ورحم الله نور الدين البكري الشافعي إذ يجيب على هذه الشبهة بقوله: 'وإن كان قائلها لم يرد ظاهرها فهو كافر بقوله ضال بجهله، ولا يعذر بتأويله لتلك الألفاظ إلا أن يكون جاهلًا للأحكام جهلًا تامًا عامًا ولا يعذر بجهله لمعصيته؛ لعدم مراجعة العلماء والتصانيف على الوجه الواجب من المعرفة في حق من يخوض في أمر الرسل ومتبعيهم, أعني معرفة الأدب في التعبيرات, على أن في هذه الألفاظ ما يتعذر أو يتعسر تأويله، بل كلها كذلك، وبتقدير التأويل على وجه يصح في المراد فهو كافر بإطلاق اللفظ على الوجه الذي شرحناه'. [مصرع التصوف ص 144] .
وقال أبو حامد الغزالي: 'فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ, وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم'. [إحياء علوم الدين 1/ 37] .
وأما أنها مدسوسة عليه فكذب، وقد شهد معاصروه عليه بها، وما زال المدافعون عنه يفخرون بنسبة الفتوحات والفصوص إليه ويمتدحونه بها.
وقد ذكر الشيخ الأديب علي الطنطاوي - رحمه الله - حادثة طريفة في معرض رده على من أنكروا عليه بأنه يقول بكفر الكلام الموجود في كتب ابن عربي ما نصه: 'أما قوله في أنني لا أعرف شيئًا عن ابن عربي وعن عقيدة وحدة الوجود فأخبره ولا فخر في ذلك أن الذي جلب كتاب الفتوحات من قونيا ونقله من النسخة المكتوبة بخط ابن عربي نفسه والمخطوطة الآن في قونيا هو: جدنا الذي قدم من طنطا إلى دمشق سنة 1250 هـ, فإن كان أخطأ فإني أسأل له المغفرة, وإنني قابلت مع عمي الشيخ عبد القادر الطنطاوي نسخة الفتوحات المطبوعة على هذا الأصل المنقول صفحة صفحة .. وأنا أستغفر الله على ما أنفقت من عمري في قراءة مثل هذه الضلالات'. [منقول من كتاب فتاوى علي الطنطاوي] .
ما وراء إحياء أفكار ابن عربي:
قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: 'وفي هذه الأيام يوجد تعاون بين قسم الدراسات الإسلامية في السوربون وبين المسئولين عن العلوم والآداب والفنون عندنا على إخراج كتاب الفتوحات المكية في بضعة وثلاثين سفرًا، في نسخ أنيقة فاخرة لتيسير تداولها بين الناس، ولنشر فكر ابن عربي الذي تحتاج إليه أوروبا في هذه الأيام ...
والسعي لإحياء أفكار ابن عربي جزء من تضليل أمتنا وتعتيم الرؤية أمامها, أو هو عرض لدين مائع يسوي بين المتناقضات؛ إذ قلب ابن عربي - كما وصف نفسه - دير لرهبان وبيت لنيران وكعبة أوثان، إنه تثليث وتوحيد ونفي وإثبات .. هذا الكلام الغث هو قرة عين الصليبين وأمثالهم, وهو ما يراد الآن نشره على أوسع نطاق ...
إن علماء الأزهر في العصر الأيوبي أنكروا تفكير هذا الرجل وحكموا بكفره وأودع السجن ليلقى جزاءه, لكن أصدقاءه نجحوا في تهريبه'. [تراثنا الفكري 72: 74] .
وقال الباحث الموسوعي الدكتور عبد الوهاب المسيري: 'العالم الغربي الذي يحارب الإسلام، يشجع الحركات الصوفية. ومن أكثر الكتب انتشارًا الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين بن عربي, وأشعار جلال الدين الرومي. وقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية'. [http://www.elmessiri.com/ar]
وفي الختام نسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
الخميس 5 جمادى الأولى 1427 هـ - 1 يونيو 2006 م
عصام زيدان
مفكرة الإسلام: يقود نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني - فيما يبدو - بلده لعدة مغامرات جديدة بعد ورطة ما زالت تحيط بها في العراق, كان هو أحد أبرز الموجهين والداعمين لها.
فقد حملت الآونة الأخيرة عدة تصريحات نارية من جانب تشيني تمهد لجولة جديدة من المغامرات المحفوفة بالمخاطر, والتي من شأنها أن تسعّر من حدة الأزمات في منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة, ومن ثم على الصعيد العالمي بعد ذلك.
فقد تناول تشيني الأزمة الإيرانية ملوحًا بـ'خيارات أمريكية مفتوحة' للتعامل مع النووي الإيراني, وأعقب ذلك بفتح جبهة من الجدل الساخن مع روسيا, مستعيدًا ذكريات الحرب الباردة التي ودّعها العالم بتفكك الإمبراطورية السوفيتية مطلع التسعينيات.
ويبرز من ثنايا تلك التصريحات الملتهبة السؤال الأهم: هل هي مغامرات جديدة يدفع في اتجاهها هذا الكهل الأمريكي والقطب المحافظ؟! أم أنها توجهات البيت الأبيض والإدارة الأمريكية؟!!
تشيني على الجبهة الإيرانية:
على الجبهة الإيرانية أكّد تشيني أن بلاده لن تسمح بامتلاك إيران لأسلحة نووية، محذرًا من أن الولايات المتحدة تطرح جميع الخيارات في التعامل مع الأزمة الإيرانية.
وقال في خطابه أمام لجنة العلاقات العامة الأمريكية 'الإسرائيلية': يحتاج النظام الإيراني إلى أن يعرف أنه إذا ظل على موقفه الحالي؛ فإن المجموعة الدولية تستعد لاتخاذ قرارات ذات مغزى, وأن الولايات المتحدة تتفق مع الدول الأخرى في إرسال رسالة إلى هذا النظام, مفادها أننا لن نسمح لإيران بأن يكون لديها سلاح نووي.
كما أن أحد أسباب فشل عقد المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العراق هو مساعي تشيني ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لإفشال أية جهود دبلوماسية، معتبرين أنها علامة ضعف, ينبغي ألا يجر إليها الطرف الأمريكي.
كما أن إليزابيث تشيني - مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى, والمساعدة الأولى لوالدها - وجهت تركيزها في الفترة الحالية إلى الاهتمام بالسعي لتغيير النظام الإيراني من داخله، حيث تتفق مع والدها في تبني وجهة نظر مفادها أن الأفضل للولايات المتحدة أن ينهار نظام الملالي الحاكم في إيران من داخله.
وذكرت صحيفة التايمز أن إليزابيث تعمل على إنفاق 85 مليون دولار أمريكي هي ميزانية خطة مخصصة للترويج للديمقراطية في إيران، ومعظم هذه الأموال تصرف على نشر وجهات نظر المعارضين الإيرانيين المنفيين والمنشقين عن النظام الحالي والتيارات المنادية بالتغيير في داخل إيران.
تشيني على الخط الروسي:
دخل تشيني على الخط الروسي كذلك بقوة, وأعاد الحرب الإعلامية بين البلدين إلى سابق عهدها إبان الحرب الباردة.
وانتقد السجل الروسي في مجال حقوق الإنسان, واستغلالها لمواردها النفطية كوسيلة ضغط سياسية على بعض الأنظمة المجاورة, وتدخلها في توجيه سياستها.
فقد صرح تشيني أمام مؤتمر لزعماء أوروبا الشرقية 4 مايو 2006 م أن سياسة الحكومة الروسية في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتن بدأت تركز على محاصرة حقوق الأفراد وانتهاك حرياتهم بصورة غير مقبولة ومنافية للعدالة والمعايير الدولية.
وحذّر من أنه لو أصرت موسكو على انتهاج هذه السياسة مستقبلًا فسيكون لذلك تداعيات خطيرة على مستوى العلاقات بين دول المنطقة.
وقال تشيني: 'لا يمكن تصوّر أن أية مصلحة مشروعة يمكن أن تبرر قيام دولة مثل روسيا بدعم استغلال النفط والغاز كأدوات للتخويف والابتزاز, سواء عبر التلاعب في عمليات التجهيز أو محاولة احتكار عمليات نقل النفط والغاز'.