(3) أخرجه الترمذي في كتاب النكاح (1084) ، وابن ماجه في كتاب النكاح (1967) ، وصححه الحاكم (2/164ـ 165) ، وتعقبه الذهبي بأن فيه عبد الحميد بن سليمان قال فيه أبو داود: كان غير ثقة، وفيه أيضًا ابن وثيمة لا يعرف. ثم اختلف في إسناده، فنقل الترمذي عن البخاري أنه يرجح انقطاعه، ولكن للحديث شواهد يتقوى بها، ولذا حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1022) .
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2348)
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ـ عباد الله ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل في كل ما نأتي ونذر، والاستجابة له سبحانه في كل ما نهى وأمر، ولزوم تقواه في الحضر والسفر، لتكن التقوى شعارنا ودثارنا: اتق الله حيثما كنت.
أيها المسلمون، قضيةٌ مهمةٌ وخطيرةٌ وظاهرة اجتماعية مؤرِّقة وكبيرة جديرةٌ برسم الخطط والمناهج، وإعداد العدد والبرامج، لتأصيلها والعناية بها وبذل مزيد من الجهد حيالها والاهتمام بها.
تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كلّ عام، حيث تشتد حرارة الصيف ويُلقي بسمومه اللافح على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل كثيرًا من الناس على الهروب إلى المصائف والمتنزَّهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشدّ الأحزمة للتنقل والرحلات.
تذهبُ إلى المطارات فتجدُ أرسالًا من البشر وفئامًا من الناس يسابقون الريح وينافسون الآلات سرعةً واشتغالًا، قد حملوا حقائبهم ونقلوا أغراضهم وأعدوا عدتهم لأسفار كثيرة ورحلات طويلة. اشرأبت أعناقهم وتطلعت أنفسهم إلى سياحة أثيرة وتنقلات مثيرة مع تباين في حقيقة أسفارهم واختلافٍ في آرائهم وأفكارهم. ويتملّكك العجب وأنت تقرأ عن السفر والمسافرين الإحصاءات المذهلة والأرقام الهائلة، ولا ينتهي عجبك وأنت ترى تلك الوفود وقد أقفلت الحجوزات وتزاحمت على البوابات وتسارعت لامتطاء المركّبات، وكل ما يستهويهم هو تحقيق الرغبات. بل لعل بعضهم ينسى في سبيل ذلك عقيدته وقيمهُ وأخلاقه، فيجعلها في عداد المخلَّفين والمخلَّفات، ولا يمنحها تأشيرة سفرٍ معه، فينزع رداء التقوى وجلباب الحياء قبل أن يطاول الفضاء.
وفي خضمِّ هذه المشاهد والمناظر ودوَّامَة تلك الأحوال والمظاهر، وحيث إن الإجازة الصيفية هي الوقت الذي يحلو فيه السفر وتعذب فيه الرحلات ويُحرَّك فيه عصا الحِلّ والترحال والسفر والانتقال تعالوا ـ يا رعاكم الله ـ لنضع هذه القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله ، مع إلماحةٍ إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية في هذه القضية الواقعية، ولنذكر أنفسنا وإخواننا المسلمين ببعض الوصايا النافعة والملامح الماتعة التي ينبغي أن يتذكرها المسافرون في أسفارهم والمرتحلون في تنقلاتهم.
إخوة العقيدة، إن الإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروّحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم، وأن يعملوا بالوسائل المباحة في ذلك شرعًا. فالترفيه البريء والترويح المباح لا غضاضة على الإنسان فيه، بل قد يكون مطلوبًا أحيانًا لأغراض شرعية، وأهداف مرعية، لكن يجب أن يكون كل ترفيه وترويح في حدود ما هو مباح شرعًا، أما أن يُستغلّ ذلك فيما يُضعف الإيمان ويهزّ العقيدة ويخدش الفضيلة ويوقع في الرذيلة ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل فلا وكلا.
أيها الإخوة المسلمون، إن السفر في الإسلام لا بأس فيه، بل قد يكون مطلوبًا لأغراض شرعية، يقول الثعالبي رحمه الله:"من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار ومحاسن الآثار ما يزيده علمًا بقدرة الله تعالى، ويدعوه شكرًا على نعمه" (1) [1] ، وقد قيل:
لا يصلح النفوسَ إذا كانت مدبرة ……إلا التنقلُ من حال إلى حال
إني رأيت وقوف الماء يفسده……إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطلب
والأُسْد لولا فراق الغاب ما افترست …والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة ……لملَّها الناس من عُجْم ومن عرب
لكن السفر في الإسلام له حدود مرعية وضوابط شرعية، منها أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة وأماكن مشبوهة فلا، ما لم يكن ثمَّ ضرورة، مع المحافظة على شعائر الإسلام لا سيما الصلاة، وهل يُلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة والسباع الضارية؟!
وقد ذكر أهل العلم شروطًا ثلاثة لجواز السفر إلى بلاد غير المسلمين، أولها: أن يكون عند الإنسان دين يدفع به الشهوات، ثانيها: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات، ثالثها: الضرورة الشرعية كعلاج ونحوه.
فيا أيها المسافرون، هلاّ سألتم أنفسكم: إلى أين تسافرون؟ ولماذا تسافرون؟ أفي طاعة الله أسفاركم أم إلى معصيته ارتحالكم؟؟ فإذا كان سفركم طاعةً لله في منأًى عما يسخط الله فالحمد لله، وامضوا على بركة الله تكلؤكم عناية الله، وإن كان سفركم في معصية الله وفي غير طاعته ورضاه فاتقوا الله واستحيوا من الله، فإنه يراكم ومطلعٌ عليكم، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .
يا أيها المسافرون، اجعلوا سفركم ابتغاء مرضاة الله، وإن كنتم تنوون في أسفاركم المعاصي فأنتم مدعوون إلى الرجوع عنها وتغيير هذه النية السيئة، مدعوُّون إلى التوبة والإنابة، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا [التحريم:8] .
أخي المسافر المبارك، إن المسلم الواعي هو من أعمل فكره وأخذ من أحداث الناس عبرة، فكم من أناس سافروا طلبا لاقتراف الحرام وبَحْثًا عن المعاصي وقبيح الآثام فكان جزاؤهم الخيبة والخسران؛ أصابتهم الأمراض المستعصية، وانتقلت إليهم الجراثيم المعدية، بما كسبت أيديهم وبما اقترفوا من معصية باريهم.
أتفرح بالذنوب وبالمعاصي ……وتنسى يوم يؤخذ بالنواصي
إخوتي المسافرين، تحلَّوا بآداب السفر، قدموا الاستخارة والاستشارة، لا تنسوا دعاء السفر، وحسن اختيار الرفيق، وتفقّد المركبة، والأخذ بوسائل السلامة والأمان، وعدم تجاوز السرعة النظامية، فإن في الحوادث لا سيما حوادث السيارات لعبرًا. عليكم بأداء حق الطريق والمحافظة على البيئة، واجعلوا سفركم دراسة في سِفر الحياة وقراءة وتدبرًا في دفتر الكون.
وكتابيَ الفضاءُ أقرأ منه……صورًا ما قرأتها في كتابي
وتفكرًا في ملكوت الله وعظيم خلقه وبديع صنعه.
تلك الطبيعة قِف بنا يا سارِ……حتى أريك بديع صُنع الباري
فالأرض حولك والسماء اهتزتا……لروائع الآيات والآثار
أيها المسافرون، ولما كان السفر قطعة من العذاب كما أخبر به المصطفى الأواب فيما أخرجه الشيخان في صحيحيهما (2) [2] ، جعل الله له رُخصًا تيسِّره مِنةً منه ورحمة. فاحرصوا على الأخذ برخص السفر، فإن الله يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته.
واقتفوا هدي نبيكم في السفر، وكان من هديه قصرُ الصلاة الرباعية ركعتين، وإذا اشتد به السفر جمع بين الظهرين والعشاءين، وكان يقتصر على صلاة الفريضة، ولم يكن يصلي الراتبة إلا الوتر وسنة الفجر، فإنه لم يكن يدعهما حضرًا وسفرًا، ورخّص للمسافر أن يمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، ونهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. خرجه الشيخان في صحيحيهما (3) [3] .