إن الجاهلية الحديثة هي أخبث جاهلية في التاريخ -كما يراها المحاضر- وهي تختفي وراء ستار العلم والتمدن والتكنولوجيا.. وقوتها العسكرية الهائلة تخفي الكثير من خبثها.
وهنا يحاول الأستاذ المحاضر أن يربط بعض مفاهيم هذه الجاهلية بالدور الذي مارسته وتمارسه باستمرار لطمس الحق المبين وإطفاء نور الله، فيرى أن الدين عند الجاهلية الراهنة مسألة شخصية أو مزاج ذاتي.. كذلك هناك جوانب لا تسقطها الجاهلية من حساباتها.. فحين تمارس سياستك في الجاهلية، تسيطر على كل شيء، وتتحكم في تصوراتها الميكافيلية، وقول الزور، فهل تبقى هناك صلة بين الجاهلية والإسلام، إذا ما أردت جعل سياستك إسلامية.. والاقتصاد الربوي أيضًا والاجتماع. إن الأولاد لا يعرفون آباءهم من فعل الجاهلية التي أصغرت من مفهوم العقيدة.
ثم ينتقل المحاضر لماهية التعليم في واقعه الحالي من خلال درس التاريخ ليؤكد (وجوب أن يتحول درس التاريخ من درس حكايات وقصص إلى درس تربوي هادف، فليس التاريخ وقائع مجردة نطالعها للتسلية وتمضية الوقت) ..,
يجب أن نبرز سير الأبطال والعظماء كعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين وقطز وبيبرس. يجب أن نبرز خيرة هذه الأمة وهي خيرية قيم وخيرية أعمال، كما يجب أن نبرز قيمة التوحيد كما نشرته هذه الأمة في بقاع الأرض ويبقى الأستاذ محمد قطب ضمن هذا الإطار ليقول: (إن الإنسان حين لا يؤمن بالتوحيد بأي شيء يؤمن؟ يؤمن بآلهة مزيفة، القومية، العلم، الطواغيت، الموضة،.. يؤمن بالمصلحة. المصلحة ألا نحكم بالشريعة.. ومصلحة الاقتصاد أن نسمح بشرب الخمر والرقص والمجون حتى يأتي السّيّاح، ونكسب العملة الصعبة! إن هذا التوحيد هو الذي حرر الإنسان من كل العبوديات.. جعله يولد من جديد.. يصبح طاقة كونية حين يتصل بالله وعندما يشعر الإنسان بالتكريم الرباني، يكون سيّد الكون بدون منازع) .
إن أعظم قضية هي قضية التوحيد إذن.. وها قد جعلتها الجاهلية تسقط في الهاوية!
أسلوب المعالجة الإسلامية
وعن أساليب المعالجة الإسلامية لقضايا الإنسان والحضارة كما حدثت في التاريخ، يضرب المحاضر المثل قديمًا بالإمبراطورية الرومانية باعتبارها من أكبر الإمبراطوريات.. كيف كانت تعامل رعاياها؟ كانت دولة مستكبرة ودولة مستعبدة! وحديثًا الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.. كيف يعامل الأبيض الأسود؟ هذه هي الأمة الجاهلية (بينما الأمة الإسلامية والتي صهرت أممًا كثيرة، توسعت لتهدي الهدى للناس، تقول لهم اهتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولكم مالنا وعليكم ما علينا.. لننفي أكاذيب المستشرقين من أن حركة التوسع الإسلامي إنما حدثت بالقهر والظلم) نعم إن أسلوب المعالجة الإسلامية مختلف تمامًا عن مستوى التفكير الاستشراقي والمادي..
