(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن , إن بعض الظن إثم , ولا تجسسوا , ولا يغتب بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه . واتقوا الله , إن الله تواب رحيم) . .
فأما هذه الآية فتقيم سياجا آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم , حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم , بينما هي تعلم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم , في أسلوب مؤثر عجيب . .
وتبدأ - على نسق السورة - بذلك النداء الحبيب: يا أيها الذين آمنوا . . ثم تأمرهم باجتناب كثير من الظن , فلا يتركوا نفوسهم نهبا لكل ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك . وتعلل هذا الأمر: (إن بعض الظن إثم) . وما دام النهي منصبا على أكثر الظن , والقاعدة أن بعض الظن إثم , فإن إيحاء هذا التعبير للضمير هو اجتناب الظن السيء أصلا , لأنه لا يدري أي ظنونه تكون إثما !
بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوث بالظن السيء , فيقع في الإثم ; ويدعه نقيا بريئا من الهواجس والشكوك , أبيض يكن لإخوانه المودة التي لا يخدشها ظن السوء ; والبراءة التي لا تلوثها الريب والشكوك , والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع . وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون !
ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب . بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل , وسياجا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف , فلا يؤخذون بظنة , ولا يحاكمون بريبة ; ولا يصبح الظن أساسا لمحاكمتهم . بل لا يصح أن يكون أساسا للتحقيق معهم , ولا للتحقيق حولهم . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا ظننت فلا تحقق". . ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء , مصونة حقوقهم , وحرياتهم , واعتبارهم . حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه . ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم !
فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص ! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا , وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلا , وحققه في واقع الحياة , بعد أن حققه في واقع الضمير ?
ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون:
(ولا تجسسوا) . .
والتجسس قد يكون هو الحركة التالية للظن ; وقد يكون حركة ابتدائية لكشف العورات , والاطلاع على السوءات .
والقرآن يقاوم هذا العمل الدنيء من الناحية الأخلاقية , لتطهير القلب من مثل هذا الاتجاه اللئيم لتتبع عورات الآخرين وكشف سوآتهم . وتمشيا مع أهدافه في نظافة الأخلاق والقلوب .
ولكن الأمر أبعد من هذا أثرا . فهو مبدأ من مباديء الإسلام الرئيسية في نظامه الاجتماعي , وفي إجراءاته التشريعية والتنفيذية .
إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورة من الصور , ولا أن تمس بحال من الأحوال .
ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم , آمنين على بيوتهم , آمنين على أسرارهم , آمنين على عوراتهم . ولا يوجد مبرر - مهما يكن - لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات . حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس . فالناس على ظواهرهم , وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم . وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم . وليس لأحد أن يظن أو يتوقع , أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما , فيتجسس عليهم ليضبطهم ! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها , مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة .
قال أبو داود:حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة , قال:حدثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن زيد بن وهب . قال:أتى ابن مسعود , فقيل له:هذا فلان تقطر لحيته خمرا . فقال عبد الله:إنا قد نهينا عن التجسس , ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .
وعن مجاهد:لا تجسسوا , خذوا بما يظهر لكم , ودعوا ما ستر الله .
وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن دجين كاتب عقبة . قال:قلت لعقبة:إن لنا جيرانا يشربون الخمر , وأنا داع لهم الشرط , فيأخذونهم . قال:لا تفعل ولكن عظهم وتهددهم . قال:ففعل فلم ينتهوا . قال:فجاءه دجين فقال:إني قد نهيتهم فلم ينتهوا . وإني داع لهم الشرط فتأخذهم . فقال له عقبة:ويحك ! لا تفعل , فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها".
وقال سفيان الثوري , عن راشد بن سعد , عن معاوية بن أبي سفيان , قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم". فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كلمة سمعها معاوية - رضي الله عنه - من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها .
فهكذا أخذ النص طريقه في النظام العملي للمجتمع الإسلامي ! ولم يعد مجرد تهذيب للضمير وتنظيف للقلب , بل صار سياجا حول حرمات الناس وحقوقهم وحرياتهم , فلا تمس من قريب أو بعيد , تحت أي ذريعة أو ستار .
فأين هذا المدى البعيد ? وأين هذا الأفق السامق ? وأين ما يتعاجب به أشد الأمم ديمقراطية وحرية وحفظا لحقوق الإنسان بعد ألف وأربع مائة عام ?
بعد ذلك يجيء النهي عن الغيبة في تعبير عجيب , يبدعه القرآن إبداعا:
(ولا يغتب بعضكم بعضا . أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ? فكرهتموه) . .
لا يغتب بعضكم بعضا . ثم يعرض مشهدا تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية . مشهد الأخ يأكل لحم أخيه . . ميتا . . ! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز , وأنهم إذن كرهوا الاغتياب !
ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى , والتلويح لمن اقترف من هذا شيئا أن يبادر بالتوبة تطلعا للرحمة:
(واتقوا الله إن الله تواب رحيم) . .
ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس , وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب . ويتشدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متمشيا مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض .
في حديث رواه أبو داود:حدثنا القعنبي , حدثنا عبد العزيز بن محمد , عن العلاء , عن أبيه , عن أبي هريرة قال:قيل:يا رسول الله , ما الغيبة ? قال صلى الله عليه وسلم:"ذكرك أخاك بما يكره". قيل:أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ? قال صلى الله عليه وسلم:"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". . [ ورواه الترمذي وصححه ] .
وقال أبو داود:حدثنا مسدد , حدثنا يحيى , عن سفيان , حدثني علي بن الأقمر عن أبي حذيفة , عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:قلت للنبي صلى الله عليه وسلم:حسبك من صفية كذا وكذا"قال عن مسدد تعني قصيرة"فقال صلى الله عليه وسلم:"لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". قالت:وحكيت له إنسانا . فقال صلى الله عليه وسلم:"ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا". .
وروى أبو داود بإسناده عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم . قلت:من هؤلاء يا جبرائيل ? قال:هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". .
ولما اعترف ماعز بالزنا هو والغامدية , ورجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إقرارهما متطوعين وإلحاحهما عليه في تطهيرهما , سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول أحدهما لصاحبه:ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ! ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مر بجيفة حمار , فقال:"أين فلان وفلان ? انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار". قالا:غفر الله لك يا رسول الله ! وهل يؤكل هذا ? قال صلى الله عليه وسلم:"فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه . والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها".
وبمثل هذا العلاج الثابت المطرد تطهر المجتمع الإسلامي وارتفع , وانتهى إلى ما صار إليه:حلما يمشي على الأرض , ومثلا يتحقق في واقع التاريخ .
هذه سورة الطلاق , يبين الله فيها أحكامه , ويفصل فيها الحالات التي لم تفصل في السورة الأخرى"سورة البقرة"التي تضمنت بعض أحكام الطلاق ; ويقرر فيها أحكام الحالات المتخلفة عن الطلاق من شؤون الأسرة . وقد تضمنت هذه السورة بيان الوقت الذي يمكن أن يقع فيه الطلاق الذي يقبله الله ويجري وفق سنته: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) . .
وحق المطلقة وواجبها في البقاء في بيتها - وهو بيت مطلقها - فترة العدة لا تخرج ولا تخرج إلا أن تأتي بفاحشة مبينة: (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) . .
وحقها بعد انقضاء العدة في الخروج لتفعل بنفسها ما تشاء , ما لم يكن الزوج قد راجعها وأمسكها في فترة العدة , لا ليضارها ويؤذيها بهذا الإمساك ويعطلها عن الزواج , ولكن لتعود الحياة الزوجية بينهما بالمعروف: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) . . وهذا مع الإشهاد على الإمساك أو الفراق: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) . .
وفي سورة البقرة بين مدة العدة للمطلقة ذات الحيض - وهي ثلاثة قروء بمعنى ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات على خلاف فقهي - وهنا بين هذه المدة بالنسبة للآيسة التي انقطع حيضها وللصغيرة التي لم تحض: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن) . .
وبين عدة الحامل: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) . .
ثم فصل حكم المسكن الذي تعتد فيه المعتدة ونفقة الحمل حتى تضع: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم , ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن . وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) . .
ثم حكم الرضاعة لولد المطلقة حين تضعه , وأجر الأم على الرضاعة في حالة الإتفاق بينها وبين أبيه على مصلحة الطفل بينهما , وفي حالة إرضاعه من أخرى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف . وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) . .
ثم زاد حكم النفقة والأجر في جميع الحالات تفصيلا , فجعله تابعا لحالة الزوج وقدرته: (لينفق ذو سعة من سعته , ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله . لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) . .
وهكذا تتبعت النصوص سائر الحالات , وما يتخلف عنها , بأحكام مفصلة دقيقة , ولم تدع شيئا من أنقاض الأسرة المفككة بالطلاق إلا أراحته في مكانه , وبينت حكمه , في رفق وفي دقة وفي وضوح . .
ويقف الإنسان مدهوشا أمام هذه السورة وهي تتناول أحكام هذه الحالة ومتخلفاتها . وهي تحشد للأمر هذه الحشد العجيب من الترغيب والترهيب , والتعقيب على كل حكم , ووصل هذا الأمر بقدر الله في السماوات والأرضين , وسنن الله في هلاك العاتين عن أمره , وفي الفرج والسعة لمن يتقونه . وتكرار الأمر بالمعروف والسماحة والتراضي , وإيثار الجميل . والإطماع في الخير . والتذكير بقدر الله في الخلق وفي الرزق , وفي اليسر والعسر . .
يقف الإنسان مدهوشا أمام هذا الحشد من الحقائق الكونية الكبرى في معرض الحديث عن الطلاق أمام هذا الاحتفال والاهتمام - حتى ليوجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشخصه , وهو أمر عام للمؤمنين وحكم عام للمسلمين , زيادة في الاهتمام وإشعارا بخطورة الأمر المتحدث فيه . وأمام هذا التفصيل الدقيق للأحكام حالة حالة , والأمر المشدد في كل حكم بالدقة في مراعاته , وتقوى الله في تنفيذه , ومراقبة الله في تناوله . والإطالة في التعقيب بالترغيب والترهيب , إطالة تشعر القلب كأن هذا الأمر هو الإسلام كله ! وهو الدين كله ! وهو القضية التي تفصل فيها السماء , وتقف لتراقب تنفيذ الأحكام ! وتعد المتقين فيها بأكبر وأسمى ما يتطلع إليه المؤمن ; وتوعد الملتوين والمتلكئين والمضارين بأعنف وأشد ما يلقاه عاص ; وتلوح للناس بالرجاء الندي والخير المخبوء وراء أخذ الأمر بالمعروف والسماحة والتجمل والتيسير .
ويقرأ القارئ في هذه السورة . . (واتقوا الله ربكم) . . (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) . . (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) . . (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) . . (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) . . (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب . . ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره . قد جعل الله لكل شيء قدرا) . . (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) . (ذلك أمر الله أنزله إليكم) (ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) . . (سيجعل الله بعد عسر يسرا) . .
كما يقرأ ذلك التهديد العنيف الطويل المفصل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا , وعذبناها عذابا نكرا . فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا . أعد الله لهم عذابا شديدا) . .
يعقبه التحذير من مثل هذا المصير , والتذكير بنعمة الله بالرسول وما معه من النور , والتلويح بالأجر الكبير: (فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا , قد أنزل الله إليكم ذكرا:رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور . ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا) . .
ثم يقرأ هذا الإيقاع الهائل الضخم في المجال الكوني الكبير: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن , يتنزل الأمر بينهن , لتعلموا أن الله على كل شيء قدير , وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) . .
يقرأ هذا كله تعقيبا على أحكام الطلاق . ويجد سورة كاملة في القرآن , من هذا الطراز , كلها موقوفةعلى تنظيم هذه الحالة ومتخلفاتها كذلك ! وربطها هكذا بأضخم حقائق الإيمان في المجال الكوني والنفسي . وهي حالة تهدم لا حالة بناء , وحالة انتهاء لا حالة إنشاء . . لأسرة . . لا لدولة . . وهي توقع في الحس أنها أضخم من إنشاء دولة !
علام يدل هذا ?
إن له عدة دلالات تجتمع كلها عند سمو هذا الدين وجديته وانبثاقه من نبع غير بشري على وجه التأكيد . حتى لو لم تكن هناك دلالة أخرى سوى دلالة هذه السورة !
إنه يدل ابتداء على خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي:
فالإسلام نظام أسرة . البيت في اعتباره مثابة وسكن , في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر ; وفي كنفه تنبت الطفولة , وتدرج الحداثة ; ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل .
ومن ثم يصور العلاقة البيتية تصويرا رفافا شفيفا , يشع منه التعاطف , وترف فيه الظلال , ويشيع فيه الندى , ويفوح منه العبير: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) . . (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) . . فهي صلة النفس بالنفس , وهي صلة السكن والقرار , وهي صلة المودة والرحمة , وهي صلة الستر والتجمل . وإن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنوا ورفقا , ويستروح من خلالها نداوة وظلا . وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق . ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها , بما فيها امتداد الحياة بالنسل , فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة , ويعترف بطهارتها وجديتها , وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها . ذلك حين يقول: (نساؤكم حرث لكم) . فيلحظ كذلك معنى الإخصاب والإكثار .
ويحيط الإسلام هذه الخلية , أو هذا المحضن , أو هذه المثابة بكل رعايته وبكل ضماناته . وحسب طبيعة الإسلام الكلية , فإنه لا يكتفي بالإشعاعات الروحية , بل يتبعها التنظيمات القانونية والضمانات التشريعية .
والذي ينظر في تشريعات الأسرة في القرآن والسنة في كل وضع من أوضاعها ولكل حالة من حالاتها , وينظر في التوجيهات المصاحبة لهذه التشريعات , وفي الإحتشاد الظاهر حولها بالمؤثرات والمعقبات ; وفي ربط هذا الشأن بالله مباشرة في كل موضع , كما هو الحال في هذه السورة وفي غيرها . . يدرك إدراكا كاملا ضخامة شأن الأسرة في النظام الإسلامي , وقيمة هذا الأمر عند الله , وهو يجمع بين تقواه - سبحانه - وتقوى الرحم في أول سورة النساء حيث يقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة , وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء , واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيبا) . . كما يجمع بين عبادة الله والإحسان للوالدين في سورة الإسراء وفي غيرها: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) . . وبين الشكر لله والشكر للوالدين في سورة لقمان: (أن اشكر لي ولوالديك) . .
وإن هذه العناية القصوى بأمر الأسرة لتتناسق مع مجرى القدر الإلهي بإقامة الحياة البشرية ابتداء على أساس الأسرة , حين جرى قدر الله أن تكون أول خلية في الوجود البشري هي أسرة آدم وزوجه , وأن يتكاثر الناس بعد ذلك من هذه الخلية الأولى . وكان الله - سبحانه - قادرا على أن يخلق الملايين من الأفراد الإنسانيين دفعةواحدة . ولكن قدره جرى بهذا لحكمة كامنة في وظيفة الأسرة الضخمة في حياة هذا المخلوق , حيث تلبي حياة الأسرة فطرته واستعداداته , وحيث تنمي شخصيته وفضائله , وحيث يتلقى فيها أعمق المؤثرات في حياته . ثم جرت هذه العناية في النظام الإسلامي - منهج الله الأخير في الأرض - مع القدر الإلهي في خلقة الإنسان ابتداء . كما هو الشأن في تناسق كل ما يصدر عن الله بلا تفاوت ولا اختلاف .
والدلالة الثانية لسياق السورة , وللاحتفال بشأن العلاقات الزوجية والعائلية هذا الاحتفال في القرآن كله , هي اتجاه النظام الإسلامي لرفع هذه العلاقات الإنسانية إلى مستوى القداسة المتصلة بالله ; واتخاذها وسيلة للتطهر الروحي والنظافة الشعورية - لا كما كان ينظر إليها في العقائد الوثنية , وعند أتباع الديانات المحرفة , البعيدة بهذا التحريف عن فطرة الله التي فطر الناس عليها .
[ إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها , إنما ينظمها ويطهرها , ويرفعها عن المستوى الحيواني , ويرقيها حتى تصبح هي المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية . ويقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية , التي تجعل من التقاء جسدين , التقاء نفسين وقلبين وروحين . وبتعبير شامل التقاء إنسانين , تربط بينهما حياة مشتركة , وآمال مشتركة , وآلام مشتركة , ومستقبل مشترك , يلتقي في الذرية المرتقبة , ويتقابل في الجيل الجديد , الذي ينشأ في العش المشترك , الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان ] .
ويعد الإسلام الزواج وسيلة للتطهر والارتفاع فيدعو الأمة المسلمة لتزويج رجالها ونسائها إذا قام المال عقبة دون تحقيق هذه الوسيلة الضرورية لتطهير الحياة ورفعها: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم , إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم . وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) . . ويسمي الزواج إحصانا أي وقاية وصيانة . ويستقر في أخلاد المؤمنين أن البقاء بدون إحصان ولو فترة قصيرة لا ينال رضى الله . فيقول الإمام علي - كرم الله وجهه - وقد سارع بالزواج عقب وفاة زوجه فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم:"لقد خشيت أن ألقى الله وأنا عزب". . فيدخل الزواج في عرف المؤمن في الطاعات التي يتقرب بها إلى ربه . وترتفع هذه الصلة إلى مكان القداسة في ضميره بما أنها إحدى الطاعات لربه .
والدلالة الثالثة لسياق سورة الطلاق ونظائرها هي واقعية هذا النظام الإسلامي ومعاملته للحياة وللنفس البشرية كما هي في فطرتها , مع محاولة رفعها إلى ذلك المستوى الكريم , عن طريق استعداداتها وملابسات حياتها . ومن ثم لا يكتفي بالتشريع الدقيق في هذا الأمر الموكول إلى الضمير . ولا يكتفي بالتوجيه . ويستخدم هذا وذاك في مواجهة واقع النفس وواقع الحياة .
إن الأصل في الرابطة الزوجية هو الاستقرار والاستمرار . والإسلام يحيط هذه الرابطة بكل الضمانات التي تكفل استقرارها واستمرارها . وفي سبيل هذه الغاية يرفعها إلى مرتبة الطاعات , ويعين على قيامها بمال الدولة للفقراء والفقيرات , ويفرض الآداب التي تمنع التبرج والفتنة كي تستقر العواطف ولا تتلفت القلوب على هتاف الفتنة المتبرجة في الأسواق ! ويفرض حد الزنا وحد القذف ; ويجعل للبيوت حرمتها بالاستئذان عليهاوالاستئذان بين أهلها في داخلها .
وينظم الارتباطات الزوجية بشريعة محددة , ويقيم نظام البيت على أساس قوامة أحد الشريكين وهو الأقدر على القوامة , منعا للفوضى والاضطراب والنزاع . . إلى آخر الضمانات والتنظيمات الواقية من كل اهتزاز . فوق التوجيهات العاطفية . وفوق ربط هذه العلاقة كلها بتقوى الله ورقابته .
ولكن الحياة الواقعية للبشر تثبت أن هناك حالات تتهدم وتتحطم على الرغم من جميع الضمانات والتوجيهات . وهي حالات لا بد أن تواجه مواجهة عملية , اعترافا بمنطق الواقع الذي لا يجدي إنكاره حين تتعذر الحياة الزوجية , ويصبح الإمساك بالزوجية عبثا لا يقوم على أساس !
"والإسلام لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدسة فيفصمه لأول وهلة , ولأول بادرة من خلاف . إنه يشد على هذا الرباط بقوة , فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولة واليأس ."
"إنه يهتف بالرجال: (وعاشروهن بالمعروف , فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) . . فيميل بهم إلى التريث والمصابرة حتى في حالة الكراهية , ويفتح لهم تلك النافذة المجهولة: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) فما يدريهم أن في هؤلاء النسوة المكروهات خيرا , وأن الله يدخر لهم هذا الخير . فلا يجوز أن يفلتوه . إن لم يكن ينبغي لهم أن يستمسكوا به ويعزوه ! وليس أبلغ من هذا في استحياء الإنعطاف الوجداني واستثارته , وترويض الكره وإطفاء شرته ."
"فإذا تجاوز الأمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور , فليس الطلاق أول خاطر يهدي إليه الإسلام . بل لا بد من محاولة يقوم بها الآخرون , وتوفيق يحاوله الخيرون: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله , وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما . إن الله كان عليما خبيرا) . . (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا . فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) . ."
[ فإذا لم تجد هذه الوساطة , فالأمر إذن جد , وهناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة , ولا يستقر لها قرار . وإمساك الزوجية على هذا الوضع إنما هو محاولة فاشلة , يزيدها الضغط فشلا , ومن الحكمة التسليم بالواقع , وإنهاء هذه الحياة على كره من الإسلام , فإن أبغض الحلال إلى الله الطلاق ] .
فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطلاق . إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء . . وفي هذا ما يؤجل فصم العقدة فترة بعد موقف الغضب والانفعال . وفي خلال هذه الفترة قد تتغير النفوس , وتقر القلوب , ويصلح الله بين المتخاصمين فلا يقع الطلاق !
ثم بعد ذلك فترة العدة . ثلاثة قروء للتي تحيض وتلد . وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة . وفترة الحمل للحوامل . وفي خلالها مجال للمعاودة إن نبضت في القلوب نابضة من مودة , ومن رغبة في استئناف ما انقطع من حبل الزوجية .
ولكن هذه المحاولات كلها لا تنفي أن هناك انفصالا يقع , وحالات لا بد أن تواجهها الشريعة مواجهة عملية واقعية , فتشرع لها , وتنظم أوضاعها , وتعالج آثارها . وفي هذا كانت تلك الأحكام الدقيقة المفصلة , التي تدل على واقعية هذا الدين في علاجه للحياة , مع دفعها دائما إلى الأمام . ورفعها دائما إلى السماء .
والدلالة الرابعة للسورة وما فيها من الترغيب والترهيب والتعقيب والتفصيل الشديد والتوكيد , هو أنهاكانت تواجه حالات واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية , وما كانت تلاقيه المرأة من العنت والخسف , مما اقتضى هذا التشديد , وهذا الحشد من المؤثرات النفسية , ومن التفصيلات الدقيقة , التي لا تدع مجالا للتلاعب والالتواء مع ما كان مستقرا في النفوس من تصورات متخلفة عن علاقات الجنسين , ومن تفكك وفوضى في الحياة العائلية .
ولم يكن الحال هكذا في شبه الجزيرة وحدها , إنما كان شائعا في العالم كله يومذاك . فكان وضع المرأة هو وضع الرقيق أو ما هو أسوأ من الرقيق في جنبات الأرض جميعا . فوق ما كان ينظر إلى العلاقات الجنسية نظرة استقذار , وإلى المرأة كأنها شيطان يغري بهذه القذارة .
ومن هذه الوهدة العالمية ارتفع الإسلام بالمرأة وبالعلاقات الزوجية إلى ذلك المستوى الرفيع الطاهر الكريم الذي سبقت الإشارة إليه . وأنشأ للمرأة ما أنشأ من القيمة والاعتبار والحقوق والضمانات . . وليدة لا توأد ولا تهان . ومخطوبة لا تنكح إلا بإذنها ثيبا أو بكرا . وزوجة لها حقوق الرعاية فوق ضمانات الشريعة . ومطلقة لها هذه الحقوق المفصلة في هذه السورة وفي سورة البقرة وغيرها . .
شرع الإسلام هذا كله . لا لأن النساء في شبه الجزيرة أو في أي مكان في العالم حينذاك شعرن بأن مكانهن غير مرض ! ولا لأن شعور الرجال كذلك قد تأذى بوضع النساء . ولا لأنه كان هناك اتحاد نسائي عربي أو عالمي ! ولا لأن المرأة دخلت دار الندوة أو مجلس الشورى ! ولا لأن هاتفا واحدا في الأرض هتف بتغيير الأحوال . . إنما كانت هي شريعة السماء للأرض . وعدالة السماء للأرض . وإرادة السماء بالأرض . . أن ترتفع الحياة البشرية من تلك الوهدة , وأن تتطهر العلاقات الزوجية من تلك الوصمة , وأن يكون للزوجين من نفس واحدة حقوق الإنسان وكرامة الإنسان .
.. هذا دين رفيع . . لا يعرض عنه إلا مطموس . ولا يعيبه إلا منكوس , ولا يحاربه إلا موكوس . فإنه لا يدع شريعة الله إلى شريعة الناس إلا من أخلد إلى الأرض واتبع هواه .
والآن نستعرض الأحكام في سياق السورة - بعد هذا الاستطراد الذي لا يبعد كثيرا عن جو هذا الجزء وما فيه من تنظيم وبناء للجماعة المسلمة - والأحكام في سياق السورة شيء آخر غير ذلك التلخيص . شيء حي . فيه روح . وفيه حركة . وفيه حياة . وفيه إيحاء . . وله إيقاع . وهذا هو الفارق الأصيل بين مدارسة الأحكام في القرآن ومدارستها في كتب الفقه والأصول .