فهرس الكتاب

الصفحة 2650 من 3028

مما لا شك فيه أن هنالك مصالح ظاهرة قد يراها كل الناس رؤية واحدة بغض النظر عن معتقداتهم؛ فكل الناس يتفقون الآن فيما يبدو على أنه، إن صح قول العلماء بأن ما تنفثه المصانع والسيارات من غازات قد أثَّر على طبقة الأوزون، وأن هذا قد أدى إلى زيادة في درجات الحرارة العالمية، وأن هذا الأمر إن لم يُتدارَك فسيؤدي إلى ذوبان الجليد، ومن ثم إلى زيادة مياه البحار وما ينتج عن هذا من فيضانات ستغرف بسببها بلاد كثيرة.. أقول: إن هذا أمر قد يتفق الناس على كونه ضارًا إن حدث.

أقول (قد) لأن مؤلفًا أمريكيًا (1) يقول: إن من يسميهم بغلاة النصارى، الذين يمثلون ما يقارب الأربعين بالمئة من أنصار بوش، يرون في كوارث مثل: تسونامي، وارتفاع درجات الحرارة، ومشكلات الطاقة والديون الأمريكية، والنزاع بين العرب وإسرائيل، وغزو العراق، يقول: إنهم يرون في كل هذا مبشرات بقرب مجيء المسيح. فهي إذن ليست بالشيء الذي يسوؤهم أو الذي يحاولون تغييره.

لكن ما كل ما يُعَدُّ مصلحة أو مفسدة هو من هذا النوع الذي قد تراه كل النظرات الأيديولوجية رؤية واحدة.

ما النظام الاقتصادي المناسب للبلد؟ ما نوع التعليم المفيد لأبنائنا؟ ما الأقطار التي يجب أن نحسن علاقاتنا بها؟ إلى أيِّ مدى تتاح حرية التعبير، وحرية الحركة، وحرية الاعتقاد، وحرية التنظيامات والاجتماعات، وحرية العلاقات الجنسية، وحرية التجارة؟ هذه وأمثالها من الأمور التي لا يتوقع اتفاق كل المواطنين عليها إذا كانت بينهم اختلافات أصولية دينية أو مذهبية أو فلسفية؛ إذا كان بعضهم مسلمين وبعضهم نصارى وبعضهم علمانيين؛ بل حتى إذا كان بعضهم شيعة وبعضهم سنة. إنه ليس في الانتماء إلى الوطن أيًّا كان نوعه، وليس في الإخلاص له مهما كان قدره، ما يحتم على المواطنين إجابة معينة عن تلك الأسئلة، بل إن أجوبتهم عليها لا بد أن تتأثر بمعتقداتهم وتصوراتهم.

إن المواطَنَة ليست مجرد انتماء شكلي إلى أرض يحدها من الشمال كذا ومن الجنوب كذا ومن الشرق كذا ومن الغرب كذا. هذا انتماء حيواني يستوي فيه البشر والبقر والوطن والزريبة. إن المواطنين بشر لا بقر؛ بشر لهم قيمهم وتصوراتهم ومعتقداتهم، واهتماماتهم التي تتجاوز حدود الحاجات المادية. والوطن ليس زريبة؛ وإنما هو مأوى قومٍ حَدَثَ بينهم قدرٌ كبير من التجانس في القيم حتى صار من الممكن وصفهم في الجملة بخصائص معينة تميزهم عن غيرهم.

غير ذلك كان يقال لنا إلى زمان قريب، وكان يظن كثير منا بسببه في سذاجة أن الديمقراطية تسوي بين المواطنين بغض النظر عن أعراقهم وألوانهم ومعتقداتهم وقيمهم، بل تعدهم جميعًا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وتحل مشكلة اختلافاتهم في المعتقدات والقيم والفلسفات بصناديق الاقتراع. لكننا نرى اليوم كيف أن الغرب يضيق بالمواطنين المسلمين مع أنهم قلة، وكيف أنهم صاروا يطالبونهم بأن يجعلوا إسلامهم إسلامًا فرنسيًا أو إنجليزيًا أو أمريكيًا، وكيف بدؤوا يتحدثون عن قيمهم الغربية وبعتزون بها ويدافعون عنها ويدَّعون تفوقها على القيم الإسلامية، ويطلبون ممن لا يشاركهم فيها ألاّ يشاركهم في الوطن الذي يعدونه في أساسه وطنًا لأصحاب تلك القيم. والذين يعرفون الديمقراطية يعرفون أن هذا ليس بالشيء الجديد عليها، بل كانت كذلك منذ نشأتها في أثينا، ومنذ أن عادت إلى أوروبا وأمريكا. إنها لم تكن أبدًا ديمقراطية لكل الناس مهما كانت الخلافات بينهم؛ إنها اليوم ديمقراطية علمانية ليبرالية لا مكان فيها لمن لا يلتزم بهذه القيم. سيقول الذين لا يعلمون: كيف وهم لا يمنعون أحدًا من دخول مجالسهم التشريعية حتى لو كان مسلمًا؛ كما نرى اليوم في بريطانيا والولايات المتحدة؟ نعم، إنهم يفتحون الباب لكل أحد ولكن بشرط أن يكون ملتزمًا بتلك القيم السياسية. ولكن حتى هذا لن يدوم طويلًا إذا ما بدأ المسلمون يكثرون ويزداد تأثيرهم . لقد كانوا إلى وقت قريب يتحدثون عن المجتمع المتعدد الثقافات؛ أما اليوم فقد كثر الحديث عن ضرورة التجانس والتلاحم، ويعنون به التلاحم الثقافي. وصاروا يأخذون بسبب ذلك على المسلمين لِكون دينهم يمنعهم من مثل هذا الذوبان في مجتمع غير مسلم، ويجعلهم يعيشون في عزلة اختيارية عنه.

نعم، إن الوطن يكون أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على التطور وعلى الدفاع عن نفسه كلما كان أكثر تلاحمًا وكلما قلت الخلافات الأصولية بين مواطنيه، لكن ما كل اتفاق على مبدأ أو ثقافة ـ أيًّا كانت ـ هو مما ينتج هذا التلاحم. بل إن بعض المعتقدات والثقافات من شأنها أن تحدث هي نفسها عداوة بين المنتمين إليها.

ونعم إن الاتفاق على معتقد معين حتى لو كان عبادة للأوثان ينتج ما يسميه القرآن الكريم مودة بين المعتقدين، وقد يدعوهم لأنْ يتحدوا في مواجهة ما يعدونه خطرًا عليهم أجمعين.

بيد أن الذي يُحدِثُ التلاحمَ الحقيقي بين الناس ويجعل منهم إخوة متحابين هو المعتقد الحق الذي لا تناقض فيه. أما المعتقدات الباطلة المتناقضة فمن شأنها أن تفرق هي نفسها بين المنتمين إليها، حتى إنك لتحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى. ولذلك قال أحد السلف (أهو مجاهد؟) مفسرًا كثرة الانشقاقات بين الخوارج: «لقد كان أمر الخوارج باطلًا فاختلف، ولو كان حقًا لأْتَلَف» أو كما قال.

نحن لا ندعو إلى ما يدعو إليه الغربيون من إجبار كل الناس على الالتزام بالقيم السائدة في المجتمع؛ فقد تسامحت مجتمعاتنا الإسلامية كلها مع اليهود والنصارى وسمحت لهم أن يعيشوا بين ظهراني المسلمين. إن المهم لاستقرار المجتمع أن تكون هنالك ثقافة غالبة تبنى عليها السياسات الاقتصادية والسياسية والتربوية التعليمية والخارجية وغيرها.

ولذا فإن علينا أن نرفض رفضًا باتًا ما يدعونا إليه الغربيون (مما يفعلون عكسه في بلادهم) من جعل مجتمعاتنا ممزقة بين معتقدات دينية وعلمانية متناقضة متحاربة، لا يكون معها استقرار ولا تطور، بل تظل نهبًا لكل طامع.

أ.د. جعفر شيخ إدريس*

عناصر الشرك الاستكبار والفحش في القيم الغربية أصبح من البدهيات أن القادة السياسيين في الغرب يعتقدون أن الإسلام ـ الذي يصفونه بالرادكالي ـ هو الآن العدو الأول والخطر الأكبر على الحضارة الغربية بعد سقوط الشيوعية. لقد كان الاتحاد السوفييتي مضاهيًا للغرب في تقدمه العلمي والتقني، وما ترتَّبَ على ذلك من قوة مادية، وكان في مبادئه وأيديولوجياته ومؤسسيه امتدادًا للفكر الغربي نفسه. أما المسلمون فما الخطر الذي يمثلونه على الحضارة الغربية وهم اليوم أكثر ما يكونون تخلفًا في تلك العلوم والتقنيات بالنسبة للغرب، إذ إنهم لا يكادون يملكون من القوة المادية شيئًا، بينما تملك دولة كالولايات المتحدة من أسلحة الدمار الشامل ما يُمكِّنها ـ حسب زعمهما ـ من تحطيم الكرة الأرضية كلها عدة مرات؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت