فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 3028

أما بالنسبة للأساس الثاني، فقد آخى الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، ولم يكن ما أقامه الحبيب محمد من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، إنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين.

وحسبنا دليلًا على ذلك ما قام به سعد بن الربيع الذي كان قد آخى الرسول بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، إذ عرض سعد على عبد الرحمن أن يشركه في بيته وأهله وماله في قسمة متساوية، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يرشده إلى سوق المدينة ليشتغل فيها.

ولم يكن سعد بن الربيع منفردًا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما قد يظن، بل كان هذا شأن عامة الصحابة في علاقاتهم وتعاملهم بعضهم مع بعض.

أيها المسلمون، أما الأساس الثالث فهو كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم، وهذا الأساس هو أهم ما قام به الرسول مما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة، ومن هنا تسقط دعوى الذين يزعمون أن الإسلام ليس إلا دينًا، قوامه ما بين الإنسان وربه، وليس له من مقومات الدولة والتنظيم الدستوري شيء، وهو أكذوبة واضحة كان يقصد منها محترفو الغزو الفكري والمستعمرون أن يقيدوا بها الإسلام، كي لا ينطلق فيعمل عمله في المجتمعات الإسلامية، وحتى لا يصبح له شأن يتغلب به على المجتمعات المنحرفة الأخرى، إذ الوسيلة إلى ذلك محصورة في أن يكون الإسلام دينًا لا دولة، وعبادات مجردة من غير تشريع ولا قوانين.

كما أن هذه الوثيقة تدل على مدى العدالة ومبدأ التسامح التي اتسمت بها معاملة النبي لليهود، ولقد كان بالإمكان أن تؤتي هذه المسألة العادلة ثمارها فيما بين المسلمين واليهود، ولكن حينما ساءت النوايا لم يتحقق شيء من ذلك.

التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله.

الخطبة الثانية

الحمد الله ثم الحمد الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدًا رسول الله، والصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله، وعلى آلك وأصحابك أجمعين.

وبعد: أيها المسلمون، إن أفضل المساجد المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى المبارك في فلسطين، وهي المساجد التي تشد إليها الرحال، وقداستها منغمسة في نفوس المسلمين لكونها رمز عقيدتهم وتاج عزهم وسعادتهم، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري: (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) )، إلى ذلك يشير القرآن الكريم بقوله: سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء:1] .

أيها المؤمنون، وحول ما يتعرض له المسجد الأقصى ومدينة القدس وأرض الإسراء والمعراج من أخطار وتجاوزات أقول: إن أرض الإسراء والمعراج وفي مقدمتها مدينة القدس أرض إسلامية وقفية، فتحها سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد ، فتحها ومعه أكرم وأرفع مجموعة عرفها الكون من البشر، ألا وهي زمرة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومعهم أطهر مجموعة من الملائكة اجتمعوا سويًا لأول مرة بقيادته ليلة الإسراء، ووضعوا حجر الأساس للوجود الإسلامي في هذه البقعة الطيبة المباركة.

ثم جاء الفتح العمري للمدينة المقدسة عام ستة عشر للهجرة، ولعل المسجد الأقصى أهم معالم مدينة القدس، وإن له تاريخًا قديمًا جدًا كما ورد في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال: (( المسجد الحرام ) )، قلت: ثم أي؟ قال: (( المسجد الأقصى ) )، قلت: كم بينهما؟ قال: (( أربعون سنة ) )، وعن ميمونة مولاة النبي قالت: قلت: يا رسول الله، أفتنا ببيت المقدس؟ قال: (( أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره ) )، وفي رواية: (( بخمسمائة صلاة ) )، وفي رواية: قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أصل إليه؟ قال: (( فتهدي له زيتًا يسرج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه ) ).

ولقد توالت عناية المسلمين بالمسجد الأقصى خلال القرون المتوالية، وظلوا يحرصون على عمارته وصيانته، ويؤلفون الكتب عن تاريخه وفضائله، ويتعودون الاعتكاف فيه.

أيها المسلمون، والملاحظ أنه منذ عام 1967م والحفريات تحت أساسات المسجد الأقصى وتحت ساحاته مستمرة، كما أن الكثير من المباني الواقعة في الجهة الجنوبية منه هدمت، مما تسبب في إحداث حفر كبيرة ومكشوفة تمتلئ بمياه الأمطار في فصل الشتاء، حيث تتسرب هذه المياه تحت أساساته مما يعرض المسجد للخطر، وما انهيار جزء من الجدار الاستنادي للطريق التي تربط بين ساحة البراق وباب المغاربة فجر يوم الأحد الماضي إلا مؤشر على الأخطار القادمة.

إننا نأخذ بعين الاعتبار العوامل الجوية والطبيعية التي تحدث بين الفينة والأخرى، ولكن الاستمرار في الحفريات وعدم سد الفراغات الموجودة في الجهة الجنوبية وعرقلة أعمال الترميم وتغيير المعالم المحيطة بالمسجد الأقصى والنداءات التي تصدر باستمرار من قبل أوساط متطرفة في إسرائيل، والتي تنادي بهدم الأقصى وبناء الهيكل مكانه، ومنع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك لأداء الصلاة فيه وإقامة الجدار الفاصل، وعزل القرى والمدن الفلسطينية، كل ذلك يشكل خطرًا واضحًا على المقدسات وعلى الأرض وعلى الإنسان، كما أنه يعتبر اعتداءً صارخًا على عقيدة المسلمين وعلى صلاحيات الوقف الإسلامي المسئول عن المسجد الأقصى المبارك وعن الحفاظ عليه.

أيها المسلمون، وإزاء ما يحصل فإننا نطالب المسلمين شعوبًا وحكومات التدخل لمنع هذه الاعتداءات والعمل على ترميم معالم المسجد الأقصى من خلال لجان متخصصة في هذا المجال.

وإننا لنعجب من هذا الصمت العربي والإسلامي إزاء ما يحصل في هذا البلد المسلم، فأين الشعور الإسلامي والحس الإيماني، بل وأين نخوة المعتصم، ونخوة صلاح الدين؟!!

إن الاقتصار على سياسة الشجب والاستنكار لا يكفي، بل لا بد من العمل على جميع المستويات للحفاظ على مكانة المدينة المقدسة ودرء الخطر عنها، والعمل على تحريرها.

فيا أمة العرب والإسلام، أفيقي من هذا السبات العميق، وتنبهي لهذه الأخطار المحدقة قبل فوات الأوان، وارفعي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وراية الجهاد والاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق، وعليك بلمّ الشمل ووحدة الصف، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47] .

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3115)

عبد الله بن يعقوب تركستاني

مكة المكرمة

الشهداء

الخطبة الأولى

أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ، وشرَّ الأمورِ محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يدَ الله على الجماعة، ومن شذَّ عنهم فمات فميتته جاهلية.

أيها المسلمون، إن دينَ الإسلام دينُ الخير والعدلِ والإحسان، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ [النحل:90] . دينُ الصلاح والإصلاح، يدعو إلى الخير وينهى عن الشرّ والفساد، وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف:56] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت