فهرس الكتاب

الصفحة 2216 من 3028

ترى.. ألا تستدعي تلك [المواقف الرَّدِّية الضعيفة] من المسلمين تجاه أعدائهم، وقفة مراجعة ، وبحث عن الإشكاليات التي يقع فيها المسلمون، ووصف الدواء العاجل لدفع العدو الصائل الذي أفسد الدين والدنيا معًا؟!!

في هذه المقالة المتواضعة ، سأتحدث عن بعض الأزمات والإشكاليات التي يقع فيها المسلمون بعد سماعهم للأخبار، ونقاط الضعف التي حلَّت في سويداء قلوبنا، وسرنا على خطاها غير مستشعرين خطأ المسيرة ، واعوجاج طرق التفكير، فمن ذلك:

[1] تغليب جانب العاطفة والارتجالية في الأعمال ، والعفوية في مواجهة الأحداث ، وليتها أعمال بطولية تثخن في الأعداء بضوابطها الشرعية ، وإنما هي هتافات وشعارات غلبت على العقل والتفكير المثمر العملي. وهكذا نحن المسلمين ما أن نصاب بمدلهمة من المدلهمات،إلا وانتفضنا انتفاضة المغمى عليه، ثمَّ سكنَّا وخمدنا غافلين عن أسباب تلك المصائب التي عصفت بنا ، ومتناسين للحلول العملية التي نقاوم بها تلك المخاطر بناءً على الأوامر الشرعية ، والاهتداء بسنة خير البرية ـ صلى الله عليه وسلم ـ

وممن شخَّص هذا المرض من علماء المسلمين الشيخ الراحل/ مصطفى السباعي ـ يرحمه الله ـ حيث ذكر أنَّ المسلمين ينتفضون انتفاضة وقتية لمصيبة حلَّت بهم ثم يخمدون وكأنَّ الأمر لم يكن، ويالله ما أجمل كلماته القلائل التي نطق بها مبينًا هذا المرض الذي دبَّ في هذه الأمَّة حيث كتب: [ لو هدمت الكعبة لما ضجَّ المسلمون اليوم أكثر من ثلاثة أيام ] هكذا علمتني الحياة [صـ91]

وصدق رحمه الله ، فما أشبه الليلة بالبارحة!!

[2] طيبة القلب الزائدة، وإحسان الظن بالعدو ولو قليلًا، وتصديق بعض شعاراتهم ، وهذا شيء لا أبالغ فيه، فكثير من المسلمين كان يظنُّ أنَّ أمريكا أعقل من أن تفعل بهم تلك الجرائمَ الوحشيَّة ، والإهانات النفسية باعتبار أنها راعية لمجلس الأمن ، وقوات حفظ السلام ، وأنها ترفع شعارات العدالة والحرية والديموقراطية [الزائفة] !!

ولذا ظنَّ الكثير منا أنَّ قاتله سيرحمه ولو قليلًا، ويعطيه فرصة شرب الماء قبل الإجهاز عليه ، وهذا ما حدث بالضبط بعد أن قتل الشيخ / أحمد ياسين ـ رحمه الله ـ فقد ظنَّ الكثير من المسلمين أنَّ اليهود قد يصمتون قليلًا ويرفقون بالمساكين الفلسطينيين ليلملموا جراحهم ، ولتجف مآقيهم من البكاء، ومع ذلك فإن اليهود كانوا أمكر وأخبث فقد عاجلوا المجاهدين في فلسطين بضربة نوعية أخرى، فقتلوا الدكتور المجاهد/ عبد العزيز الرنتيسي ـ تقبله الله في الشهداء ـ غيلة ومكرًا، ثمَّ أعقبوها بمجازر القصف والتنكيل بإخواننا في غزة وجباليا وغيرها من المدن الفلسطينية الأبية.

وهكذا أعداء الدين ، فهل بقي لنا مجال أن نحسن الظنَّ بالآخر!! [ الكافر] أو أن نرفع له لافتات السلام ، ليقابلنا بالود والوئام.

إنهم المفسدون في الأرض ولن يتوقع منهم إلا كل خبث وسوء وإجرام.

هل لمحتم طيبة من حية أو لمستم رقة من عقرب؟!!

وصدق الله [ لا يرقبون في مؤمنٍ إلًَّا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ] التوبة [10]

[3] غلبة الكلام والحديث وقلة العمل ، وأكثر حديثنا كما ذكر أحد المفكرين أننا نتحدث عما لا نريد ولا نتحدث عما نريد ، فكلامنا كثير في سب المحتل الأمريكي ـ الأوربي ـ الإسرائيلي ، والأنظمة العميلة ، ولكنَّ القليل منا من يتحدث عن واجبنا تجاه الأحداث، وهو ـ و للأسف ـ أمر نادر في برمجة تفكيرنا ، ولو طلب من هؤلاء القوم الذين يغلبون الكلام على العمل ، لو طلب منهم القليل لنصرة هذا الدين لوجدت التلكؤ، والتراجع والتقهقر، والحوقلة والاسترجاع، والتفنن في التهرب من المسؤولية والعمل.

فما أشبههم بقصة الرجل العربي الذي كان معه بعض الإبل فجاءه اللصوص وسرقوها منه فلم يقاومهم بشيء، فلما ذهبوا وساروا بإبله ، شتم اللصوص ، ولعنهم.

فسأله أهله عندما رجع إليهم بدون الإبل: ماذا فعلت؟

فقال: [ أوسعتهم شتمًا وساروا بالإبل ] !!

فإذا كان كثير من المسلمين أهل كلام وشجب واستنكار، وأنَّهم قوم ينفعلون ولا يفعلون ، ويشجبون ولا يخطِّطُون، وأنَّ معظم أفعالهم [ردود أفعال] لا مواجهة ونزال فلا غرابة أن ينشد اليهود والنصارى ساخرين من المسلمين كما قال حافظ إبراهيم على ألسنتهم مستخفين بالمسلمين:

قد ملأنا البر من أشلائهم فدعوهم يملؤوا الدنيا كلاما

وكل هذا والمسلمون يتفرجون ويتلقون الصفعات المتواليات، وهم يستمعون أو يشاهدون الأخبار عبر الفضائيات وشبكات الإنترنت، وليس لهم من ذلك إلا قعقعات العبارات وفقاعات الكلمات بلا عمل وإرادة لتغيير الواقع المرير.

لا شكَّ أنَّ هذه المأساة التي يعيشها أبناء الأمَّة الإسلامية المريضة ، ينبغي أن تستدعي أهل العزائم لإحياء قلوب هذا الجيل المسلم ، وإمداده بالشريان الحيوي ، والذي يستقي منه معالم العزة ، وأنوار الرسالة ، حتَّى يتخطى تلك الأعمال العفوية والتي لا ترعب كافرًا ولا تنصر دينًا ، وذلك خير من أن نبقى نتحدث عن الأزمات التي تعترضنا في مواجهة الأحداث، أو أخطائنا في طريقة تعاملنا مع تلك الأخبار؟!

إننا بحاجة ـ وخاصة دعاة الإصلاح ، وعلماء الأمة وقادتها الربانيين ـ بعد أن نُشَخِّص تلك الأدواء التي تجثم علينا ؛ أن نصف لها الدواء ، فأمَّتنا بحاجة إلى ذلك الطبيب النطاسي ومبضع الجراح الأمين ، والذي يبحث في جذور المرض وتشعباته ، ويرفع أوهاق الخطر عن جسد هذه الأمة الجريحة بكل ثقة وإتقان ، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم:ـ [ ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء ] أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة ، في كتاب الطب ، باب ما أنزل الله داءً إلَّا أنزل له شفاء برقم [5678] .

ولهذا يتوجب على من يريد الرفعة لهذه الأمة ، أن يبحث في الوسائل المعينة على عزِّها ، والحلول المثمرة لنهضتها ، بعد أن تراكمت عليها تراكمات الذلة ، وعلا عليها أهل الكفر والخيانة ، وأن يفكر التفكير الجاد لتوظيف مشاكل الأمة بما يخدم مصلحتها ، ولعمري فإنَّ هذه صفة الرجل العبقري اللامع الذي ينطلق من دينه العظيم، وفكرته الإصلاحية ورؤاه التنمويَّة للرقي بهذه الأمة إلى العلياء وقد قيل: رحلة العظيم تبدأ بفكرة.

وصدق الإمام حَمْد الخَطَّابي ـ رحمه الله ـ حين قال: [ من صدقت حاجته إلى شيء كثرت مسألته عنه، ودام طلبه له حتى يدركه ويحكمه] معالم السنن للخطَّابي [4/832]

ومن هذا المنطلق فإنني سأركز في هذه الأسطر على جواب سؤال أرى أنه من الأهمية بمكان وهو:

أنَّ المسلمين منذ سبعين سنة وهم يعيشون في انحدار تلو انحدار ، ونكسات يتلوها نكبات ، مع أنَّ البعض قدَّم الدماء والأموال وكل ما يستطيع لنصرة هذه الأمة ، والوضع لم يزدد إلَّا سوءًا ، فالتغول العسكري الغربي يمضي داخل بلاد الإسلام، والنموذج الغربي تلقَّاه الكثير من أبناء جلدتنا بالتبعيَّة المقيتة ، والتقليد الأبله، فكيف السبيل الأمثل لاستعادة القوة، وانفكاك الأزمة ، واسترداد المجد؟؟

وجوابًا على ذلك فإنَّ هناك أمورا أسأل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أن تكون معينة على تحقيق ذلك ، ولا أدَّعي فيها الكمال، ولكن لعلَّها تكون مقاربة للصحَّة ، ويبقى النقص لازم فيها:

معالم على طريق النصر، وإضاءات للسائرين في قافلة العز:

[1] ففروا إلى الله:

هذا نداء قرآني جليل ، ينبغي تأمله بعمق وشمولية ، فإنَّ من أولى الأولويات في ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت