وأضرب مثالًا يوضح فكرة ابن بني: قد يكون العربي ( قبل الإسلام) على درجة كبيرة من الذكاء، وعنده من أخلاق الشجاعة والكرم والوفاء الشيء الكثير، ولكن بغير الحد الأدنى من الثقافة فإنه ينفق ذكاءه في البحث عن القوت، فالحضارة تبدأ حين يتعلق الإنسان بمبدأ سماوي، وحيث ينتهي الترحيل والقلق والاضطراب، أي لا بد من الاستقرار في الحضر، فإذا أمن الإنسان تطلعت نفسه نحو الإبداع والإنشاء، وقد امتن الله -سبحانه وتعالى- على قريش بنعمة الأمن، وهي القبيلة التي سيخرج منها الجيل الذي التف حول الرسول - صلى الله عليه وسلم- وقاد الدولة الإسلامية قال - تعالى-"فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف" [ قريش: 4.3] . وقد صنعت الحضارة الإسلامية لأول عهدها ثقافة مشتركة جعلت العرب يقبلون على العلم بنهم عظيم، حتى إننا نجد الواحد منهم يطلب العلم ويجالس العلماء عشرات السنين.
عوامل تشكيل الحضارة:
صاغ مالك بن نبي العوامل التي تشكل الحضارة بالمعادلة التالية:
ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت، ولكن هذه المعادلة لا تعطي ثمارها إلا بمفاعل أو مركب يدمج هذه العناصر ويعطيها غاية، وهذا المفاعل هو الدين أو ما أسماه الفكرة الدينية أو العنصر الأخلاقي، وسواء كان هذا الدين سماويًا حقًا كالإسلام أو عقيدة ومبدأ يبلغ عند أصحابه مبلغ الدين، وحسب تعريفه فإن الصين أقلعت باتجاه حضارة، وقبلها اليابان والاتحاد السوفييتي (سابقًا) والحضارة لا تكون بأن نكدس ونشتري منتجات الآخرين، وإنما بحل هذه المشكلات الثلاث: الإنسان، التراب، الوقت، وإذا بدأنا بالإنسان فإن المسلم تخصيصًا، وحتى يدخل في دورة حضارية جديدة لا بد أن يدرك أهمية شبكة العلاقات الاجتماعية، ويتعلم كيف يكون لبنة في (البنيان المرصوص) إن تدين هذا المسلم تدين فردي لإنقاذ نفسه في الآخرة، ولم يوظف هذا التدين للبناء الاجتماعي، ونرى هذا المسلم الذي لا ينقصه الإخلاص لا يحسن حل مشاكله؛ لأنه تعلم وأخذ الشهادات، ولكنه لم يتعلم ليكون فعالًا، وهناك خلل في طريقة تفكيره تشله عن التخطيط لنهضة قادمة، ومن أمثلة هذا الخلل:
01 مرض السهولة: فالمسلم في تقويمه للأشياء إما أن يغلو فيها أو يحط من قيمتها، إما أن الأمور سهلة جدًا أو مستحيلة، فهناك من يظن أن خطبة نارية تحل كل المشاكل، وشراء منتجات الآخرين أسهل بكثير من الحصول على الأفكار الضرورية لصنعها، وهناك من ينتظر البطل وينتظر المعجزة للخروج من المأزق الذي نحن فيه.
02 طغيان الأشياء: عندما يكون مجتمع في حالة نهوض فإنه يحقق التوازن بين الأشياء والأفكار والأشخاص، ولكنه في حالة التخلف تصبح القيمة للأشياء، وتتغلب النزعة الكمية، فالمؤلف يفتخر بأنه ألف كتابًا من كذا صفحة، ولا يهم بعد ذلك ما هو المضمون، والموظف الكبير يحب أن يكون في غرفته أربعة هواتف، ويميل الناس إلى تكديس الأشياء ويقبلون على الاستهلاك، ويظنون أن هذه هي الحضارة، والمحاكاة الحضارية هي دومًا محاكاة لما هو أسوأ ولما هو أبعث على الضحك، وهذا يفسر لنا لماذا اجتاحت موجة الإسمنت الصحاري مع أنه جاذب للسخونة!
03 طغيان الأفكار: عندما لا يستطيع المسلم أن يقوم بعمل مثمر فإنه يلجأ للأفكار المجردة التي لا تمس الواقع المعاش، أو يفتعل معارك وهمية ليكون هو أحد أبطالها ولتعطيه المبرر للهروب من الواقع.
04 الحق والواجب: أن أهون الأشياء عند الأمة التي تصاب بمرض السهولة أن تطالب بحقوقها وتنسى واجباتها، وهكذا تلجأ مساندة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، والمطالبة بالحقوق فقط هو منشأ سياسة الدجل التي مارسها السياسيون؛ لأنها تجذب النفعين كما يجذب الحلوى الذباب.
05 العقلية الذرية: والمقصود النظرة الجزئية للأحداث والوقائع مجزأة منفصلة فردية وكأنها كومًا من الأحداث، ولا يشكل مجموعها حلقة في التاريخ، والأعمال لا تتسم بالجهد المتواصل بل بالتتابع المنفصل، وهذه عقلية طارئة، فالمسلم في العصور الأولى تتبع الجزئيات ليشكل منها قواعد عامة ونظرة شمولية؛ وذلك عندما أنتج ( علم أصول الفقه) . لم يكتف مالك بن نبي بالحديث عن الحضارة وعناصر تكوينها، بل تكلم عن النهضة والإقلاع الحضاري كما يسميه، ومن مقومات هذه النهضة:
1-الإيمان العميق بالمبدأ ( حيثما فقدت الروح سقطت الحضارة) .
2-القدرة على التعاون وقوة التماسك بفضل الأخلاق وإحكام شبكة العلاقات الاجتماعية، ففي حالة التخلف كان المجتمع مليئًا بالكتب والمكتبات ولكن الشبكة كانت قد تمزقت.
3-توجيه الثقافة والعمل ورأس المال لتكون هذه الأمور في خدمة النهضة، فالاقتصاد القوي لا يكون بتكديس الثروة بل بتحريك رأس المال وتوجيهه.
المعادلة الحضارية:
رغم هذه التحليلات الدقيقة للفرد والمجتمع عند مالك بن نبي ومحاولته علاج أمراض ما بعد الحضارة، ورغم حديثه القوي عن النهضة والتقدم، إلا أننا نلمح من تعريفه للحضارة ومكوناتها: إنسان + تراب+ وقت، نلمح جانبًا ماديًا واضحًا، وتأثرًا واستلهامًا لأفكار علماء الاجتماع والتاريخ وعلماء النفس في الغرب؛ فهؤلاء لهم تفسيرهم للحضارات ومكوناتها، فجاء مالك وأنزل هذا التفسير على الحضارة الإسلامية، وحسب تعريفه فإن الاتحاد السوفييتي أقلع باتجاه حضارة، وما ذلك إلا لتبنيه مبدأ الاشتراكية والبدء بنهضة صناعية، مع أنه نظام غير إنساني ولا أخلاقي، فقد قتل الملايين وشرد الملايين لفرض مبادئه بالقوة؛ وذلك في عصر لينين وستالين في حين أن مالكًا يعتبر عصرهما عصر بناء عظيم، وهو يعتبر الماركسية فكرة مركبة للمعادلة التي وضعها، بل ويشيد بهذه الماركسية عندما تكلم عن مؤتمر"باندونغ"وأنه (يضم تراثًا فكريًا فيه روحانية الإسلام على طرف وماركسية الصين على الطرف الآخر) . وراح يؤيد دولًا ديكتاتورية عسكرية مثل ثورة يوليو في مصر ( التي تحقق في هذا النظام التقدم الإنساني في أعظم أشكاله، هذا التقدم الذي نشهد تحققه في الجمهورية العربية المتحدة، كما أيد حكومة بومدين في الجزائر لتبنيها الحل الاشتراكي.