"الريف المصري يقع فريسة للمتسولين الدنيئين، الذين يبيعون القرآن على المقابر، وفي البيوت، نظير دراهم معدودة، أو أرغفة غير معدودات.. كما يقع الريف المصري أيضًا فريسة للسحرة والدجالين، الذين يتاجرون بالسحر والجان والأحجية والتمائم، ويخدعون البسطاء بخرافات وأكاذيب، ليست من الإسلام في شيء وليس الإسلام منها في شيء، وإنما هي أوهام أشاعها تجار الخرافة الذي يثرون على حسابها.. وما أكثر تجار الخرافة في قرانا، وما أسوأ استغلالهم لمشاكل الفلاح المصري وأزماته".
وقد كنا نظن أننا نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا والأقمار الصناعية.. وكنا نظن أن هذا العصر قادر على مكافحة هذا السيل الجارف من التأخر والانحطاط.. ولكن يبدو أننا نعيش بمنأى عن العصر، وأسلوب العصر، أو يبدو أن العصر نفسه مصاب بالمرض النفسي المعروف (انفصام الشخصية!) ففي الوقت الذي نجد فيه الحضارة المادية تعم وتسود، نجد التخلف الروحي يشتد ويتزايد!! المادة تتقدم، والإنسان يتأخر، وتلك هي قمة المأساة!
مطلوب تطهير القرية المصرية من تجار الخرافة:
ويستطرد فضيلته قائلًا: وإذا كان تجار الخرافة في قرانا يتمسحون في الإسلام، ويتسللون إلى نفسية البسطاء خلف أقنعة التدين الكاذب، فإني أقول لكم: إن الإسلام بريء منهم، ومما يدعون فلا تظلموا الإسلام، ولا تحملوه هذه الأعباء التي تتناقض مع طبيعته لأنه دين الفطرة، والعقل، والعلم، والتقدم، والحضارة.
أما هذه الشعوذات والخرافات فاستمعوا معي إلى حكم الإسلام فيها.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".
معظم مساجد القرية خلت من الأئمة المؤهلين:
ويعلق الدكتور جميل غازي على هذه الظاهرة الوثنية التي تسود الريف المصري قائلًا:
"لا شك أن انتشار الوهم والخرافة في الريف جاء نتيجة طبيعية لغياب الوعي الديني بين سكانه، واختفاء الدعاة الأكفاء.. إن مساجد القرية خلت في معظمها من الأئمة المؤهلين، وأصبحت حكرًا على الجهلة وأنصاف الأميين، وانتشرت فيها ظاهرة الخطب المنبرية المنقولة من الأوراق الصفراء البالية، والتي حولت كثيرًا من خطباء القرى إلى ببغاوات يرددون خطبًا محفوظة، منحدرة من عصور الجهل والتخلف، وموزعة على أسابيع السنة لكل أسبوع خطبة لا تتغير ولا تتبدل، وفيها ما فيها من خطأ وخلط وسجع مبتذل، وأحاديث مكذوبة، وأفكار ساذجة بلهاء، مما أشاع في أوساط أهل الريف، التواكل والأمية والسلبية."
ولا ترى القرية المصرية النور إلا حينما يزورها واعظ المركز.. وحتى واعظ المركز شعاره حينما يخطب أو يعظ:"ليس في الإمكان أبدع مما كان، ودعوا الناس وما يدينون!!".
الصوفية شوهت جلال الإسلام:
وهكذا خلت ساحة العمل الديني للمرتزقة والدجالين، الذين شغفوا بالخرافة، وشوهوا جلال الإسلام.. وعلى القمة أمسكت الصوفية بزمام الدعوة، وراحت توزع صكوك الغفران، وتتنافس على صناديق النذور، وتقاسم الفلاح المسكين رزقه، وزرعه حتى قبل أن ينضج.
قلت للدكتور جميل غازي.. نحن لا شك نتفق معكم في تشخيص الأزمة الفكرية والدينية التي تعانيها القرية.. ولكن كيف يمكن تحرير الريف المصري من الخرافة؟ وكيف يمكن الارتفاع بمستوى الوعي الديني للفلاح؟
يجيب فضيلته قائلًا: لا سبيل إلى مواجهة هذا التخلف الفكري والديني، إلا بإعداد نوعية جديدة من الدعاة الأكفاء المؤهلين الذين يتفهمون الدعوة كرسالة وجهاد في سبيل الله، لا كمهنة أو مجال للارتزاق.
إن كثيرًاَ من الدعاة والوعاظ في هذا الجيل، وبعض أجيال أخرى سبقتهم المسؤولون عن هذه المحنة التي تتعرض لها الدعوة الإسلامية، وعن تلك الأمية الدينية السائدة لا في الريف فقط، ولكن في المدينة أيضًا، وإن اختلفت مظاهرها.
ثم يستطرد فضيلته قائلًا:
إن الدعوة إلى الله تمارس الآن كحرفة أو كوظيفة، كما يستهدف الكثير من الدعاة إرضاء الناس، لا إرضاء الله.. وكان هذا هو السبب المباشر في ترويج الخرافة، وإشاعة الأساطير، بحجة أنهم لا يريدون مهاجمة عقائد العامة.. وتلك هي الكارثة.. فإن الداعية معلم، والمعلم مهمته محو الأمية والجهل، لا مهادنة الأمية والجهل.. وكذلك الداعية عليه أن يحارب الخرافة مهما أخذت زخرفها وازينت، ومهما كانت شرسة ومتحكمة في عقول الجماهير.. تلك هي مهمته.. وهي مهمة شاقة في حاجة إلى رجال قادرين على المواجهة، لا على المداورة.. قادرين على المصارحة لا على هدهدة العواطف.. قادرين على الجهاد لا على المساومة.
وقبل أن يتم إعداد مثل هؤلاء الرجال، فلا مجال للحديث عن أي دعوة للإصلاح الديني أو الفكري، سواء أكان ذلك في الريف أو المدينة وستبقى الخرافة دائمًا هي المهيمنة على رؤوس العامة تحدد حركتهم وتشكل سلوكهم.
الأزهر مطالب بإجراء تغيير جذري في أسلوب عمله:
كيف يمكن إعداد هذه النوعيات من الدعاة؟.. وهما هو دور الأزهر وما هي مدى مسؤولياته؟
آسف إذا قلت إن نظم التعليم بالأزهر لا تصلح لإعداد النوعيات المطلوبة من رواد الدعوة.. وآسف أيضًا إذا قلت أن هذه النظم هي المسؤولة عن ضعف مستوى الكثيرين من قيادات الدعوة الإسلامية.. لماذا؟ لأن المنهج والأسلوب الذي يمارسه الأزهر في إعداد الدعاة يبعد إلى حد كبير عن الفكر الإسلامي المستنير، ويتعارض مع بساطة الإسلام ووضوحه!
إنك لو فحصت المناهج والمقررات التي يدرسها طلبة المعاهد والكليات الأزهرية، فلسوف تجد عجبًا!! مواد جافة معقدة، تتألف من متون وشروح وحواش وتقريرات وهوامش، كتبت بعبارات شبيهة بالألغاز والطلاسم والأحاجي التي تتنافى مع بلاغة وبساطة القرآن العظيم.. وفق ذلك فإن هناك اهتمامًا مثيرًا بدراسة الأساطير والخرافات التي يسمونها كرامات الأولياء، والتي ساهمت بنصيب وافر في إشاعة الوهم والاستسلام.
لذلك فإن الأزهر مطالب أولًا بإجراء تغيير جذري في أسلوب عمله، ومطالب أيضًا بإجراء مراجعة شاملة لبرامجه وعلومه وكتبه، بحيث تستبعد منها فورًا تلك الدراسات والمقررات التي تتعارض مع الأفكار الإسلامية، وتتصادم مع العقل والفطرة.
علم الكلام:
ويضرب الدكتور جميل غازي مثلًا بواحد من أهم العلوم، التي يدرسونها بالأزهر، وهو علم الكلام الذي يطلقون عليه علم التوحيد أو علم الإلهيات، والذي قامت على أساسه كليمة جامعية هي كلية أصول الدين، التي تدرس علم الكلام والفلسفة ثم التصوف أخيرًا.
ويقول: إن هذا العلم الذي يعطونه مثل هذه الأهمية، قد نهى عن تعليمه وتعلمه جميع علماء السلف، وجمهور أئمة المسلمين.. ويقول فيه الإمام الشافعي رحمه الله:"حكمي في أصحاب الكلام، أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ بعلم الكلام".
ألغاز وطلاسم: