فهرس الكتاب

الصفحة 670 من 3028

( تبدأ القصة بعد الحرب العالمية الثانية حيث خرجت اليابان منها مهزومة محطمة، وكانت سياسة السلطات الأمريكية لليابان تهدف إلى إقالة اليابان من عثرتها وإعادة تكوينها لتصبح ضمن المعسكر الغربي، ولكن تلك السياسة لم تكن تهدف ولا تتصور أن ما تقدمه من مساعدة لليابان يمكن أن تخرج هذا العملاق مرة أخرى من قمقمه... فتساهلت الولايات المتحدة في نقل التقنية الأمريكية لليابان بل شجعت على ذلك وكانت شركة سوني شركة يابانية مغمورة وناشئة، ولكنها كانت طموحة وذات بصيرة نافذة، فتولت زمام المبادرة في بدء رحلة نقل التقنية الالكترونية لليابان، وكان ذلك عندما تمكنت من شراء رخصة تصنيع جهاز الترانزستور في اليابان من شركة بل الأمريكية مقابل 25000 دولار.

وكان هذا شأن الشركات اليابانية الأخرى التي استخدمت نفس الاستراتيجية التي تتمثل في شراء رخص التصنيع لمنتج أمريكي ما، ثم تعمل على تقليد التصميم وتنتجه بعد أن تضيف إليه تحسينات تجعله أكثر جودة وبتكاليف أقل وأسعار أقل، واستمر اليابانيون يسلكون هذا الطريق لعدة عقود من الزمن دون أن يتنبه الأمريكيون لخطورة هذا الوضع ، ولم يدركوا ذلك إلا مؤخرًا عندما اشتدت المنافسة اليابانية للمنتجات الأمريكية والأوروبية، فأخذت حكومات تلك الدول والشركات الخاصة فيها تضع القيود والأنظمة التي تحد من نقل التقنية لليابان أو تمنعها إن كان ذلك في مقدروها، ولكن ذلك التنبه جاء بعد فوات الأوان، لأن اليابان كانت قد بلغت مرحلة النضج، وتجاوزت مرحلة التقليد والتبني إلى مرحلة الأبحاث الذاتية والإبداعات الذاتية التي جعلتها مصدرًا غنيًا للتقنية ، وفي مركز قوي يفرض حتمية تبادل التقنيات المختلفة مع تلك الدول.

لقد استطاعت الشركات اليابانية وغيرها من المنظمات اليابانية خلال الفترة من عام 1951م وحتى مارس 1984م الدخول في عقود بلغت حوالي 42.000 عقدًا لاستيراد التقنية لليابان من الخارج، وكانت تلك التقنيات تمثل خلاصة وأفضل ما توصلت إليه الدول المتقدمة، وكان للأسلوب الياباني في اختيار هذه التقنيات دور كبير في نجاح نقل التقنية. فاليابانيون لم يكونوا مهتمين بنقل أي نوع من التقنية، ولكنهم كانوا حريصون على اختيار الأفضل، وكان سبيلهم إلى ذلك يتمثل في إرسال موجات من المتخصصين اليابانيين لدراسة التقنية المرغوب نقلها بدقة وعمق فيحققون بذلك أكثر من هدف:

الأول:هو التعرف عن كثب على نوعية التقنية وخصائصها من مصادرها، وفي نفس الوقت يحاولون الحصول على ما يتعلق بها من رسومات وتصاميم ومعلومات.

أما الهدف الثاني: فإنه يتمثل في استغلال مرحلة الدراسة هذه للتحضير لمرحلة التحسينات التي سوف يضيفونها على المنتج قبل إعادة إنتاجه وبالتالي مفاجأة المنتجين الأصليين في وقت قصير عادة بالتعديلات والتحسينات التي يضيفونها إلى المنتج فتجعله أكثر جودة وأقل سعرًا، ويمهد لهم الطريق لتعزيز منافستهم وكسب الأسواق بصورة إقتحامية مذهلة... لقد كانت الكمية الضخمة من الرخص التقنية المتنوعة من أهم الأسباب التي ساعدت اليابانيين على بناء قاعدتهم الصناعية المتطورة، ومن المذهل أن ما دفعته اليابان مقابل كل هذه العقود وعلى مدى هذه السنوات القليلة لم يتجاوز مبلغ 17 بليون دولار أمريكي ، والذي يمثل جزءًا بسيطًا جدًا من الميزانية السنوية للأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية !

لقد أثبت اليابانيون في هذا المجال مثل العديد من مجالات التنمية الأخرى بأنهم ذوو بصيرة نافذة، فقد كان أمامهم طريقان لتنمية وتطوير التقنية اليابانية: إما صنعها بأنفسهم أو شرائها من الخارج . وكان قرارهم حاسمًا وهو اختيار البديل الثاني أي شراء التقنية، أما بالنسبة لبائعي التقنية فقد كانت النتيجة مدمرة، فالتقنية التي يبيعونها لليابانين تعود إلى أسواقهم في شكل أجود محدثة لهم كابوسًا ومنافسة مزعجة، ولكن البائعين كانوا ينظرون إلى عملية البيع باعتبارها صفقة تجارية ومصدرًا للدخل ولم يخطر في بالهم ما يمكن أن يحدثه ذلك من تطورات ومنافسة تهدد مصالحهم ومراكزهم، وهي الحقيقة التي لم يكتشفوها إلا مؤخرًا مما أحدث لديهم رد فعل ليس في مواجهة اليابان فقط، ولكن كمبدأ عام في نقل التقنية لجميع الدول ، وبدأت تبرز عبارات مثل"نحن نريد الآن أن نبيع حليبًا أكثر من أن نبيع بقرًا"!!

إنه واقع يجب إدراكه من قبل الدول النامية التي تطمع وتحلم في نقل التقنية من الدول المتقدمة ، فقد تعلمت تلك الدول درسًا قاسيًا من تجربتها مع اليابان ولن تسمح بتكرارها، بل إن اليابان نفسها أخذت تعض أصابع الندم على ما قدمته من مساعدة تقنية لكوريا الجنوبية والصين الوطنية والتي لن تكررها مع أية دولة أخرى، وما على الدول النامية إلا البحث عن الطرق الكفيلة لإرساء قواعد التقنية فيها سواء عن طريق المجهودات الذاتية أو باتباع وسائل مبدعة تخترق بها التحصينات المفروضة على التقنية في الدول المتقدمة ) . ( انتهى النقل من كتاب الأستاذ حمدي أبوزيد ، مرجع سابق ، ص 312-315) .

قلت: فتبن من كل ما سبق أن الدول ( كلها ) مهما كانت ديانتها وثقافتها تستطيع أن تصل إلى التفوق الدنيوي إذا ما بذلت أسبابه المادية ، وتخلصت من معوقاته ( الداخلية والخارجية ) ، وما تجربة اليابان ( الوثنية ) عنا ببعيد ، وقل مثل ذلك في غيرها: الصين ، كوريا ، نووي باكستان ، ...الخ

خاتمة:

وإذا كانت اليابان قد اعتزت بتراثها الوثني وثقافتها .. أفلا يليق بأصحاب الدين الصحيح ، خاتم الأديان ، أن يعتزوا بما فضلهم الله به على العالم ؟؟ وألم يأن للمسلمين أن يتخلصوا من ( الأكذوبة الكبرى ) التي طيرها ( بنو علمان ) في كل مكان من ديارهم ؟؟!

وبلادنا - بلاد التوحيد - خير مؤهل لنقض هذه الأكذوبة العلمانية على أرض الواقع ، حيث لم تتورط بعد في تلك النظرة المغلوطة ، فتجمع رغم أنوف الجميع بين الدين الصحيح والدنيا اللائقة ( بنقل التقنية كما سبق ) ، وتحافظ على أصالتها وأخلاقها وكرامة رجالها ونسائها .... فتكون خير قائد لبلاد المسلمين يهديهم إلى طريق العزة والقوة . أسأل الله الكريم أن يهدي حكام المسلمين إلى الإعتزاز بدينهم ، وتحكيم شرع الله في بلادهم ، ومجانبة ( بني علمان ) ممن يريدون لهم أن يكونوا مجرد ( تابع ذليل ) لأعداء الإسلام .

الدكتور محمد جميل غازي

الأزهر مطالب بإجراء تغيير جذري في أسلوب عمله!!

صناديق النذور.. وتجار الأضرحة.. والشريعة!!

التقريب بين المذاهب.. دعوة مشبوهة!!

هذا الحديث الطويل.. كان قد أدلى به الدكتور محمد جميل غازي لـ"جريدة التعاون"أيضًا، وقد تحدث فيه عن عشرات النواحي التي تتعلق بالإسلام، وتهم المسلمين، ولما كان يحتوي أيضًا على تفنيد، وفحص، وتمحيص لادعاءات الصوفية.. وكشف اللثام عن سر تغلغلها في الريف، وتتضمن إجاباته الرد على كثير من الأسئلة التي تطوف برؤوس المسلمين.. لذلك فإننا نورد منه هنا بعض ما يفيد القراء، وما يتفق والهدف من نشر هذا الكتاب.

وحول ما يسود الريف المصري من خرافات وأساطير يقول فضيلة الدكتور جميل غازي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت