والحاكم العام وليام بونتي نفسه يفرض رقابة دقيقة وشديدة على الصحافة الإسلامية في رسالته رقم 105 في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1911م إلى الحكام في المستعمرات الفرنسية الأفريقية وإلى المفوض السامي للحاكم العام في موريتانيا؛ وفي ذلك سجّل بونتي: بأنه لاحظ أن السوريين والمغاربة بدأوا منذ مدة غير يسيرة يدخلون كميات ضخمة من مطبوعات بصورة لا شرعية في المستعمرات. وهذه المطبوعات هي كتب وصحف ومجلات من جميع التيارات حُرّرت بالعربية وتنتقد بصورة معلنة المبادئ والأعمال التي تم تحقيقها في المنطقة، وتظهر فيها صور ورسوم تشخّص الحياة الدينية والإسلامية فيها. وهذه المطبوعات تقدم إلى الزعماء والتلاميذ والمعلمين في المدارس القرآنية يقرؤونها أو لا يعرفون قراءتها بينما يبيعون الصور والرسوم للسوريين والمغاربة.
وأمام هذه الحالة التي لا تبشر بالخير بالنسبة للاستعمار، أصدر هذا الأخير أمر مطاردة وملاحقة هؤلاء في كل مكان واستغلال كل الفرص للحد من نفوذ الشيوخ الذين لا يتقبلون سياسة فرنسا الإسلامية ولا سيما النخبة المستنيرة التي تتغذى فكريًا وثقافيًا بتلك المطبوعات. وهذه الدوريات من الصحف والمجلات والكتيبات الدينية المتنوعة هي في الغالب أخلاقية بعيدة عن العنف والثورة والتحدي، إذ توجد غالبًا عند التفتيش أنها تمجد دين محمد صلى الله عليه وسلم وتدعو إلى نموه وازدهاره بين الناس، ولكن سرعات ما يرى المحتل بأنها مليئة بدعايات ساسية مخربة تقوم بها باسم الدين لتتمكن من تزوير الخدمات الحضارية التي تتم في أفريقيا، ومن ثم أصدر الحاكم تعليماته إلى رؤساء مصالح البريد والجمارك في المستعمرات أن يشددوا الرقابة على كل المطبوعات المكتوبة بالعربية سواء أكانت قد أرسلت بالبريد أو بغيره، ثم تتلَف أو تحرق كل مطبوعة، جريدة أو مجلة أو كتاب يعادي النظام القائم أو تؤيد حركة الشيوخ، أو تروي عن حركات الإصلاح أو المقاومة في المشرق والمغرب العربيين، والموظف المشرف على منع دخول المطبوعات يكفي له لتعليل عمله بأن القانون الجاري به العمل يحرم تمامًا تداول الصحف الدورية والصور والرسوم، وفي أي قطر في أفريقيا الفرنسية ما عدا القرآن الكريم، وكتب الشروح والتفاسير، وكذلك كتب العبادات؛ على الأقل يدرك وليام بونتي أن ليس من الحكمة وحسن السياسة أن تمنع سلطة المستعمرات تداول هذه الكتب بعد ما أكدت أنها تحترم عادات الناس ومعتقداتهم الدينية: (نحن ملزمون رسميًا باحترام أراء وأفكار الرعية إذا كانت على طبيعتها الدينية) .
مجلة الأمة، العدد 49، المحرم 1405هـ
بقلم: نعمان حنيف
يسود اعتقاد ديني لدى الحركة الإسلامية المتطرفة بمشروعية دولة الخلافة على أنها قلعة لاستعادة القوة الإسلامية ووسيلة تتحدى بها تفرد الحضارة الغربية، وينذر بقدوم عاصفة في العالم الإسلامي وما وراءه، وقد تختلف الحركة الإسلامية بناءًا على مصادرها من القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي حول منهجيتها لإحياء الخلافة بالعمل الجهادي أو الإصلاحي أو السياسي، إلا أنها تجمع بكل أطيافها على هدف إعادة الخلافة.
وكان رد الفعل الغربي على الحركة الإسلامية هو ربط الخلافة بالجهاد العالمي وبتوسيع رقعة الحرب على الإرهاب، وأدى تطور لغة خطاب العواصم الغربية من"الإرهاب العام"إلى"الإرهاب الإسلامي"ومن ثم إلى"أيديولوجية الشر"وأخيرًا ضد"الخلافة"إلى الإقرار بما كانت الحركة الإسلامية تتبناه منذ فترة طويلة بأن الحرب على الإرهاب هي بالأساس حرب على الإسلام.
وكدليل آخر، فقد أفادت الحركة الإسلامية باستدلالها على موقفها من سلسلة من التصريحات الاستثنائية حول الخلافة من قبل القادة السياسيين في واشنطن وأوروبا. ففي خطاب له في مؤسسة هيرتيج في 06 أكتوبر/تشرين أول 2005م قال وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك:"...لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافة، ولا مجال للنقاش حول تطبيق أحكام الشريعة (الإسلامية) "، أما الرئيس بوش فقد صرح في خطاب له للأمة في 8 أكتوبر/تشرين أول 2005 قائلًا:"يعتقد المقاومون المسلحون إنهم باستيلائهم على بلد واحد سيقودون الشعوب الإسلامية ويمكنوهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة، ومن ثم إقامة إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من أسبانيا إلى إندونيسيا". وفي الخامس من ديسمبر/كانون أول 2005 قال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد في تعليق له حول مستقبل العراق في جامعة جون هوبكنز:"ستكون العراق بمثابة القاعدة للخلافة الإسلامية الجديدة التي ستمتد لتشمل الشرق الأوسط وتهدد الحكومات الشرعية في أوروبا وأفريقيا وآسيا، هذا هو مخططهم، لقد صرحوا (الحركة الإسلامية المتطرفة) بذلك، وسنقترف خطئًا مروعًا إذا فشلنا في أن نستمع ونتعلم".
والخلافة حسب تعريف الحركة السنية الإسلامية هي رئاسة عامة لكل المسلمين تهدف إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وحمل الرسالة الإسلامية إلى كل العالم، وهي وريثة الخلافة الإسلامية التي امتدت في يوم من الأيام من إندونيسيا إلى أسبانيا ولمدة ألف وأربعمائة عام، وهي ليست بالملكية ولا بالديموقراطية ولا بالدكتاتورية ولا بالحكومة الدينية (الكهنوتية) ، بل هي عقد قيادة بين الخليفة المنتخب والأمة من أجل تطبيق كافة الأحكام الإسلامية في السياسة الداخلية والخارجية.
إن الاختلاف بين الطائفة (المدرسة) السنية والشيعية هو أن طائفة السنة تقبل بإعادة الحكم الإسلامي على يد أي مسلم يتصف ببعض المواصفات المعينة بينما الشيعة تشترط على أن يكون الشخص الذي لديه السلطة لتطبيق الحكم الإسلامي منحدر من عائلة الرسول محمد. وبما أن سلالة الرسول قد توقفت بعد اختفاء أو اختباء الإمام الثاني عشر عام 941 ميلادي، هذا يعني أنه من المستحيل الشروع من جديد بتطبيق الحكم الإسلامي إلا بظهور هذا الإمام من جديد. ولهذا السبب، إن الثورة الإيرانية لم تعلن أبدًا أو لم تُقبل كخلافة من قبل أغلبية السنة والشيعة في العالم الإسلامي.
وفي هذا المقال، سأتطرق إلى موقف الغرب في تجنب خوض مواجهة مفتوحة مع الإسلام ومقاومتهم للحركة الشعبية المندفعة تجاه إحياء الخلافة وسأبرهن كيف أصبح من الصعب عليهم أن يحتفظوا بمثل هذا الموقف. إن الحركة الإسلامية تنتصر في كل معركة تخوضها في حرب الأفكار بفضل سلاحها وهو القرآن. إلا أن مؤازرة الإسلام المعتدل كجزء من الليبرالية الغربية في العالم الإسلامي آخذ في الانهيار نظرًا للسلطة العليا لعلامة الحركة الإسلامية.
لقد نجحت الحركة الإسلامية بتقديم نموذج أيديولوجي بديل لليبرالية العلمانية الغربية للجماهير المسلمة حيث يتفق هذا النموذج مع القرآن. ويشكل إحياء الخلافة ذروة هذا النموذج ووسيلة لتحدي البناء العالمي المسيطر عليه من قبل الغرب.
وفي النهاية، إذا قرر الغرب أن يتحدى هذا النموذج فسيضطر إلى شن المعركة ضد الإسلام والقرآن. ولا تعتبر هذه الحركة كتسريع مقصود لوقوع تصادم الحضارات بل هي بمثابة إقرار واضح على عدم الانسجام (التوافق) بين الإسلام والليبرالية الغربية.