فهرس الكتاب

الصفحة 1234 من 3028

ألا وصلوا وسلّموا على الحبيب رسول الله، فقد أمِرتم بذلك في كتاب الله حيث قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك سيدنا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمر أعداء الدين، وسائر الطغاة والمفسدين، وألّف بين قلوب المسلمين، ووحد صفوفهم، وأصلح قادتهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين...

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4719)

عبد الرحمن السديس إمام الحرم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

الخطبة الأولى

أما بعد: فإنّ خير ما يُوصى به ويدَّكر ويوعَظ به يزدجر تقوى الإله الذي عزّ واقتدر، ألا فاتقوا الله عباد الله، واحذروا سوء العقبى والردى، واجتنبوا الغفَلات فإنها للطاعات مُدى، واسعوا لأُخراكم كأنّكم تنقلبون غدًا.

أيّها المؤمِنون، أوانَ هَدأةِ الفكر وانبِلاج المسالِكِ وشَفافيّة الروح وسَبحِ المدارك وسَاعةَ استلهامِ النفس المسلِمة مَعاقِدَ الشّريعَة ومراميَها وجُلَّ مقاصدِها ومعانِيها تدركُ في غيرِ ما لغوب ولا نُضوب أنها جاءَت بالتّعمير والإسعادِ حاثَّةً على مهايِع النهضةِ والرّيادة حاضَّةً على كلّ رُقيٍّ وإِفادَة، في تَناسقٍ بَديع بَينَ استشرافاتِ العقلِ وأشواقِ الرّوح، فالإعمارُ غَرِيزةٌ أودَعَها الله البَشرَ لِتكون رَائدةَ العمَل وبَاعثةَ الأمَل في نَشرِ العُمران وتثبيتِ دعائم التّحَضُّرِ والأمان، وكلُّ تقدُّم تِقانيٍّ وتَفوُّقٍ علميّ في العالَم أَكتَع يجِب أن يُسخَّر لقَمعِ الفساد والاستبدادِ، وأن يَكونَ مِرقاة لراحةِ الإنسانِ وهِدايته وطمأنينتِه وأمنِه واستقرارِه، ولن يتمَّ ذلك إلاّ في ضَوءِ عالميّة الإسلام الساطِع الذي يُوجِّه الحياةَ بعُمومها وشمولها وِجهةَ الخيرِ والسّؤدَدِ والحقّ والسلام، خُصوصًا بعدَ أن افتَضح إفلاسُ الحضارةِ الغربيّة في جوهَرِها ومخبرِها.

مَعاشرَ المسلمين، وما الحضارةُ القعساءُ التي وَطّدَتها شَريعتُنا الغرّاء وسعِدَت بها الدُّنَا عَبرَ التأريخِ إلاّ صُوّةً وقّادةً فوق التّحليل والإبراء، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] . وهَذه المحجَّة المباركَة أجَّجَت حَربًا ضَروسا حِيالَ الطغيانِ والإفساد، وكانت وَجهًا عَبوسا تِئضالَ التّخريبِ والتقويضِ والاستباد، فشريعتُنا إعمارٌ لا دَمار، بِناء ونماءٌ لا هَدم وفناء، إِشادَة لا إِبادة، وهل إلا الفَسادُ والإِفساد بِشرورِه وجوائِحِه وحَوازبِه وفَجائعه مَن يحيلُ الدّنيا البَهِجةَ النضِرة إلى أَرضٍ مُصوِّحة قَفِرة؟! وهل إلا الفسادُ يهوي بالذِّمَم والقِيَم والأمجادِ إلى ساهِرةِ الحسَكِ والقَتاد ويُقيم على الأمَم المآتمَ والحِداد؟! يقول الكَفَويّ رَحمه الله:"الإفسادُ جَعلُ الشّيءِ فاسِدًا خارجًا عن حالتِه المحمودةِ لا لِغرضٍ صَحيح".

فالسّعيُ ـ يا عبادَ الله ـ بالفَسادِ بين مطاوِي البلادِ والعباد هوَ مستَنقَع الداءِ والبلاء وأُسُّ الفناءِ والأرزَاء ومُبيد النِّعَم والآلاء، مُؤذِنٌ بالخراب، معلِن بالتَّباب، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77] .

إخوةَ العقيدة، وفي هذَا العَصرِ المحتَدِمِ بالكشوفاتِ والمخترَعات والملتَهِبِ بالصّراعات والتوسُّعات كثُرَت ضروبُ الفسادِ وأمَّت، واندَاحَت كُرَب العُتوِّ وعمَّت، وإنَّ أعظمَ فسادٍ في الأرض بعدَ أن أَصلَحَها الله بإنزال الكتب وإرسالِ الرسُل هو الإشراكُ بالله عزّ وجل، يقولُ الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله في قوله سبحانه: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56] :"قال أبو العالية: بالإشراكِ بالله"، وفي الحديثِ عند مسلمٍ وغيره: (( وإني خَلقتُ عبادي حُنفاءَ كلَّهم، وإِنهم أتَتهم الشياطينُ فاجتَالتهم عن دينِهم، وحرّمَت عليهم ما أحلَلتُ لهم، وأمرَتهم أن يشرِكوا بي ما لم أنزِّل به سلطانا ) ). يقول الإمامُ العلاّمة ابنُ القيّم رحمه الله:"فإنّ عِبادةَ غير الله والدّعوةَ إلى غيره والشّركَ به أعظمُ فساد في الأرض، بل فسادُ الأرض في الحقيقة إنما هو بالشركِ به ومخالفةِ أمره، ومَن تدبَّر أحوالَ العالم وجَد كلَّ صلاحٍ في الأرض فسببُه توحيد الله وعبادتُه وطاعةُ رسوله"انتهى كلامه رحمه الله.

فمَن ألحدَ في أسماء الله وصفاتِه وحَرَّف آياتِه وكلماتِه فقد عتَا وأفسَد، ويلتَحِق بذلك مَن أحدَثَ في شرعِ الله وابتَدَع وزَادَ وما ارتدَع، فإنّه لَلفسادُ وأيُّ فساد الَّذي يجعل الدّينَ القويمَ نُهبةَ العقولِ والآراء ومِزَق الأفكارِ والأهواء؟!

إخوةَ الإسلام، ومِن لوثاتِ الفَساد الذي يُنذِر بعظيمِ الخطَر ويتَستَّر به الألدّاء في كَيدٍ وبَطَر ذَلكم الغزوُ الفكريّ الغَامّ والثّقافيّ والأخلاقيُّ السّامّ، الذي أجلبَ بتيّاراتِ الانحراف، وهملَج بمذاهِب الإتلافِ والإرجافِ، فأفسدَ كثيرًا من الناس لا سيّما من الشّبابِ والفتيات، ولوَّث أفكارَهم، وشابَ عقائدَهم، وسلَخَهم عن قِيَمهم الاجتماعيّة، وورَّاهم عن أصولهم الدّينيّة والأخلاقيَّة، وأسلَمَهم إلى عَواصِفِ الحيرةِ والتَّميُّع والذوَبَان والانهزاميّةِ، وخَلَص بهم إِلى لُجَج الانحِدارِ والبَوار. وهذا الإفسادُ والضّيَاع دهَم من أسفٍ مُضِن كثيرًا من الأسقَاع، نحتسِي غصَصَه في فَجيعةٍ والتِياع، ويتّخذُ العَدوّ الماكِر لِذلك أرقَى التّقانَاتِ وأحدَث المختَرَعات، الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88] ، وقد دَعَوا في نهجِهم إلى الفسادِ في الكَونِ والشّرّ والإلحادِ والشّرّ فَساد. ولله أيُّ ثَمَدٍ مِن قوّة تُبقِي عليها الأمّة إن نِيلَ مِن نَوط رجائِها ومَعقِد آمَالها؟!

أيّها الأحبّة في الله، وأمّا المِعوَل الهدّام الذي وضَع وخَبّ بين هذه الشّريحةِ خُصوصًا وعجّ من إفسادِه وتدميرهِ الفَضاءُ وارتجّ ذيّاكم الإعلامُ الذِي يضخّ عُبابًا من الفسادِ وأَصنافًا مِن الانحراف في بعض قنواتِه الماجِنَة وشبكاتهِ الآسنة وفَضائيّاته القاتمة، التي رنّقَت نميرَ الفضيلَة، وهصَرت في بطشٍ باطش أركانَ المجتمعات والأسَر بما تبثُّه من حرائقِ الرذيلة ومنكَرات الأخلاقِ والبُهتان، في قِحَةٍ وصفَاقةٍ كأنهما الصُّوَّان. أوّاه أوّاهُ من ذلك الفسادِ، ورحماك ربَّنا مما إليه كثيرٌ من المجتمعات تَنقاد، واللهمّ سلِّم سلِّم.

ومما يلهِب الأسَى بين الأضلُعِ وتهمي له سِجام الأدمُع ذلكم الإفسادُ السافِر والكَيد الماكِر عبرَ صَفَحات الإعلامِ بأقلامِ فِئَة ضلَّ عَن السَّدادِ فهمُها وطاشَ عن القَرطَسة سهمُها، لا تفتَأ تبهَضُ الشريعةَ الغرّاء وتغمِز الخِيَرَة والصّلَحاءَ ورجال الحِسبةِ الأكفياء والجمعيّاتِ الخيريّة القَعساء والمؤسساتِ الدعويّة ذات السّنا والسناء، وما درَى هؤلاءِ أنهم بفعلِهم ذلك يَشرَخون المناهجَ والصَّفَّ ويتطاوَلون على الجَمعِ الملتَفّ.

في كلِّ يومٍ مَنزلٌ مستوبِلُ…يَشتفّ ماءَ مهجتي أو مُجتَوَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت