فهرس الكتاب

الصفحة 1911 من 3028

وهذا ليس بمستغرب، إذ أن هذه الوسائل والتصريحات والتدخلات أصبحت مكشوفة للقاصي والداني، لكن الغريب في الأمر أن الساسة في هذه البلدان ينكرون هذه التدخلات السافرة بل وينفونها من أصلها، وأن الكثير من الدول العربية تقف موقف المتفرج منها ولا تحرك ساكنًا. وقد أصبح هذا الأمر مكشوفًا ومفضوحًا أكثر بعد احتلال العراق، إذ أن البلد احتل من إيران أيضًا، وأصبحت الحكومة الحالية آلة مسخرة بيد حكام طهران ليملوا عليها كيف شاؤوا. ومن هنا يأتي الانعكاس السلبي لتهميش السنة وضعف دورهم في العراق على المنطقة برمتها، وذلك لعدة أمور، منها:

1-هيمنة الشيعة على القرار السياسي في العراق سيؤدي إلى اختلال التوازن في المنطقة التي ستخضع لاستراتيجيات إيران وخططها، ومنها قيام المحور الشيعي الذي يمتد من طهران مرورًا ببغداد إلى سوريا وجنوب لبنان، وسيضع هذا المحور الأردن ودول الخليج تحت رحمته.

2-هيمنة الشيعة على العراق سيضع أكبر احتياطي نفطي في العالم تحت تصرفهم (بعد إضافة احتياطي العراق إلى احتياطي إيران) وسيمكن طهران من التحكم في السوق النفطية وتصبح أوربا واليابان والولايات المتحدة تحت رحمتهم.

3-سيطرة الشيعة على العراق ونشوء محور شيعي قوي في المنطقة سيغري العلويين في تركيا للتحرك وتصعيد مطالبهم بما يهدد الأمن الوطني التركي.

4-شيعة دول مجلس التعاون الخليجي (في الكويت والبحرين والسعودية) سيتعرضون لضغوط وإغراءات عديدة للانضمام إلى المحور الشيعي، بل إنهم بأنفسهم سيطالبون بذلك مما سيعرّض أمن دول الخليج للخطر، وقد بدأ تململهم منذ الآن في شرق السعودية وفي البحرين والكويت.

5-ستشهد دول المنطقة مزيدًا من التطرف والغلو كردود أفعال لتهديدات الشيعة وسيتعزز ذلك في أوساط السنة.

6-ستشهد المنطقة موجات نزوح وهجرة وفرز طائفي من السنة المضطهدين في العراق مما يعرّض استقرار المنطقة للخطر.

7-سيكون لهذا المحور الشيعي القوي دور كبير في الترويج للفكر الشيعي ونشره في أنحاء العالم الإسلامي، وقد ظهرت بوادر ذلك في فلسطين ودول شرق آسيا والدول الإفريقية ودول أوربا بما تقوم به إيران من أعمال التبشير بمذهبهم المنحرف، ولا شك أن ذلك سيتضاعف أكثر بعد قيام المحور أو الهلال الشيعي، ولا سيما أن هناك رضًا عن الشيعة عند إسرائيل وبعض دول الغرب ومنها أمريكا.

الشيخ د/ سعد بن عبد الله البريك

لا تزال تقلبات الجزر والمد تعصف بالأمم ، وما برحت الأيام تجري بين الناس دولًا ، ولا يزال الزمن في أهله قُلب والحياة أدوار وأطوار، فالقوي لا يستمر أبد الدهر قويًا، والضعيف لا يبقى مدى الحياة ضعيفًا، وما هذه المداولة والأدوار وما تلك التقلبات والأطوار إلا ليجري الله حكمته من الابتلاء والتمحيص والتمييز { وَتِلْكَ الاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } .

وأمة الإسلام ، اليوم ، تعيش انحطاطًا وتخلفًا لم تعرفه من قبل، فالذل والصغار والخذلان يتنشقه المسلمون صباح مساء فضلًا عن الاحتلال العسكري وإراقة الدماء وتناثر الأشلاء وانتهاك الأعراض واستباحة المقدسات مع عجز وشلل وقلة حيلة عند أمة تجاوزت المليار . ناهيك عن اكتوائها بنار التبعية للأخطبوط الغربي الذي يستمتع بخيراتها وثرواتها من الذهب والنفط ومصادر الطاقة.

لقد تعرضت هذه الأمة منذ بزوغ فجرها للعديد من الأزمات والتحديات سواء من داخلها أو من خارجها بدءًا بحروب الردة مرورًا بالحروب الصليبية ثم الغزو المغولي ثم الاستعمار الأوربي لدول العالم الإسلامي ، ولكن التاريخ شهد زوال الجميع وبقاء الإسلام .ويعيد التاريخ نفسه في أيامنا هذه ، ونرى واقع الأمة الإسلامية الأليم والحق أنه واقع لا تاريخي لا يمكن أن يسجل في تاريخ أمتنا الإسلامية الذي عجَّ بالأمجاد والانتصارات .

لقد عاش المسلمون أربعة عشر قرنًا، وقوى الكفر لم تغفل عنهم ؛ فقد ولد الإسلام في قلب التحدي ، والمخططات جاهزة معدة لتدميره والقضاء على أهله. وقد أنذرنا القرآن الكريم من ذلك وحذّرنا في أكثر من موضع من أن نغفل عن مواجهة التحديات، وأن نتقاعس عن حماية ثغورنا ومقدراتنا . وفي أكثر من موقف خلال تاريخ الأمة كان العدو قادرًا على اقتحام ثغورها ، وتدمير قواها ، وتفريق وحدتها ، ولكنها باعتصامها بدينها ردَّ الله عنها وكفاها شر أعدائها { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } .

إن إعراض المسلمين عن دينهم وضعف فقههم في أمور دنياهم أدى إلى تخلفهم. فعن طريق راحة الكسول وبسبب قلة العلم وانتشار الجهل ، وباسم الزهد قعدوا وتكاسلوا حتى أصبحوا من القافلة في ذيلها ، وبدعوى التوكل عطلوا العقل، وبدعوى الاستسلام للقدر هجروا العمل. عزلوا أنفسهم عن فقه الحياة المستقى من قوله تعالى {ربنا آتنا في الدنيا حسنة} ، فبرزت دعوات إلى التواكل وترك العمل ، وهذا تحريف وجهالة وبعد عن الفهم الصحيح للإسلام ؛ فالزهد لا يكون في المفقود، ولكنه في الموجود، أي أن تُوجِد حضارة وثروة وإمكانيات ثم لا تتعلق بها، بل تسخّرها في مصالح الأمة بعيدًا عن الأثرة والأنانية.فليس الزهد أنك لا تملك شيئًا ولكن الزهد أن لا يملكك شيء .

لقد أصر الأعداء على تمزيق هذه الأمة ووضعوا خططًا لتفريقها وتداعوا لنهب حقوقها وقتل روح الدين والعزة فيها، تسلطوا على الشعوب والديار منذ ما يزيد على قرنين من الزمن ومزقوا الأرض قطعا، وصيروا الأهل شيعا ، وفرضوا مناهج من التربية والتعليم مَسَخت العقل والفكر، فسادت ثقافة أفسدت السلوك والخلق، فلا دينًا حفظت ولا دنيا أقامت .

في كثير من البقاع يعاني المسلمون أصناف الشقاء: الغذاء غير موجود، والعمل غير ميسور، نفوسهم محطمة وآمالهم تائهة ، بعد أن فقدوا الآباء والأمهات والأبناء والأزواج والقريب والعشير في مذابح جماعية وحمامات دم لا تعرف الرحمة ولا الشفقة .

تمد إليهم كسرة الخبز وقطعة الكساء وجرعات الدواء، ملطخة بدم الأب والقريب ، ومغلفة بغلاف المسخ من حقوق الإنسان.

إن الغرب في تقسيمه العالم الإسلامي ضمن اتفاقية سايكس بيكو نجح في إضعافه وجعله دولًا ودويلات متشرذمة ضعيفة ، فبدأ باصطيادها واحدة تلو الأخرى فبدأ بفلسطين وثنى بأفغانستان ثم العراق ، وها هو يتفرد بباكستان ويحاول تجريدها من أسلحتها النووية وصواريخها الاستراتيجية . ويضغط بكل قوة لمنع من تبقى من هذه الدول من امتلاك السلاح الضروري الذي تدافع به عن نفسها ، بينما يقيم الجسور الجوية لدعم إسرائيل بأحدث التقنيات والمعدات اللازمة والكفيلة لتفوقها على جميع الدول الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت