الصراع إذن حقيقة موضوعية عامة بين الشعوب، وأسباب (الصراع المتجددة بين الإسلام والغرب توجد في الأسئلة الأساسية للقوة والثقافة، مَن الفاعل ومَن المفعول به .. ، مَن الذي يجب أن يحكم، ومَن الذي يجب أن يكون محكومًا؟ .. ) ، وبما أن النم السكاني والثراء الاقتصادي يمثلان قوة أساسية عبر التاريخ، فإن (مستوى الصراع العنيف بين الإسلام والمسيحية، عبر الزمن كان يتأثر دائمًا بالنمو الديمغرافي هبوطه، كذلك بالتطورات الاقتصادية والتحول التكنولوجي وشدة الإلتزام الديني، والعلاقات بين الإسلام والمسيحية، سواء الأرثوذكسية أو غيرها، كانت عاصفة غالبًا، كلاهما كان(الآخر) بالنسب للآخر، وصراع القرن العشرين بين الديمقراطية والليبرالية والماركسية واللينينية ليس سوى ظاهرة سطحية وزائلة إذا ما قُرون بعلاقة الصراع المستمر بين الإسلام والمسيحية، أحيانًا كان التعايش السلمي يسود، غالبًا كانت العلاقة علاقة تنافس واسع مع درجات مختلفة من الحرب الباردة وهذا يعني إن (الإسلام ه الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك .. ) .
وعلى مدى القرون الماضية كان الصراع بين الإسلام والغرب يتركز في مظاهر أو ظواهر تطلع إلى الواجهة دون غيرها، وفي أواخر هذا القرن كانت الصحوة الإسلامية، ولكن وراء هذه الظاهرة أسبابًا أو عوامل متشابهة كما يرى (هنتنجتون) زادت من حدة الصراع بين الإسلام والغرب ومنها:
1 ـ خلف النمو السكاني الإسلامي أعدادًا كبير من الشبان العاطلين والساخطين الذين اصبحوا مجندين للقضايا الإسلامية ويشكلون ضغطًا على المجتمعات المجاورة، كهجرة الشبان المسلمين إلى دول الغرب.
2 ـ أعطت الصحوة الإسلامية ثقة متجددة للمسلمين في طبيعة وقدرة حضارتهم وقيمهم المتميزة مقارنة بتلك التي لدى الغرب.
3 ـ كذلك جهود الغرب المستمرة لتعميم قيمه ومؤسساته من أجل الحفاظ على تفوقه العسكري والاقتصادي والتدخل في الصراعات داخل العالم الإسلامي ولدت إستياءً شديدًا بين المسلمين من الغرب.
4 ـ سقوط الشيوعية أزال عدوًا مشتركًا للغرب والإسلام وترك كلًا منهما لكي يصبح الخطر المتصور على الآخر.
5 ـ الاحتكاك والامتزاج المتزايد بين المسلمين والغربيين يثير في كل من الجانبين إحساسًا بهويته الخاصة وكيف إنها مختلفة عن هوية الآخر، وهو ما يفاقم الخلافات حول حقوق أبناء حضارة في دولة يُسيطر عليها أبناء حضارة أخرى، في الثمانينات والتسعينات إنهار بشدة ذلك التسامح بالنسبة للآخر في كل من المجتمعات الإسلامية والمسيحية.
إن هذه العوامل المشتركة، أي القائمة على أساس علائقي، ليست سوى ملامح تحيل إلى التشاؤمية في مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب، فمن المرجح أن تكون علاقات الغرب بالإسلام متوترة على نحو ثابت وعدائية جدًا في معظم الأحوال.
وعلى المدى القادم فإن (العلاقة بين قوة وثقافة الغرب وقوة وثقافة الحضارات الأخرى هي السمة الأكثر ظهورًا في عالم الحضارات، ومع زيادة القوة النسبية للحضارات الأخرى يقل التوجه نحو الثقافة الغربية وتزداد ثقة الشعوب غير الغربية بثقافاتها الأصلية والالتزام بها) ، لكن الغرب سيُعاني من مشكلات عديدة في هذا الاتجاه، فالمشكلة الرئيسية (في العلاقات بين الغرب والباقي بالتالي هي التنافر بين جهود الغرب لنشر ثقافة غربية عالمية وانخفاض قدرته على تحقيق ذلك) ، ومن ذلك أيضاُ نُلاحظ مع هنتنجتون إنه (طالما أن الإسلام يظل و(سيظل) كما هو الإسلام، والغرب يظل (وهذا غير مؤكد) كما هو الغرب فإن الصراع الأساسي بين الحضارتين الكبيرتين وأساليب كل منهما في الحياة سوف يستمر في تحديد علاقتيهما في المستقبل كما حددها في مدى الأربعة عشر قرنًا السابقة).
إن هنتنجتون في نظريته (الصدام) يتوقف عند حدود بروز جهويات الإنسان الجديدة القديمة في نهاية القرن، وهي: العرق والتدين الطائفي وبمستوى أعم الهوية الثقافية أو الحضارية التي يقودها إلى حيز الصراع أو الصدام عنوة، وذلك بالاستناد إلى وقائع وأحداث إن هي إلا متغيرات يعدها هنتجتون مؤشرات تغير سيقع في المستقبل وهو الصدام المتوقع بين الغرب وبين الإسلام ضمن تصور صراعي أو صدامي بين حضارات متعددة هي التي تكوّن عالم اليوم.
إن فكرة (التصادم) إذن قديمة قدم الوجود الإنساني، وهي تتأثر بشكل أو بآخر بثقافة العصر وبطبيعة العلاقات الدولية في المجتمع الإنساني فضلًا عن تغيرات الفكر العلمي والفلسفي، أما فكرة التصادم في الأدبيات الغربية، الفكرية والسياسية والفلسفية والتي تطرح العلاقة بين الشرق والغرب كونها علاقة تصادمية، أو ستكون كذلك فإنها طرحت قبل هنتنجتون، كتحصيل حاصل لنظريات أو تصورات تفسيرية تستشرف العلاقة بين الشرق والغرب عامة والإسلام والغرب خاصة، وقد وجدنا أن روجيه غارودي الفيلسوف الفرنسي طرح فكرة التصادم، ولو بشكل سريع، يقول غارودي في مطلع كتابه: (الأصوليات المعاصرة، أسبابها ومظاهرها) ، إن الأصوليات كل الأصوليات أكانت تقنوقراطية أم ستالينينية، مسيحية يهودية أم إسلامية، تشكل اليوم الخطر الأكبر على المستقبل، فانتصاراتها، في عصر لم يعد لنا فيه الخيار إلا بين الدمار المتبادل والأكيد وبين الحوار، يمكناه أن تحبس كل المجتمعات البشرية في مذاهب متعصبة منغلقة على نفسها، وبالتالي متجهة نحو المصادمة، كما إن هناك العديد من الباحثين والمفكرين الغربيين قد استشرقوا رؤية التصادم القادم بين الغرب والإسلام، وقد اعتمد هنتنجتون طروحاتهم لتعزيز تفسيره للصراع الحضاري القادم.
إن هنتنجتون لا ينظر إلا إلى الجوانب السلبية من ظهوريات الإسلام أو الأسلمة في العالم الآخذة بالازدياد، وهو في الوقت الذي يتابع ظهوريات الإسلام في الدول الغربية، وذلك أمر مهم، نراه يركز على أحداث ووقائع تعكس عنف العلاقة بين الغرب والإسلام، وهل فاته أن هذه الأحداث هي نتاج لماكنة السياسة الغربية في العالم، إن ما حدث عام 1991 حين شنت القوات العسكرية الأطلسية حربها الشعواء المدمرة ضد العراق، وطنًا وشعبًا، كان نتاجًا لقصدية سياسية ستراتيجية غربية في المنطقة، كما أن ما حدث وما زال يحدث وما زال في كوسوفو هو الآخر نتاجًا لإرادة سياسية بالدرجة والأساس، وقد اعتاد الغرب أن يتحين الفرص ويصطاد الأفكار، ويُنضد الايديولوجيات المرحلية ليصل بها إلى حالة التصارع الحضاري، أو الثقافي، إن المهم والأساس بالنسبة للغرب هو مصالحه الاقتصادية وتأمين احتياجاته المادية لحياته لا أكثر.
المصدر:مجلة الكلمة /العدد24/1999م
إقامة العلاقات الدولية بين الأمم والشعوب والدول والحضارات على قاعدة المساواة في الكرامة، والعدالة في تبادل المنافع وفق الرؤية الإسلامية هو امتثال لحكم الله، فالتكريم الإلهي هو لبنى آدم وليس لشعب أو جنس حتى لأبناء دين معين.
"ليست للإسلام وأمته وحضارته وعالمه مشكلة مع علاقات دولية عادلة ونظام عالمي رشيد..بل إن مشاركة المسلمين في إقامة هذه العلاقات الدولية العادلة والنظام العالمي الرشيد هو تكليف إلهي فرضه الله، سبحانه وتعالى، على المسلمين.."
فالتعددية في الشرائع - ومن ثم في الحضارات-..وفي اللغات والألوان - أي القوميات والأجناس -.. وفي القبائل والأمم والشعوب..هذه التعددية - بالنص القرآني ..وفي التصور الإسلامي - سنة إلهية وقضاء تكويني لا تبديل له ولا تحويل...