ولم يفت المحاضر الفاضل أن يتحدث بشيء من التفصيل عن الحركة العلمية الفريدة في التاريخ، تلك التي نبتت في ظلال التوحيد، وهي التي أهدت البشرية المنهج التجريبي في البحث العلمي.. إن دارون يقول بأن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها وأنها تخبط خبط عشواء، ونحن ننقل عنهم هذا ونتساءل هل الطبيعة الخالقة لها وجود؟ أم أنه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؟
وأيضًا هناك الحركة الحضارية، وهي التي صنعت الحضارة المتوازنة ما بين فطرة التعبد إلى الله وفطرة إعمار الأرض.. تنبع من المسجد وتتجه لعمارة الأرض.. إنه فرق هائل ما بين فكرتين، الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية. وقد أثبت لنا المحاضر أسلوبًا رمزيًا متطورًا في التطرق لأسلوب المعالجة الإسلامية للتاريخ.. (أذكر حين كنت أدرس الطلبة التاريخ، ويأتيني موقف من المواقف، كنت أقول: لو كان عمر هو الحاكم ماذا كان يفعل في هذا الموقف، وهكذا إلى أن تعود الصورة الإسلامية الرائعة لتاريخ هذه الأمة.. إن تاريخنا هو نحن، هو أمجادنا وسقطاتنا التي نريد أن نتحاشاها) ، ثم يضيف: (إن الموضوع واسع جدًا وأنا أعيشه بأعصابي.. نحن على أبواب صحوة إسلامية رائدة نريدها أن تستفيد من دروس التاريخ..) وفعلًا فقد طرح الأستاذ المحاضر بعض النظريات الموضوعية التي تستهدف إضافات وتصحيحات لا بد منها في هذه الفترة من أجل تاريخ يصنع ويبين.. كما جاء بأمثلة وشواهد من جملة ما قد طالعناه ودرسناه، فنجده يقول:
أمثلة وشواهد
(القرون الأخيرة أشد ما عبث المستشرقون بها، وأعرض هنا للطريقة التي يجب أن نتبعها في مواجهتنا مع الزيف الاستشراقي.. نقول لأبنائنا: إن المسلمين تأخروا حين برزت القوة الأوروبية فتغلبت عليهم وانتهى الأمر باحتلال أوربة لبلاد المسلمين! وحين نعيد كتابة التاريخ نتبين لماذا حدث هذا، لماذا ضعف المسلمون؟ هناك وهم تاريخي بأن الإسلام أدى دوره وانتهى أو استنفد أغراضه، فنقول: إن الأمة حين تخلت عن عقيدتها دخل الفكر الإرجائي ودخلت المادية ودخلت الخرافات والبدع. والإسلام دوره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. جاءت البرتغال لتنزع الزعامة الهجرية من الدولة الإسلامية) .. ونضيف أن الأمة حين تهاونت في أمر أعدائها حدث ما حدث.. الكيد الصليبي الصهيوني مستمر (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا) (آل عمران 120) وهذه الفروقات تضيء لنا الطريق لنبدأ من جديد.
ويبقى الأستاذ محمد قطب في محاضرته القيمة يستعرض جوانب هذا الموضوع الخطر إلى أن يوضح أسلوبًا أشد خبثًا وكيدًا مارسوه مع أبناء المسلمين.. (لقد وضعونا أمام خيارين اثنين لنتقدم ونتحضر، كلا.. بل يجب أن نبرز البديل الثالث وهو العودة للإسلام الصافي كما أنزل، وهو ما تحاول الصحوة الإسلامية اليوم أن تقوم به) . وقد وجه المحاضر الدعوة للحاضرين أن يشاركوه الاهتمام في هذه القضية، وأن يلتزموا المنهج الواجب اتباعه تجاه إعادة النظر في التاريخ.. (إذ يجب أن نلتزم الحقائق العلمية وفي حسّنا أننا نربي هذه الأمة) .
محاولات على الطريق
وقد اختتم الأستاذ محمد قطب محاضرته بالجواب على عدد من الأسئلة التي وجهت إليه في إطار هذا الموضوع.. فنراه يشيد بجهود الدكتور جمال عبد الهادي في إعادة دراسته نجاح أحمد أمين في تشويه التاريخ الإسلامي باعتباره تلميذًا للمستشرقين). كما أنه امتدح كتاب (رجال حول الرسول) لخالد محمد خالد وإن كان قد وجه الانتقاد إليه لعدم وضوح رؤيته عن الإسلام والديمقراطية؟ وعن أحداث الخليج ذكر بأن السبب في كل ما جرى يرجع للبعد عن المنهج الإسلامي، فلو كان الإسلام حاضرًا ما كان هذا حال المسلمين.
وبعد: إن الأمل كبير في أن تكون هذه المحاضرة القيمة للأستاذ الكاتب المفكر محمد قطب بداية جادة نحو إجراء دراسات أكاديمية وعلمية متعمقة تتناول بالبحث والفحص واقع التاريخ الإسلامي وإعادة كتابته .
عبدالله بن ناصر الحديب
نالت الدعوة التي تطالب بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي و تدوينه حيزًا كبيرًا، خلال الثلث الأخير من القرن المنصرم، و تحديدا ً منذ الستينيات الميلادية (الثمانينات الهجرية) ، وبسط المؤرخون الآراء في تأييد ومعارضة تلك الدعوة، فمنهم من وافقها و وقف معها، ومنهم من عارضها و أعرض عنها وفريق آخر رأى التعامل بحذر مع هذه الدعوة .
وفي هذا المقال لن نتطرق لمناقشة آراء المؤرخين حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بل سنتوقف لنناقش أهم الأسباب المطالبة بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، و منها:
أولا ً: تقديم التاريخ الإسلامي بمنهج صحيح: