فهرس الكتاب

الصفحة 2625 من 3028

ورغم أن مصطلح التراث (LEGACY ) في الحضارة الغربية المعاصرة يطلق أيضًا على المخلفات الحضارية والثقافية والدينية؛ فإن الروح العلمانية (غير الدينية ) المهيمنة على الفكر الغربي الحديث جعلته لا يميز بين الدين وبقية الإرث الحضاري؛ بل هو يتعامل مع التراث على سواء بين ما مصدره الإنسان المخلوق وما مصدره الإله الخالق، فالكل يتعرض لعملية النقد والانتقاء والقبول والرفض، ويخضع الدين لهذا المنهج دون أية قداسة.

ومن هنا يكمن خطر اعتبار الدين تراثًا ضمن الظلال العلمانية الغربية التي أحاطت بمصطلح (( التراث ) )، فالمشكلة إذَنْ ليست في تعريف التراث كاصطلاح علمي حضاري، وإنما في هيمنة الفكر الغربي وقيادته للعلوم وللثقافة، وتحديده لمصطلحاتهما وصبغهما بصبغته غير الدينية.

الاحتراز يقتصر على الكتاب والسنَّة دون غيرهما

وبالطبع فإن الاحتراز يقتصر على الوحي الإلهي (الكتاب والسنة ) ولا يتعداهما إلى الفقه أو الاجتهادات الفكرية؛ التي أثمرها العقل المسلم من خلال تفاعله مع الوحي الإلهي، ومحاولته فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما.

إذ لا ضرر من الانتخاب أو النقد عند التعامل مع المنظومات الفكرية والفقهية، ومادام الدين يدخل في التراث ونحن نعيش الدين وقيمه ومقاييسه؛ وإن علاها غبش حينًا، وأصابها انحراف حينًا آخر، ومادامت التقاليد والأعراف الاجتماعية الموروثة تدخل في التراث رغم أنا نعيشها ربما منقحة، أو مختزلة، أو متطورة لكنها ليست منفكة عن جذورها القديمة؛ مادام الأمر كذلك فلن يبقى ثمة مجال للتساؤل إن كان التراث شيئًا دارسًا نريد أن نحييه، فحياتنا الحضارة ليست منبتَّة الجذور ولا مجهولة الأصول، ولكن الصلة بين حاضرنا وماضينا تبدو ضعيفة أصابها الوهن بسبب الاضمحلال الحضاري، وضعف عملية التواصل الثقافي خلال القرون الأخيرة.

وعندما بدأت النهضة الحديثة في العالم الإسلامي لم تواكبها رؤية واضحة لقضية التراث وحركة الإحياء، بل إن وقوع المنطقة تحت دائرة نفوذ الحضارة الغربية القوي ولَّد تيارات فكرية معادية لحركة الإحياء، ومؤيده للسير وراء الحضارة الغربية، مما ولَّد التناقضات في بنية المجتمع الإسلامي الحديث وأعاق نهضته الحضارية، فالحضارة إنما تولد وتزدهر في مجتمع تحكمه (( أيديولوجية ) )واضحة توحد حركته باتجاه الهدف، وتعطيه الحوافز الروحية اللازمة للبناء والتقدم

ما جدوى حركة إحياء التراث؟

ولكن ما جدوى حركة الإحياء، وتقوية الصلة بين حياتنا المعاصرة وجذورنا التراثية؟ لقد طفرت الحضارة الغربية خلال القرون الأخيرة متجاوزة كل منجزاتنا التراثية في حقل الطب والفلك والرياضيات وفنون الصناعات . . فهل نريد البناء على منجزاتنا الماضية؟ وعندها سنحتاج إلى قرون طويلة من التطور البطيء لنصل ـ أولا نصل ـ إلى ما وصل إليه الغربيون في هذا المضمار.

وإن كان الهدف من إحياء التراث العلماني الاعتزاز بمنجزات الماضي وبيان دورنا في الحضارة العالمية، وأثرنا على الحضارة الغربية يوم أن كانت في مهدها، فهو أمر معقول وهو يولد الاعتزاز بالذات، وقد يجرُّ اعتراف الآخرين بذلك إلى زيادة احترام أمتنا؛ مما له أثر في العلاقات مع عالم اليوم.

أما النهضة الذاتية فيمكن أن ترتكز على روح التراث وحوافزه الروحية والفكرية أكثر من منجزاته العلمية والصناعية؛ هذه الروح التي توجدُ محاضن صالحة للتكنولوجيا المنقولة عن الغرب تجعلها مغروسة في بيئتنا، وملائمة لحضارتنا، ومتفقة مع أهدافنا، وقد تدفعنا هذه الروح إلى تجاوز الحضارة الغربية في مرحلة تاريخية لاحقة.

ومن أجل أن تكون الرؤية واضحة يلزم تحديد الأهداف بدقة واختيار الوسائل الملائمة، ولابد من دراسات واسعة لمعرفة قيم التراث وأثر إحيائه على حياتنا العقيدية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادي

حركة الإحياء مختلفة بين الشرق والغرب

ولا بد من ملاحظة الاختلاف بين الظروف التي أحاطت حركة الإحياء (الرينيسانس ) في الغرب في عصر النهضة الأوروبية، وبين حركة الإحياء الإسلامية الحديثة.

لقد سعى العلماء في عصر النهضة الأوروبية لتوثيق علاقتهم الفكرية والنفسية بتراث الرومان واليونان متجاوزين تاريخ النصرانية والكنيسة بسبب حالة العداء بينهم وبينها؛ فكان هدفهم إحياء التراث الوثني وإبرازه لقطع الصلة بالحاضر والماضي النصراني، لذلك صاحبت حركة الإحياء حملةٌ عنيفة على الكنيسة والنصرانية وقيمها.

ويمكن أن نتلمس هذه الحملة في أدبيات القرون الأربعة المتعاقبة منذ عصر النهضة الأوروبية حتى القرن العشرين، فهذه الظاهرة واضحة في الأدب الكلاسيكي (أدب القرن السابع عشر ) الذي كان (( يستوحي الآداب اللاتينية واليونانية ويستمد منها مادته ) ) (8 ) . بل إن المدرسة النقيضة للكلاسيكية، والتي عرفت بالرومانتيكية، واستمدت من أدب العصور الوسطى ممثلة في (( ديدرو ) (( فولتير ) (( روسو ) (( دالامبير ) (( كوندورسيه ) )كان يغلب عليها التحلل من الدين والتقاليد، رغم أن بعضهم مثل (( روسو ) )عبَّر عن إيمانه بالله وثورته على الكنيسة وفلسفتها التربوية (9 ) . . .

وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهرت المدرسة الجمالية التي أعلنت عدم الالتزام بقيم المجتمع الخلقية والدينية حتى قال (( أوسكار وايلد ) ): (( ليس ثمة كتاب يمكن أن يوصف (( باللاأخلاقي ) ): إذ ليس ثمة سوى كتب حسنة التأليف وأخرى سيئة التأليف )) (10 ) .

القرن العشرون وسيطرة العبثية

أما في القرن العشرين فقد سيطرت العبثية وفقد اليقين الديني، ونجحت جهود حركة الإحياء الأوروبية في عزل الأجيال الصاعدة عن النصرانية، حتى قال (( أندريه مالرو ) )في كتابه: (إغراء الغرب ) عام 1925م: (( في اللب من الإنسان الأوروبي ثمة عبثية جوهرية تسيطر على اللحظات الكبرى في حياته … ) ) (11 ) .

وقد عبرت مسرحيات اللامعقول مثل: (أسطورة سيزيفوس ـ 1942م ) لـ (( كامي ) )عن خيبة الأمل وضياع اليقين، والتي تُظهر انعدام المعنى وضياع المثل التي تميز هذه المرحلة من تاريخ الحضارة الغربية (النصف الأول من القرن العشرين ) (12 ) .

وقد أثر المسرح الغربي كثيرًا في مجال نقد القيم الدينية في القرن العشرين؛ حتى عبر عن هدفه (( دبليو. أ. أرمسترونك ) )بقوله: (… إن كُتَّاب المسرح قد جعلوا منه مركز تجمع لصراع الخيال البشري الدائم ضد القناعة الدينية، وعدم الاكتراث الخلقي والإمَّعية الاجتماعية ) (13 ) .

فلا غرابة إذا ما عانت حضارة الغرب من الخواء الروحي والإفلاس القيمي؛ مما يعرضها للسقوط كما عبرت دراسات الناقد (( كولن وِلْسُن ) )في (اللامنتمي ) و (سقوط الحضارة ) .

ولا تزال الآداب الأوروبية حتى الآن ملتصقة بالأساطير اليونانية التي حظيت بالتحليل النفسي والأشكال الفنية الحديثة؛ كما تظهر في مجموعات (( سارتر ) (( كامي ) )الأدبية، والأهم من ذلك أن قيم الحياة اليونانية والرومانية، وما تحمله من عنصرية وصراع وحب للقوة وانغماس في المادة صارت نتيجة حركة الإحياء سمتًا للحضارة الغربية المعاصرة، والتي لم تعد النصرانية تمثل فيها أكثر من صبغة باهتة أمام الألوان الفاقعة للمادية المهيمنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت