فهرس الكتاب

الصفحة 1235 من 3028

أيّها المؤمِنونَ، ومِن ضُروبِ الفسادِ الذي تنامَى وزادَ ولم يَغفل عن رتقِه الألِبّاء من العِبادِ ما لوَّث صفاءَ البِيئةِ وجمالَ الطبيعةِ المتدفِّقَة بالبَهجَةِ والرُّواء، وذلك بنشرِ الموادّ الكيماويّة المدمِّرة والتّجارب النوويّة الفتّاكَة والنّفايات الغازِيّة السامّة، وما يعمَد إليه العالم من سِباقِ التسلُّح وأَسلِحَة الدّمار الشامِل التي تنجُم عنها الإبَادَةُ والأمراض والأوبِئَة، وتُفسِد البيئةَ وتلوِّثها، وتخرِجها عن سنَنِها الخلاّب، ولعَمرو الحقِّ إنَّ النفسَ التي حُرِمت تذوُّق الجمالِ ورَشفَ شهدِه العذب بزينةِ الأرض وحُسنِها وسلامتِها وأمنِها وقصَدَت إلى إفسادِ الطبيعةِ وتلويثِ البيئة لهي نفسٌ باغيَة ومُهجة طاغِيَة.

إخوةَ الإيمان، ومِن صوَرِ الفسادِ الخطيرةِ المستَشريَة في كثيرٍ منَ المجتمعات ما يَنال اقتصادَ الأمّة مِن المعاملاتِ الرّبوية المحرَّمَة ماحِقةِ البركةِ جالِبةِ سَخطِ الله ومَقتهِ المؤذِنةِ بحربٍ من الله ورسولِه، ومَا السّعارُ المادّيّ الذي يتابِعُه المراقِبون لكثيرٍ مِن صالاتِ تداوُلِ الأسهمِ العالميّة وأسواقِ البورصَةِ الدوليّة وما آلَ إليه أمرُ كثيرٍ منها من أزَماتٍ خانِقَة إلا نذرٌ وعِبر لمَن يعتَبِر، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] . ولَولاَ لُطفُ الله ثمّ مَأثرَةُ وَليّ الأمرِ وفّقه الله لحصَل ما لا تحمَد عقباه، غيرَ أن الغَيورِين يتطلَّعون إلى أَسلمَة هذه الأسواق الماليّة والتِزامِها في تعاملاتها الضوابِطَ الشرعيّة.

إخوةَ الإيمان، ومما ينتَظِم في سِلسِلة الفَسادِ الذي فرَى الأكبادَ ما تَعمد إليهِ الفِئةُ الضالّة المارِقة من إيقاظِ الفتنِ النائمةِ في أفكارٍ حَالمة ومناهجَ هائِمة، تَعمد إلى سَفكِ الدمِ الحرام والعُتوِّ في الأرض والإجرام، مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32] . وَبِأَخَرةٍ محَاولةُ تفجيرِ مكتَسبات هذه الديارِ وتَدمير منشَآتها ومقدَّراتها التي هي رَمزُ قوَّتها [وعَصب] سَطوتها المتين ورَهبتها بين العالمين. فلَيتَ شِعري هل هذه الدِّيار الآمنةُ للإسلام إلا مدَارِس، ولصدّ نكبات المسلمين وأرزائهم إلا مَتارس؟! أيُّ تنكُّرٍ شَنيع لفضلِ أمّتهم؟! وأيُّ جَهلٍ فظيع بمآلاتِ رقيِّ مجتمَعِهم وقوّة اقتصادِه ومصدَر مكتسباته وثرواته؟! ولكن استدراكٌ يمزِّق النياطَ حينما جفَّت القلوب من الرحمةِ والإيمانِ، وصدَأَت بالجحود والنكران، وانتَضَت أسِنَّة الطيشِ والعدوان، وسلَكَت مسالكَ الإجرام والطّغيان، عادَت كلَّ نهضَة، وشنَأت كلَّ رقيٍّ وعمران. فيا لله، أيّ ناسٍ هؤلاء الذين نبَذوا الرّحمةَ والإحساسَ وهاموا بمآسي كلِّ الناس؟! إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] .

أمّةَ الإسلامِ، وينسَلِك في طُغيانِ التدمير والتّتبِير اللّذَين حرَّمهما الله أشدَّ تحرِيم وتوعَّد آتيَهما بالعذابِ الأليم شنُّ المعارِكِ والحروب وإضرامُ النيرانِ والخطوب وتقتيلُ الأبرياءِ والعُزَّل واحتلالُ الشّعوب، بغيةَ إذلالها وطمسِ حضَارتها وثَلمِ نخوَتها واستِنزافِ خيرَاتها وثَرَواتها، في عَصرٍ تتعالى فيه دَعاوَى الإصلاحِ والسّلام وصرَخاتُ التعايُش والوِئام ومحارَبَة الإرهاب والإرعاب. نعم، تِلك هي الهالات البرّاقة والشّعاراتُ الرّقرَاقة التي تفضَحها وقائِعُ العنجهيّة كلَّ آن، ومَا وقائِعُها المخزِيةُ إلا نارُ الحِقد الدفين من محوَرِ الشرّ الكمين، تُذكي ضِرامَها الصّهيونيَّة العالميّةُ رَائِدةُ الإرهابِ الدوليّ بلا مُنازِع، لا سيّما في أرضِ فلسطين والأقصَى، وقَد قال الله فيهم وفي أسلافهم: وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64] .

وكذا الإِفسادُ الذي يَقتاتُه دونَ تموِيه ولا مَينٍ إخوانُنا في بلادِ الرافدَين، مِن صنوفِ المآسي والتنكيلِ والحِصار والتشريدِ والتقتيل.

وَحروبٌ طاحِناتٌ كلَّما…أطفِئَت شبَّ لظاها واستَعر

ضجّت الأفلاكُ من أهوالها…واسعَاذ الشمسُ منها والقمر

ومِن نَكباتِ هذه الحروبِ وإفسادَاتها عقابِيلها وويلاتها التي خرَقَت الأعرافَ الدوليّة والمواثيقَ العالميّة والقِيَمِيّة التَّطاولُ على بيوتِ الله والإضرارُ بالمساجدِ ودُور العبادةِ وانتهاكُ حُرماتها وتَرويعُ الساجدين الآمنين، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114] . ويحهم، أيّ حَضَارةٍ إِنسانيّة وإِعمارٍ زعَموا؟! قاتَل الله الإفسادَ الجالبَ للخزيِ والبوار، ولَحَا النّكثَ للمواثيق وكلِّ عرفٍ وقرار، يقول المنتقم الجبار جلّ جلاله: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:204، 205] . الله أكبر، ها هوَ القرآنُ غَضًّا نديًّا يُنَبِّئُنا من أخبارِهم، فأين المتذكِّرون؟!

أيّها المسلمون، ومِن أفانينِ الفساد الذي تَستَّر بمروطِ الحريّة العرجاء فجاءَ شيئًا إدًّا تكاد تخِرّ له الجبالُ هدًّا انتهاكُ حُرمةِ الكُتُب المنزَّلة والأنبياءِ المرسَلَة، وأعظمُهم أفضَلهم إمامُ الأنبياء ورَسولُ ربِّ الأرض والسّماء صلوات ربي وسلامُه عَليه، مما أجّجَ مَشاعر الحقدِ والغضَبِ والكراهية، ودَقّ بين المجتمعات عِطرَ مَنشَم. ولا تسَل ـ يا رعاك الله ـ عن حرّيّة الغرائزِ والشّذوذ والارتخاص التي أنشَبت الإنسانيّةَ في مهاوِي البهيميّة.

لذلك كلِّه مِن أصولِ الفساد وغيرها كان جزاءُ أهل الفسادِ والزيغ والعنادِ حكمةً وعدلا أشدَّ التقتيل وأوبَلَ التنكيل، إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33] .

وبعدُ: عبادَ الله، فلَن تقومَ حضارة إنسانيّة ونهضَةٌ عمرانيّة وسَعادة بشريّة وأمنٌ ورَفهَنِيّة والفسادُ يسقِي حُمِّيّاه كثيرًا من الأرجاءِ والعالَمُ يَلتوي ويُداجِي بالشعارات المفلِسَة في الضّحى والدّياجي، وهنا نفثةُ مَصدور ونأمَة غَيور تفيض من نبعِ الشّجَى والشّجَن وتهطِل من سُحُبِ اللوعة والحزن أن يا أيّها القادةُ والعلماء، يا أيها الدعاة والصلحاءُ، يا أهلَ الإعلام ويا حملةَ الأقلام، توارَدوا على ميثاقِ شرَفٍ واحدٍ وسنَنٍ لاحِد، وأصلِحوا ما اختلَّ من المجتمعات وفسَد، وقوِّموا ما انثلَمَ مِن عزَّتِكم وهيبَتِكم وكسَد، وارتُقوا ما انآدَ مِن الأفكار واعوجّ، وجدِّدوا ما رَمّ من وَحدَتكم ونهج، هبُّوا لميادين الصلاحِ والإصلاح بفعلٍ أسدّ ومُنَّة أسَد؛ تفلِحوا وتغنَموا وتسعَدوا وتأمنوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت