فهرس الكتاب

الصفحة 1572 من 3028

يقول محمد قطب: لاحظت في أثناء قراءتي و في التدريس كذلك أن التاريخ الإسلامي لا يقدم بمنهج صحيح، سواء لطلاب العلم أو للقارئ العام، و أن معظم ما نقرأه في الدراسات الحديثة هو ما قدمه المستشرقون، سواء أكان ذلك بطريق مباشر من كتبهم أم عن طريق تلاميذهم من المؤرخين المسلمين الذين يتلقون كلامهم كأنه القول الفصل الذي لا يحتمل النقاش ! وغني عن البيان أن المستشرقين كانوا أنشط ما يكونون - في عملهم التخريبي - في مجال التاريخ الإسلامي (1) .

إن تاريخنا الإسلامي بحاجة إلى رجال أمناء حريصين على تاريخ أمتهم ويعرفون خطط أعدائهم وكيدهم المستمر، و يتلقون العلم من مصادره الصحيحة و المأمونة، و يتبعون في التحقيق منهجًا علميًا رصينًا ولا يقبلون قولًا بغير دليل، ويفحصون كل ما يقدم لهم، حتى لا يقعوا فريسة لكيد أعدائهم (2) .

ثانيا ً: المناداة بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي:

لا بد من الإشارة إلى أن الدعوة لإعادة كتابة أو عرض وتحليل تاريخ الأمة الإسلامية لا تعني - بالضرورة - البدء من نقطة الصفر، أو الرفض للصيغ التي قدمه بها مؤرخونا القدماء، ومحاولة قلب معطياتهم رأسًا على عقب، و من يخطر بباله أمر كهذا فهو ليس من العلم في شيء، والمقصود شيء آخر يختلف تماما ً: منهج عدل يتعامل مع معطيات الأجداد بروح علمية مخلصة فيتقبل ما يمكن تقبله، ويرفض ما لا يحتمل القبول (3) .

و يرى أنور الجندي أن من أسباب الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي أن النظرة الأساسية التي قامت عليها كتابة التاريخ كانت نظرة استعمارية ووافدة وحين فتحت الآفاق لدراسة تاريخ الإسلام دُرَسْ على أنه تاريخ الدولة أو الامبراطورية التي قامت ثم تمزقت إلى دول، وحين عُرَض لم يعرض إلا من خلال خلافات بعض الملوك والأمراء والحكام وصراعاتهم الخاصة (4) .

ويقول محمد قطب: ظل إحساسي بهذه القضية - إعادة كتابة التاريخ الإسلامي - يتزايد مع مرور الأيام كلما ازددت إطلاعًا على ما يكتبه المؤرخون المحدثون في التاريخ الإسلامي، وكذلك كلما برزت إلى الوجود صيحات مشبوهة تنادي بضرورة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، و لكن من زوايا أخرى لا تقل تخريبًا عما كتبه المستشرقون من قبل، فمرة من زاوية القومية العربية، ومرة من زاوية الاشتراكية، ومرة من زاوية التفسير المادي - أو التفسير الاقتصادي - للتاريخ (5) .

و جدير بالإشارة أن المقصود بإعادة كتابة التاريخ هو تنقية الكتب التاريخية من الشوائب والأخطاء، والروايات المكذوبة، ومن ثم إعادة الصياغة و التصحيح وفق المنظور الإسلامي، بهدف الكشف عن الحقائق التاريخية، من جهة و الاستفادة من دراسة التاريخ في مجال التربية والقدوة الحسنة من جهة أخرى (6) .

ثالثا ً: كتابة التاريخ ليتناسق مع الرؤية الإسلامية:

نقصد بذلك أن ننفي أولًا كل الافتراءات و التلفيقات التي أقحمت على التاريخ الإسلامي، و كذلك التفسيرات الخاطئة و الباطلة التي قامت عليها، ثم عرض الوقائع التاريخية - دون تقليد - وكما هي وبكل جوانبها مسلسلة و مكتملة، و اعتبار ما وراءها من المعاني التي ارتبطت بها وبالأسس التي قامت عليها وفهمها على ضوئها .. لذا فإنه يصبح عرض التاريخ الإسلامي بصورة صحيحة ضرورة لا مفر منها، ليس فقط لأهميتها ولكن لانطباقها و الواقع التاريخي، و لكن هذا العرض لا يمكن أن يتهيأ إلا إذا كان من منطلق إسلامي، وبقلم من يقف في المركز الإسلامي يطل على الحياة الإسلامية ويعيش الباحث بكل كيانه في جو الإسلام، وذلك يعني منتهى الإنصاف و البحث عن الحقيقة رائد هذه النظرة تقول ما لها وما عليها (7) .

إذا كان التاريخ البشري ينبغي إعادة كتابته لأنه يُقَدم لنا من زوايا تختلف اختلافاًَ جذريًا عن زاوية الرصد الإسلامية، من حيث رؤيتها للإنسان، و طبيعة تكوينه، و غاية وجوده و مدى إمكاناته و معيار إنجازاته، فلزم أن نعيد كتابته ليتناسق مع الرؤية الإسلامية المستمدة من كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم فتكون لنا وحدة في التصور تتناسب مع كوننا مسلمين (8) .

إن المستشرقين - في كثير من الأحيان - يحكمون على الإسلام والتاريخ الإسلامي معتمدين على قيمهم و مقاييسهم الثقافية الخاصة، بدلا ً من الاعتماد على المصادر التاريخية، وأعراف و مبادئ المجتمع الإسلامي، ومصدر الخطأ في منهج المستشرقين - بصرف النظر عن حقدهم وتعصبهم - التفسير الخاطئ للأحداث التاريخية والقياس والحكم الفاسد عليها، وذلك وفق مقتضيات أحوال عصرهم الذين يعيشون فيه (9) .

لقد غلبت على دراسة التاريخ مذاهب الاستشراق وهي مذاهب غربية أصلا ً قامت في ظل تاريخ أوروبي وغربي له تحدياته وظروفه، مثل الصراع بين الكنيسة والعلماء، وبين الأمراء والشعب و صراع المذاهب الكاثوليكية والبروتستانتية وذلك القتال الرهيب بين الملوك والدول والأمم (10) .

رابعًا: كتابة التاريخ الإسلامي بدون تجزئة أو تقسيم:

إن تاريخ الأمة الإسلامية ليس كأي تاريخ أمة من الأمم فينبغي أن ننظر لذلك التاريخ ككل واحد وغير مجزأ رغم أن دراستنا له تأتي مجزأة من باب تبسيط الدراسة على القارئ والمتعلم لتحقق الفائدة فدرسنا تاريخ الدولة الأموية، وكذلك الدولة العباسية منفردًا و هكذا (11) .

أما تقسيم التاريخ إلى مراحل سياسية، والحديث عن كل مرحلة، كأن هناك حدودًا فاصلة في مجرى التاريخ تفصل بين عهد و عهد، وتجعل كل عهد شيئًا قائمًا بذاته فأول ما يلفت النظر من عيوبه - وأخطاره كذلك - أنه يقطع التواصل التاريخي بين أجيال هذه الأمة، كأنما لم تكن أمة واحدة متصلة، وكأنما لم تكن هي بالذات الأمة الإسلامية (12) .

ويصف عبد الرحمن الحجي ما فعله أعداء الإسلام بالتاريخ قائلًا: جزأوا هذا التاريخ إلى مقاطع و فرقوا أوصاله فنتج عن ذلك أن أماتوه حين قطعوه ولم يشيروا إلا إلى أوصال قليلة بدا فيها مشوهًا حتى بعد موته، فلم يدرس التاريخ الإسلامي ككائن حي مكتمل سليم بل درّس - و دوّن - على أنه أوصال و تفاريق لكائن مشوه فترانا في كثير من الأحيان لا ندرسه على أنه حلقة متصلة و سلسلة متتالية متناسقة الأحداث و الأجزاء متتابعة المجرى في البداية و الهدف (13) .

خامسًا: كتابة و عرض أحداث التاريخ الإسلامي بموضوعية ومصداقية و أمانة:

من الأمور المهمة أيضًا عرض و كتابة أحداث التاريخ الإسلامي بموضوعية ومصداقية بما تضمنه من سلبيات - وهي قليلة - وبما احتواه من إيجابيات، ولنفرض جدلًا أن كل ما نسب إلى المحرفين في المجال السياسي صحيح، ولم يدخل فيه المبالغات الناشئة عن العداوات الحزبية أو المذهبية التي يشنع فيها كل فريق على خصمه بما يشاء .. فخلاصة الأمر أن نسلم - جدلا ً- بأن التاريخ السياسي للمسلمين كان خطًا أسودًا! فليكن كذلك ! ولكنه خط أسود في صفحة يغلب عليها البياض! .. فمن الناحية العلمية يصبح هذا التاريخ مزورًا ولو صحت كل كلمة كتبت فيه ! لأنه يعطي الأمة حجمً أصغر بكثير من حجمها الحقيقي، ويضع قزمًا ضئيلًا في مكان العملاق (14) .

إننا بحاجة إلى دراسة خط الانحراف بأمانة كاملة في تاريخنا مع تبين هذه الأخطاء ودراستها واستيعاب عبرتها، حتى نتجنبها في محاولتنا الجديدة .. نحن إذن في حاجة تربوية إلى دراسة خط الانحراف، و لكن هناك فرقًا واضحًا بين دراسته لاستخلاص العبرة منه، ودراسته للإيحاء بأن الإسلام لم يطبق إلاّ فترة وجيزة (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت