فهرس الكتاب

الصفحة 2481 من 3028

في معظم تجارب دخول قوات أممية إلى دولة من الدول إلا كانت هذه القوات منحازة بصورة من الصور إلى طرف من أطراف الصراع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تناصره في مواقفه وتقدم له الدعم والملاذات الآمنة، كما يمكن أن تغمض عينيها عن أفعاله العسكرية،كما حدث في البوسنة والهرسك، ودارفور لتناقضاتها الإثنية الشديدة، ستكون مرشحة بصورة أكبر ؛ وخاصة أن الأمم المتحدة ووكالتها وأجهزتها تنطلق في قضية دارفور من مسلمة صلبة، لا تقبل المراجعة والتصحيح وهي أن مشكلة دارفور هي مشكلة بينالقبائل ذات الإنتماء العربي من جانب والقبائل ذات الجذور الأفريقية من الجانب الآخر، ولهذا يأتي توصيف الأمم المتحدة دائما في ديباجة تقاريرها وقراراتها لم يجري في دارفوربأن عدوان على (السكان المدنيين) ويأتي بصورة أوضح في تعليقات الدول الغربية ، حيث تعده بعضها (تطهير عرقي) وبعضها يسميه (أعمال إبادة جماعية) ، ومن الطبيعي عندئذ أن تنحاز القوات الأممية وبعثتها للطرف المباد والذي تمارس عليه أعمال تطهير عرقي واستئصال. ومن الطبيعي كذلك أن لا يقف الطرف الآخر (العربي) المتهم موقف المتهم الذي تثقله ذنوبه عن الحركة والدفاع عن نفس، وخاصة أن القرار الأممي الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي بالرقم (1769) يدعو الى ( تشديد على ضرورة تقديم مرتكبي تلك الجرائم إلى العدالة ، وإذ يحث حكومة السودان على القيام بذلك..) ( إذ يلاحظ مع القلق الشديد الهجمات الجارية التي تشن على السكان المدنيين وعلى العاملين في المجال الإنساني، واستمرار ارتكاب العنف الجنسي وانتشاره على نطاق واسع) . ومع هذا الإحتقان المبكر، تعتبر الأمم المتحدة أن الحل السياسي للمشكلة وهو الخيار الأنسب والوحيد لمشكلة دارفور، والواضح أن مفهوم الحل السياسي للمشكلة يتلخص عند المنظمة الدولية والدول الصانعة لتوجهاتها، في تمكين الحركات المسلحة المتمردة السابقة من زمام السلطة في الإقليم وكذلك زمام القوة العسكرية المسلحة وفق"ترتيبات قسمة الثروة والسلطة في الإقليم"وقد بدأ ذلك واضحا منذ وقت مبكر منذ توقيع اتفاق أبوجا في مايو 2006م بين الحكومة السودانية وحركة مني أركو مناوي، حيث نالت حركة مناوي كل الغنيمة، والواضح الآن هنالك تجاوز كامل للقبائل العربية في مفاوضات"الوضع النهائي"القادمة، رغم أن القبائل العربية تشكل 50% من السكان.. وهي أزمة جديدة. وقد نقلت وكالات الأنباء عن إلياسون مبعوث الأمين العام السودان تهديد القبائل العربية بنسف محاولات السلام إذا استمر مسلسل ظلمهم ووصمهم بمسمى الجنجويد.

أما يتعلق بسيادة الدولة فذلك أمر أخر.

تحولات إقتصادية:

امتدادًا للتحول السياسي في دارفور، فإن تحولات إقتصادية كبيرة ستحدث بالتزامن معه، حيث تأتي هذه القوات ، وبمعيتها أموال ضخمة جداُ كتكاليف تشغيل، ومرتبات جنود، كما يتطلب بقاء هذه القوات لسنوات قادمة تأسيس بنية تحتية ، ولا يمكن أن يتم كل ذلك إلا بظهير محلي يساعد، ويقوم بمعظم هذه الأعمال بالوكالة عن القوات الأممية، و ووفق الرؤية المسبقة التي تجرّم طرف ، وتجعل الآخر ضحية فإن شريحة محدودة من السكان ستكون وحدها المستفيدة من منافع هذه التحول الإقتصادية الجديدة، فهي التي ستنعم بالتوظيف عند البعثة كما أنها التي ستنعم بالعطاءات المختلفة، وكما إنها تحت مسمى تعويض النازحيين- حيث رفض العرب المتضررين النزوح للمعسكرات- ستحظى مناطقها ببني تحتية،مما يحث تباينا في الأحوال المعيشية والثقافية والتعليمية بين القوميات الدارفورية، تؤثر على مستقبل الحياة بينها، وهو تكرار للسياسية الإستعمارية القديمة التي تصنع أقلية مترفة ومتعلمة مرتبطة بالأوضاع الجديدة والوافد الجديد ارتباطا مصيريا وأغلبية جاهلة وفقيرة، وهذا الوضع السياسي الأقتصادي سيقود حتمًا لمقاومة من العروبيين قد تنتهي بإنزلاق الإقليم كله في حرب أهلية جديدة تكون القوات الأممية الطرف الثالث فيها.

تحولات إجتماعية:

إن جاز أن نفصل بين (السياسية والإقتصاد ) والإجتماع' فإننا نتعامل معه من الجانب الأخلاقي، ومدىى تأثر الأسرة بالتحولات ،وفي هذا الإطار فإن أحداث دارفور بسنواتها الثلاث، قد شهدت تراجعا مهولًا في الشعور القومي وتناميا مهولًا أيضًا للقبيلة، كما أفرزت حياة المعسكرات الطويلة أنماطًا من الأخلاق من الصعب جدًا التعافي منها مباشرة حتى بعد العودة إلى القرى الأولى ومضارب القبيلة، ومن هذه الأخلاق: تنامي الروح الإتكالية و انتظار عون الآخر، وهذه الروح خطيرة جدًا على استقرار الأسرة لأنها تحدث شرخا في الأدوار الطبيعية في الأسرة وعلى دور الرجل على وجه الخصوص. ومنها انتقال هذه القوات للإقليم بكل سيئاتها الأخلاقية وجرائمها القيمية، التي تصاحب كل بعثة للأمم المتحدة وقد سمعنا باغتصابهم القاصرات في حنوب السودان في أكثر من مدينة وجرائمها في الكنغو الديمقراطية،وواقع النزوح وتفكك الأسرقد بذر بذورا كريهة، وقد أغضب شباب دارفور من قبل تصريحًا للدكتور مجذوب الخليفة رحمه الله قال فيه"إن اكثر من 375 حالة حمل سفاحا حدثت في معسكرات اللاجئين"وعلى مرارة العبارة إلا إنها صرخة نذير.

التحولات العسكرية:

دارفور بطبيعتها أرض سهل تسيل أرضها شمالًا وجنوبا ، شرقا وغربًا بلا حواجز طبيعية تحدها مع دول الجوار، كما أن قبائلها عريقة في الإسلام والجهاد وتتداخل مع قبائل شبيهة في دول أخرى ، مما يجعل دارفور مرشحة لانتقال الشباب المجاهد والتحفز لقتال الغربيين إليها، وخاصة من الشباب التشادي والنيجيري وأفريقيا العربية من الذين لهم خبرات قتالية سابقة في أفغانستان وخاصة بعد وجه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن نداءً لهم ولشباب الجزيرة العربية يناشدهم التوجه إلى دارفور واختبار طبيعية الأرض، ومن الطبيعي إذا استمر تجاوز القبائل العربية في التسوية القادمة أن تكون الملاذ والمنطلق لمقاتلي القاعدة.

ومن جانب ثاني يعتبر اللصوص وقاطعو الطرق هذه القوات مصدرًا للسيارات والمعدات ومن ثم تصبح هذه القوات هدفا لهم كما حدث للاتحاد الأفريقي والمنظمات الإنسانية .هل مع هذا القرار الذي يسمح للقوات باستخدام القوة الرادعة وتمديد مهمتها كما تشاء، وهشاشة واقعنا في دارفور والموافقة الحكومة ،فهل هناك ثمة سبيل لمقاومة..؟

في مطلع التسعينات اعترضت وزارة الخارجية البريطانية على مطالب تقدم بها عدد من نواب البرلمان البريطاني وبعض الجمعيات الطوعية لاتخاذ إجراءات عقابية ضد السودان عبر مجلس الأمن. وكان رد الوزير المسؤول على من تقدم بهذه المطالب وقتها أن مجلس الأمن قد فرض خلال فترة وجيزة عقوبات ضد العراق وليبيا، وان اتخاذ خطوة مماثلة في حق دولة عربية مسلمة ثالثة قد يعطي الانطباع بأن الغرب يشن حملة مبرمجة ضد العرب والمسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت