فهرس الكتاب

الصفحة 929 من 3028

هذا بعضٌ ممّا يتعلق بموضوع الحرية الشخصيّة، أما حرية التملّك فإنها جرّت على المجتمع الغربيّ الويلات العظيمة والمتعدّدة، حيث جعلت طبقةً معيّنةً في المجتمع تتحكم في مصير الناس، وفي حياتهم بسبب هذه الحرية.

فحريّة التملك فتحت الباب على مصراعيه في إنشاء البنوك الربوية التي تمتص دماء الناس، وتكدّس الأموال في أيدي طائفة منهم، وفي إنشاء الشركات العملاقة التي تمثل صورة الحوت في البحر والذي يلتهم كل الأسماك الصغيرة في طريقه، وهذا بالتالي جعل جميع طبقات المجتمع تحت رحمة الرأسماليّين الكبار أصحاب الشركات الكبرى. فهم الذين يتحكمون بالأسعار وبالأجور وهم الذين يتحكمون حتى في القرار السياسي في المجتمع، كما هو ظاهرٌ في انتخابات أميركا هذه الأيام.

هذه بعض النماذج التي يمكن عرضها لمجتمع الغرب أثناء الحديث عن فكرة الحريّة، وبالتالي وَضعْ الإنسان الغربي أمام الحقيقة الساطعة وهي: أن الإنسان إذا أطلق العنان لنفسه يصنع ما يشاء، ويضع القانون الذي يراه مناسبًا بحريّة تامّة فإنه يدمّر حياته بيديه. فالحريّة دمارٌ للإنسان وبالتالي يحتاج هذا الإنسان لقيودٍ تضبط حياته في كلّ الأمور سواء أكانت الشخصيّة، أو الماليّة، أو العقليّة؛ بمعنىً آخر إن فكرة التقييد للحريّة التي ينتقدها الإنسان الغربي هي رحمةٌ لهذا الإنسان وليست شرًا كما يتصور.

فالإسلام يضع قيودًا على حريّة الإنسان الشخصيّة من أجل الأعراض، وحفظ الأنساب ويضع قيودًا أيضًا على حريّة الإنسان في الملكية، لأن إطلاق يد الإنسان ليمتلك كيف يشاء دمار على قطاع عريض من أبناء المجتمع، وحتى على الإنسان نفسه، عندما يتّجر بالمخدرات والسموم.

هذا ما يتعلق بفكر الحريّات التي سيتخذها ساسة الحكومات في بلاد الغرب غرضًا تحريضيًّا ضد الإسلام بشكل عام ، وضد الدولة الإسلامية بشكل خاصْ.

أبو المعتصم - بيت المقدس

ليس غريبًا أن تنتعش فكرة الحوار الوطني في الدول والمجتمعات التي تخضع للاستعمار أو للاحتلال. فهذه الفكرة لا توجد مثلًا في أميركا وبريطانيا، ولا في الدول المتقدمة عمومًا، ولا حتى في الدول المستقرة. إنها توجد فقط في الدول التي لا تملك السيادة الكاملة على قراراتها، وفي الدول التي يوجد بداخلها تأثير استعماري واضح، أو دول محتلة بالفعل كالعراق وأفغانستان وما شاكلها. وتوجد هذه الفكرة كذلك بشكل عام في الدول التي تسمى بدول العالم الثالث التي يلاحظ فيها تمدد النفوذ الاستعماري كما يلاحظ فيها المصالح الكبيرة للدول العظمى.

لابد لنا لكي نناقش هذه الفكرة من جميع جوانبها، ولكي نوفيها حقها، من أن نتناول فيها خمسة عناصر توضحها توضيحًا تامًا وبالتالي يتأتى لنا أن نحكم عليها حكمًا صحيحًا يطابق واقعها.

وهذه العناصر الخمسة هي: مرجعية الحوار وموضوعه وأطرافه وغايته ونتائجه.

أما مرجعية فكرة الحوار الوطني فإنها تستند على الوطن بوصفه الأساس أو المظلة الذي تستند إليه الفكرة وتستظل بظلها. والوطن في هذه الحالة يعني جميع التيارات الفكرية والسياسية الفاعلة والمعترف بها من قبل النظام التي يضمها الوطن على ترابه. فالمرجعية في الحوار الوطني تعترف بشتى الأفكار والتيارات الموجودة التي تعترف بالنظام السياسي القائم داخل حدود الوطن سواء أكانت صحيحة أم باطلة، عادية أم شاذة، تخالف الإسلام أم توافقه. وعلى سبيل المثال يُعترف في العراق بالصابئة وعبدة الشياطين والآشوريين في الحوار الوطني، بينما لا يُعترف بتيارات المقاومة الإسلامية. ويُعترف كذلك في كثير من البلدان الإسلامية بتيارات فكرية واضحة العمالة لأميركا كتيارات الليبرالية الجديدة، بينما لا يُعترف بحزب التحرير لأن فكره الداعي إلى إقامة الخلافة يتعارض مع النظام السياسي الموجود.

إن هذه المرجعية لفكرة الحوار الوطني تخالف تمامًا مرجعية الحوار أو الجدال في الإسلام، بل إنها تخالف اعتبار الإسلام الأساس الوحيد في مرجعية أي شيء وهذا يناقض قوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء 59] الذي يجعل أساس التحاور والتحاكم الوحيد الكتاب والسنة، وبالتالي فلا يجوز في الإسلام أن يُعترف بأي تيار فكري لا يستند إلى الكتاب والسنة بوصفه أساسًا ومرجعية ومرتكزًا ومقياسًا. ومن هنا كانت مرجعية فكرة (الحوار الوطني) مرجعية باطلة شرعًا لأنها تستند إلى تعددية فكرية وعقائدية، ولا تستند إلى الكتاب والسنة فقط.

وأما الموضوع الذي تقوم عليه فكرة (الحوار الوطني) فإنه يتناقض مع الأحكام الشرعية تناقضًا صريحًا، ولو أخذنا على سبيل المثال موضوع الحوار الوطني الفلسطيني لوجدناه يؤكد حقيقة هذا التناقض مع الإسلام. فموضوع الحوار الرئيسي المطروح على جدول أعمال المتحاورين الفلسطينيين هو الاعتراف بالدولة اليهودية، والاعتراف بالاتفاقات الموقعة معها، والاعتراف بالمرجعية الدولية وبالمرجعية العربية لحل القضية الفلسطينية.

ومعلوم أن الاعتراف بالكيان اليهودي المغتصب في الوجود على معظم أرض فلسطين حرام شرعًا، وأن جميع تلك المرجعيات المطروحة لحل القضية الفلسطينية هي محرمة شرعًا، وذلك لأن تلك المرجعيات تقر بالاحتكام إلى قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية، وكلها قرارات كفر وبطلان تتصادم مع الأحكام الشرعية.

وعليه يكون موضوع (الحوار الوطني) مخالفًا للفكر الإسلامي وللحكم الشرعي وبالتالي فلا شرعية لحوار موضوعه غير شرعي.

وأما أطراف (الحوار الوطني) فإن طرفًا على الأقل أو أكثر من أطراف الحوار يتمثل دائمًا في السلطة الحاكمة، ونحن نعلم يقينًا أن السلطات الحاكمة في بلداننا ما هي في الواقع سوى وكيل سياسي يمثل مصالح الدول الكبرى المستعمرة في تلك البلدان. وهذا معناه أننا عندما نتحاور مع الحكومة أو السلطة في أقطارنا الإسلامية فإننا نتحاور في الواقع مع مبعوثين أو مندوبين للولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وللدول العظمى بشكل عام. ولا شك أن هذا الحوار مع هؤلاء هو حرام شرعًا لأنه يجعل للكفار أكبر سبيل على المسلمين والله سبحانه يقول: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } [النساء 141] .

وأما الغاية من (الحوار الوطني) فإنها تكون دائمًا للوصول إلى حل وسط بين المتحاورين، والحل الوسط لا ريب بأنه حل غير إسلامي لأنه يجري فيه تنازل كل طرف من أطراف الحوار عن جزء من ثوابته لكي يتوافق المتحاورون على حل يرضي الجميع. ولو سلمنا جدلًا بوجود طرف إسلامي صادق في الحوار فإن عليه لزامًا أن يتنازل عن جزء على الأقل من ثوابته حتى يلتقي مع التيارات العلمانية والحكومية في منتصف الطريق. وهذا من شأنه أن يجعل الغاية المراد الوصول إليها بين المتحاورين بعيدة كل البعد عن الغايات الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت