الفسادُ في الأرض إجرام، نهى عنه ربُّنا جلّ وعلا، وتتابعت رسُلُ الله وأنبياؤه ينهَون عن الفساد في الأرض، قال نبيّ الله صالح عليه السلام لقومه: وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءالآء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف:74] ، ونبيُّ الله شعيب يقول لقومه: وَيا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ [هود:85] ، ونبي الله موسى يخاطب أخاه نبيَّ الله هارون قائلًا له: اخْلُفْنِى فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:142] ، وصالحو البشر يخاطبون قارون قائلين له: وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 77] .
الفسادُ في الأرض خُلُق اللئام من البشر، والله لا يحبّ المفسدين ولا يصلِح عملَهم، قال تعالى عن أعدائه اليهود: وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: 64] ، وقال تعالى عن موسى ومخاطبته آلَ فرعون: فَلَمَّا أَلقوا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81] .
أيها المسلمون، لقد رتَّبَ عزَّ وجلَّ على الفسادِ عقوبةً عظيمة، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة: 204-206] وقال: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء الدَّارِ [الرعد: 25] .
أيّها المسلمون، عندَ تدبُّر كتابِ الله والتأمُّل فيه نرى فيه نهيًا وتحذيرًا عن أنواع من الفساد؛ ليكون المسلم على حذرٍ من أيِّ نوع من أنواعها.
ومن أنواع الفساد إضلالُ الناس وتشكيكُهم في دينهم وصرفُهم عن الطريق المستقيم، وهو خُلُق المنافقين، قال الله عنهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 11، 12] .
أيها الأحبة، ولأن الله تعالى أمر بفضح المنافقين وكشفِ خُططهم ومؤامراتهم وما يكيدونه للمسلمين، فقال تعالى: وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] ، وقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد: 29، 30] لذا نرجو منكم العذر في ذكر بعض العبارات غير المألوفة في مثل هذا المقام. والله المستعان.
أيها الأحبة، عندما أدركنا خطورةَ تسخير تقنية البثّ المباشر في إنشاء قنوات بثّ فضائية تعبُر حدودنا وتغزو منازلنا، ركّزنا على التحذير من مخاطر الغزو الفكري الغربي لمجتمعاتنا عبر القنوات الفضائية، وتوقّع كثيرون أن تستغلَّ الدولُ الغربيةُ هذه التقنية لإفسادِ الصالح من مجتمعاتنا عن طريقِ نشرِ الإباحيةِ والتنصيرِ وأفكارِ التحرّرِ من القيمِ الأخلاقيةِ، وترويجِ ممارسةِ الفاحشةِ بطرقٍ محرّمةٍ مبتذلة، وركَّزَ المصلحون حينذاك على التحذيرِ من الرياحِ القادمةِ من الغرب، لكنَّ الذي حدث وبكلّ أسف هو ما لم يكن في حسبان أحدٍ منا، وهو أن التسابقَ في عالمِ إفسادِ القيمِ والأخلاق جاء من قنواتٍ عربيةٍ صِرفة!! عربيةِ التمويلِ واللغةِ والإخراجِ والممثلين والمخطّطين.
الغربُ الكافر بثَّ قنواتِ فسادٍ ومجون، لكنه كعادته جعلها بمقابلٍ ماديّ، أما نحن فمشكلتنا بل مصيبتنا جاءت من رجالِ أعمالٍ عربٍ ومسلمين، لا يهمّهم الربح بقدر ما تهمّهم الشهرة، ويكفيهم مردودُ الإعلانِ والاتصالاتِ الهاتفية من البعض ليفسدوا الكلّ إن استطاعوا، فكانت قنوات مجانية متاحة عبر كل الأقمار وبمجرد ضغطة زرّ الزناد القاتل للقيم والأخلاق.
نعم، ما كدنا نحتج ونحذّر من قنوات الغناء المبتذل والفيديو كليب الملوّث بالعري والجنس الرخيص والإغراء وترويج بضائع الغانيات والقينات باسم الغناء، حتى فوجئنا بقنواتٍ فضائيةٍ عربية تقدم نوعًا جديدًا من الفساد، في بثٍّ حيّ ومباشر للخلاعة والمجون، في الوقت الذي يُمزَّق الإسلام وأهلهُ في كلِ مكان، وتستحل ثروات العرب والمسلمين، وتهدر دماؤهم رخيصة في فلسطين وفي كل الأرض، وبينما الإسلام يئن ضعفًا وخورًا من أهلهِ, ويشتكي ألمًا وقهرًا من تسلط الملاحدة والزنادقة، إذا بنا نفاجأ بانحطاط جديد يخترعه الغرب، ثم يأتي من يزعمون أنهم عرب ومسلمون، ليستنسخوا هذا الانحطاط، ويطبقونه على أولادنا وشبابنا وبناتنا، ويجعلون العالم العربي والإسلامي كلّه مشدوهًا مشدودًا بآخر التقليعات الساقطة والمنكر الفاضح ومبارزة الله في المعاصي.
يقول تعالى في أمثال هذه القنوات السافلة وقيادتها الساقطة: إِنَّ الذين يُحِبُونَ أن تَشيعَ الفاحِشَةُ في الذين آمَنُواْ لَهُم عَذابٌ أليمٌ في الدُنيا والآخرةِ واللهُ يَعلَمُ وأنتُم لا تَعلمُونَ [النور:19] ، ويقول تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء:27] . نعم، يريدون أن نميل إلى الباطل ميلًا عظيمًا عبر برامج سحقت الفضيلة وزينت الرذيلة ونسفت الأخلاق والقيم.
هذه الفضيحة الأخلاقية التي تعيشها أمتنا المهزومة روحيًا وعسكريًا هذه الأيام أخبر بها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم, حذو القذة بالقذة, شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع, حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) )، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى? قال: (( فمن؟! ) ).
تصوروا ـ يا رعاكم الله ـ قناةً عربيةً تبث على مدى 24 ساعة يوميًا، لا تعدو كونها مجموعةَ كاميرات، تصوِّرُ إقامةً مختلطةً لمجموعةٍ من النساءِ وأشباهِ الرجال في أحدِ الأوكار، وتَنْقُلُ بالصوتِ والصورةِ سلوكَهم الرخيصَ غيرَ الهادف، غير المحكوم بقيم أو أخلاق.