ودعا الأستاذ زهير سالم إلى تكامل دور الأجيال فقال: أنت لا تستطيع أن تضع فاصلًا حادًا بين مرحلتين في حياة الإنسان، وإذا اعتبرنا الشباب موئل العطاء فإن المرء لا يزال شابًا ما دام قادرًا على العطاء، وكم جالسنا شيوخًا في الثمانين من أعمارهم كان لهم توقد الشباب وتحرقه وعطاؤه .. المعادلة ليست زمنية إذًا، وفي الوقت نفسه فإنه لابد من الصيرورة إلى التكامل في البناء العام للحركات، الشيوخ والكهول والشباب والفتيان والرجال والنساء، كل هؤلاء لهم أدوارهم، ولا تلغي فئة عمل فئة أخرى.
في إطار العمل الإسلامي العام لم تكن المعضلة قط معضلة عمرية، في قطر من الأقطار مثلًا قاد الحركة الإسلامية جيل من الشباب، كانت أعمارهم جميعًا في حدود الأربعين، وكانت النتيجة كارثية.
أؤكد أن البعد العمري له دوره في نضج الإنسان وتجربته، كيف وقد نص على ذلك القرآن الكريم: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] ولكن دور المعادلة الزمنية يبقى محدودًا.
مهمة الشباب الحركة، والحركة مرتبطة بالمبادرة أكثر من ارتباطها بالقرار. الذين يتطلعون إلى القرار هم الذين يعجزون عن الحركة، ومبادرات الشباب تكون دائمًا موضع نظر الشيوخ وتقديرهم.
نحن بحاجة إلى المجتمع بكل هيكليته. وما أروع ما صور به النابغة الجعدي هذا التكامل في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم معبرًا عن الشباب، وما يصاحبه من انفعال وعاطفة وقوة [بالجهل] على طريقة العرب، وعبّر عن الشيوخ بالحلم والرزانة فقال:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له جهول يحمي بوادره أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا أورد الأخر أصدرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:' لا فض الله فاك' تأييدًا لهذا الكلام.
تقول كتب الأدب فعاش النابغة 120 عامًا ما سقطت له سن.
الأربعاء 30 ذو الحجة 1425 هـ - 9 فبراير 2005 م
مفكرة الإسلام: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تولاه وبعد:
من يتابع وسائل الإعلام وما تعرضه من أخبار فسيجدها في الأغلب تتحدث عن مشاكل المسلمين وقضاياهم المتأزمة؛ فالمسلمون يعيشون في زمن تكالبت فيه الأحداث، وتتابعت عليهم المخاطر، وأصبحوا كل يوم يترقبوا حدثًا جديدًا، أو نازلة خطيرة، والعالم الإسلامي ـ وبالذات ـ يعيش بعد ضربات الحادي عشر من سبتمبر في دوامة أخبار، وتلاحق أحداث بشكل مذهل.
في قلب هذه الأزمات تذكرت كلام القائد الشيوعي الملحد [لينين] حين قال: عقود تمر على الأمة لا يحصل فيها شيء ثمَّ تمر سنين تحصل فيها عقود، وصدق وهو كذوب فقد صرنا نعاصر سنوات حصلت فيها حوادث أكثر من عشرات السنين، وكان للمسلمين فيها الحظ الأوفر من المآسي الفظيعة، والأوضاع المؤلمة.
وهكذا تمضي العقود بأيامها، وتدور الأيام دورتها وتبقى المصائب تتوالى وتترى على المسلمين، وكان من آخرها حوادث القتل الصهيوني للفلسطينيين وبالأخص قتل قائدين من قادتهم العظام باغتيال الشيخ الوقور/ أحمد ياسين، والقائد الدكتور/ عبدالعزيز الرنتيسي، ثمَّ ذلك القصف الإجرامي على رفح وغزة و الإبادات الجماعية التي قتل فيها من لا حول له ولا قوة ولا نغفل عمَّا حصل في فَلُّوجَة العراق من تدمير وتخريب وفضائح الأمريكان في سجن أبي غريب وغيره، ومقتل المئات من أبناء المسلمين في نيجيريا وتايلاند على يد النصارى والوثنيين، وغيرها من المآسي المبكية
في ذلك كله يجد المراقب لموقف المسلمين حيال تلك الأحداث كما هو المعهود من المظاهرات والاحتجاجات التي تشجب الصلف الصليبي/ الصهيوني، والهتافات الجماهيرية المستنكرة لحمَّامات الدماء التي تجري هنا وهناك في أقاليم المسلمين.
وبعد أن فرغت تلك الشحنات المكبوتة، وأحرق المتظاهرون الأعلام الأمريكية والإسرائيلية، ومع مرور ثلاثة أيام تنطفئ القضية التي ثِيْرَ لأجلها من عقول الكثير من المسلمين، وتتلاشى جذوة الحماس التي اشتعلت قليلًا في ضميرهم، وتُتَنَاسى تلك الفواجع، إلا إذا كانت حديث مجالس يُتَذَكَّرُ بها ظلم قوم بغوا على آخرين، ويظن الكثير منهم أنّه بذلك ينتهي دورهم، وتنقضي المسؤولية المناطة بهم.
تساؤل مثير يفرض نفسه:
حين تسأل الكثير من أبناء المسلمين لم جلبت الفضائيات لبيتك؟
يجيبنوك: لأجل مشاهدة الأخبار ومعرفة أحوال الشعوب الإسلامية، و .... الخ.
ومع أني أعتقد حرمة هذه الفضائيات التي لا يرتاب عاقل أنها جلبت الشر والفساد للبيوت والعقول وكان خيرها فيه كملعقة عسل في إناء سم.
إلا أني أعلم أنَّ بعض من كان قصده بجلب الفضائيات لبيته؛التذرع بحجة مطالعة الأخبار ومعرفة أحوال الأمَّة الإسلامية، ولا شك أنَّ ذلك نابع من حمل هم، وشعور طيب تجاه الآخرين من إخوانه المسلمين ... ولكن ـ وياللأسف ـ فالكثير ممن أدخل تلك الفضائيات إلى بيته أو مكتبه، لم يكن حاله إلا شهوة السماع للأخبار، ومحبة الاطلاع على التحليلات السياسية، وقد يأخذ ذلك من وقته ساعات كثيرة، يكون أكثر تلك التحليلات تخمينات وظنونا، فيها الصواب والخطأ، فيضيع المشاهد لهذه القنوات بعد سماع تلك الأخبار ما بين تلك التحليلات السياسية والتحقيقات الصحفية.
ودعنا ـ أيها الصاحب ـ نتصارح، فبعد أن نرى تلك الأخبار، ومجازر المسلمين، والذلَّة والمهانة التي أصابتنا ... بعد هذا كله ...
هل حرَّك ذلك في قلوبنا شيئًا؟
هل نصرناهم بشيء من أنواع النصرة؟
هل سألنا أنفسنا جادين: كيف نخرج من تلك الأزمات والتيه الذي نعيشه من عشرات السنين؟!!
ثمَّ من تأثر منَّا بتلك الأخبار، هل فكَّر تفكيرًا جادًا بالتأثير على من يلتقي به من المسلمين وقيادتهم لعِزِّ الإسلام والمسلمين؟
إنَّ هذه الأسئلة لم يستشعرها ـ والله ـ إلا القليل، فقد كان موقف الأغلبية ممن يتابعون الأخبار، هوالصمت العجيب وعدم العمل لنصرة أولئك المستضعفين، وقد نجد الفرد منهم يشاهد ذلك لأجل أن يتكلم في المجالس، ويناقش ويحلل ويختلف مع إخوانه وخلَّانه، وكأنَّه في اتجاه معاكس، فيرفع صوته، ويرغي ويزبد، ولم يتقن إلا فن الصراخ،أو يكون موقف كثير ممن يتابع الأخبار إلقاءهم باللائمة على الآخرين دون أن يراجعوا أنفسهم مراجعة صادقة، ويروا ماذا فعلوا من التقصير في حق الله من الذنوب والمعاصي، وما فعلوه في حق إخوانهم من التقصير في حقوقهم، وعدم بذل الجهود المستطاعة لنصرتهم، أو أن يكون موقف بعضنا البكاء والتأوهات ودعاوى العجز، وكأنَّ لسان حال الكثير منا /السيل الهادر لا تسده عباءتك.
بل رأيت ـ والله ـ من ينظر لتلك المجازر، وهو يأكل ويشرب!! ويضحك ويمزح، ولم تؤثر تلك المرائي في نفسه شيئًا، والله المستعان ...
حقًا ـ وربي ـ إنها لمأساة حين نصاب نحن المسلمين بتبلد إحساس عجيب، وشعور تجاه أوضاع إخواننا غريب، وقد نرى تلك المجازر ثمَّ إذا أطفأنا التلفاز، وارتحنا دقائق، تابع البعض منا بعد ذلك الأفلام الخليعة، والمسلسلات الهابطة، وكأنَّ شيئًا لم يكن!!.
وكان من الواجب أن يكون المتابعون للأخبار أكثر الناس عملًا، واستشعارًا للمسؤولية وأن تغرس في نفوسهم باعث عمل، ووقود همة، وعزمة إرادة لتغييرالواقع المرير.