من عناصر قوة أي فكر؛ تقديمه كما هو منذ البداية، وطرحه على حقيقته دون تدليس ولا تلبيس، والفكر الإسلامي المستوعب لحركة الزمن وتغيير الظروف أولى من غيره أن يُطرح على حقيقته كما جاءت أصوله في الوحيين: كتاب الله، وسنه رسوله، لا أنْ يُطرح مبتورًا أو ناقصًا أو مشوَّهًا أو مفسَّرًا تفسيرات خاضعة لعوامل تغير الزمان والمكان والإنسان!.

ومن هنا فإن الفكر الإسلامي لا يقدم بتقدم الزّمن، ولا يعتريه العجز في يوم ما عن تقديم الحلول، ولا تقعد به التطورات الّتي يشهدها العالم عن أداء دوره المصيري الّذي لا يمكن لأي فكر آخر أن ينهض به.

ومثل هذا الفكر بحاجة إلى أناس أوفياء مخلصين لرسالته، مؤمنين بعقيدته، وخاصة قضية الولاء والبراء، وعلى جانب كبير من التديّن والتعبّد، وعلى مستوى رفيع من الوضوح في الفكر السياسي المعاصر؛ كي يقدموا الإسلام كما هو، ويطرحوه على حقيقته بعيدًا كل البعد عن التأثيرات الخارجية الّتي ربّما لا يروق لأهل الطغيان طرحه في صيغته النقية الصريحة"تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها"!.

قد لا يحلو للكثيرين عرض أصول الفكر الإسلامي بشكلها الواضح الصريح الّذي لا لبس فيها ولا غموض ، لأنّ في ذلك خطرًا على وجودهم كأناس متطفلين على الفكر الإسلامي، عاشوا عليه لا له، أو متسلقين على أكتاف المسلمين، وغير معنيين بالحفاظ على أصالة أصوله والدّفاع عن ثوابته المقدسة.

لا يخفى إن ترك هؤلاء يشوهون أصول الفكر الإسلامي الصحيح ، ويشكلون عقول الأمة وفق أجندة متنوعة، مع الارتباك في الأوضاع العامة للأمة الإسلامية، لا يمكن للجيل الإسلامي أن يتفاعل مع الفكر الإسلامي الصحيح، وأن تكون له عناصر المقاومة والمناعة أمام الضغوط الهائلة من الخارج والداخل!. فليس له سبيل ضمن هذا الجوّ المضطرب المتناقض المشحون بالشبهات إلا أن يفقد قابليته على الصمود، ويقع فريسة سهلة للأفكار والطروحات الغربية المناوئة، خاصة وهي تقدّم له ضمن أسلوب مدروس مدعم بإمكانات هائلة!.

فلابدّ إذًا في هذه الحالة من جهود مخلصة متضافرة لطرح الإسلام بصورته المشرقة الوضاءة، ولابدّ من تمزيق الضباب الّذي يلف الكثير من الأفكار الإسلامية بفعل ما أشرنا إليه من عوامل لم تكن وليدة اليوم، بل وليدة تراكمات فكرية وتاريخية بعيدة.

ولابدّ للنخبة الواعية المفكرة والقيادات الإسلامية أن تتعامل بهذا الوضوح والصراحة في كافة أشكال التعامل ـ بما فيه السياسي ـ وعلى أساس المبادئ والأصول الإسلامية ، لكي تتعمق الأفكار الإسلامية في الأمة، وتتضح معالمها من خلال التطبيق العملي، ولكي يتولّد عندها شعور بأنّ الإسلام ليس مجرد أفكار نظرية مطروحة؛ بل يمتلك القدرة على تسجيل المواقف واتّخاذ القرارات، وتحديد طريقة التعامل مع الأحداث، وهذا ما يدفع بالتالي إلى تعاظم ثقة المسلمين بإسلامهم وأفكاره وحلوله ورؤاه، ويزيد من تمسّكهم به وإصرارهم عليه، ممّا يعني ارتفاع مستوى المقاومة لدى الإنسان المسلم، وصعوبة سريان السموم الفكرية إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت