أخي المسافر الكريم، تجنّب المحاذير الشرعية من منكرات الحضر والسفر التي نهانا عنها الله جل وعلا في كتابه وحذرنا منها رسوله . تجنب الشرك بالله، فلا تخف إلا الله، ولا ترجُ إلا الله. لا تسافر إلى الأضرحة والقبور، ولا تدع أحدًا من دون الله. إياك والرياء، اجتنب المرابين والربا. ولا تقربوا الزنا فإنه من أقبح الأمور وأعظم الآثار والشرور. حذار من الخمور والمسكرات وتعاطي المخدرات، فإنها خرابٌ للدين، دمارٌ للعقل، كيف يسعى في جنون من عقل؟! بغيضةٌ إلى الرحمن، رجس من عمل الشيطان. لا تتعامل بالحرام، ولا تتاجر فيما يسخط الملك العلام، ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أخبر، يمدّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنى يستجاب له؟! خرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (4) [4] .
لا تسافر مع الذين أُترِعت قلوبهم بحب الشهوات، ولا ترافق الذين خلت أفئدتهم من مراقبة رب الأرض والسموات، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] .
أيها المسلمون، من الناس من يطلق لنفسه وأسرته العِنان في السفر إلى بلاد موبوءة، ليفتن نفسه بالشهوات المحرمة والأفعال الآثمة، والمظاهر المخزية والأعمال المردية، في مواخير الفجور والزنا وحانات الغي والخنا، في دهاليز الميسر والقمار، وفي مستنقعات العار والشنار، بعيدًا عن أنظار الخيرين وأهل الفضل المصلحين. فاحذروا مواقع الزلل وأماكن الخطأ والخطل، بل لقد وصل الحال ببعضهم وببعضهن أن تنزع جلباب حيائها قبل أن تغادر أرض بلادها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فيا من أخفيت نواياك في سفرك عن البشر، يا من قصدت مكانًا لا تقع فيه تحت عين ونظر، ألا تخشى سطوةً رب البشر وأنت تبارزه بالقبائح وتعامله بالفضائح؟!
ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ……ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
أمة الإسلام، إن سفر المسلم لديار غير المسلمين لغير غرض شرعي ترجحت مصلحته وظهرت فائدته لهو ضرر محض على الدين والنفس والعرض والمثل والأخلاق والقيم، فإنه مع ما يُظن من معاقرةٍ لأنواع من الفواحش والمنكرات وتضييع للفرائض والواجبات مخاطرةٌ بالنفس غير مأمونة بتعريضها لمواطن الرِيَب والشبهات وأماكن الهلكات وبُؤَر الدركات، هذا فضلًا عما يحيط بالمرء من أخطار لصوص القلوب وسارقي الجيوب والغفلة عن راقبة علام الغيوب.
ألا فليتذكر هؤلاء وأولئك الموت والفناء، وليشعروا بمآسي إخواننا المسلمين البرآء، في فلسطين وكشمير والشيشان وكُسُفا، فأين الأحاسيس المرهفة والمشاعر الفياضة؟! فأناس يحملون قضايا أمتهم ويفكرون بمآسي إخوانهم في العقيدة، وآخرون كثيرون يفكِّرون في قضاء إجازاتهم في منتجعاتٍ ما، فالله المستعان.
وإن مما يتذرّع به بعض الناس للسفر والرحلات دعواهم الاصطياف والسياحة، وما أدراكم ما السياحة، لفظةٌ براقة وعبارة أخَّاذة، لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقًا وغربًا، جهادًا في سبيل الله ودعوة إلى دين الله بأقوالهم وأفعالهم وسلوكم وأخلاقهم وحسن تعاملهم. نعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد الشرعي. إننا جميعًا مع السياحة بمفهومها النقي المنضبط بضوابط الشريعة والآداب المرضية.
غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كُثُرا، عبُّوا من ثقافة الغير عبًا حتى ثملوا، وزعموا وبئس ما زعموا أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيام سوداء وليالٍ حمراء ومجانبة للحياء. إن الولوغ في هذه المياه العكرة والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة وأدواء المجتمعات المنحرفة وإفرازاتها المنتنة لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة والمجتمعات المحافظة.
نعم لسياحة التأثير لا التأثُّر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفتاح والانفلات. كيف وقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن أعداء الإسلام يستهدفون أبناء المسلمين السائحين للوقيعة بهم والنيل من أخلاقهم وعقيدتهم عن طريق الغزو الفكري والفساد الأخلاقي، ويستغلون كثيرًا من السائحين اقتصاديًا وخلقيًا، ويجرونهم رويدًا رويدًا إلى حيث الخنا والفجور والمخدرات والخمور، بل قد يرجع بعضهم متنكرًا لدينه ومجتمعه وأمنه وبلاده. أين العقول المفكرة عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الإيدز ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات؟!
إننا نناشد المسافرين والسائحين أن اتقوا الله في أنفسكم وفي أسركم وفي مجتمعاتكم وأمتكم، ونذكِّرهم قبل أن يرفعوا أقدامهم: فكِّروا قبل أن ترفعوا أقدامكم، فكروا أين تضعوها.
نعم، سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح، فلا غضاضة عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم، داعين إلى مبادئه السمحة حيث يتخبط العالم بحثًا عن دين يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام. فكونوا ـ أيها المسافرون ـ سفراءَ لدينكم وبلادكم وأمتكم، مثِّلوا الإسلام بأحسن تمثيل، حذار أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات وصرعى ملذات، بل أفهموه بسلوككم وعرفوه بأخلاقكم أنكم حملة رسالة وأرباب أعلى وأغلى هدفٍ وأشرف غاية، وأصحاب شخصية فذة وشريعة خالدة ودين يرعى العقيدة والقيم والمثل والأخلاق والفضائل، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة.
ألا فاتقوا الله عباد الله، وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا في سنة سيد المرسلين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجرنا من العذاب الأليم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان عليمًا غفورًا.
الخطبة الثانية
الحمد لله تعاظم ملكوته فاقتدر، وعزَّ سلطانه فقهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بتقواه في الحضر والسفر، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغُرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما اتصلت عين بنظر، وأذن بخبر، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.