فهرس الكتاب

الصفحة 1093 من 3028

ومن هذا المنطلق نشأت فكرة إقامة مدارس وتنظيم تعليم الأهالي حيث سجل سنة 1909م في المدارس الجديدة عشرة آلاف طفل، وهذه المدارس التي عرفت زيادة ونموًا وتنظيمًا عبر السنين من حسن إلى أحسن هي النواة الأولى للمدارس التي نعرفها اليوم، ويتخرج منها كبارُ رجال الدولة في أفريقيا قبل وبعد الاستقلال، غير أن المحتل معجب بإنجازه ولغته وثقافته حين جعل المتعلم أو المثقف الأفريقي بالثقافة الأوروبية سعيدًا ومميزًا بين أترابه، ويحتل مكانة رفيعة في الأسرة والمجتمع.. وبدون حياء كتب التقريرُ المذكور سلفًا: (يحب السود أن يتثقفوا أو يفهموا أمورًا كثيرة، وهم يريدون أن يتذوقوا الثقافة الفرنسية، وتبدو لغتنا عندهم ميزة من ميزات العزة والتقرب بنا، وعلامة من علامات التفوق، إذ لا يتعلم الأفريقي في مدارسنا إلا أمورًا مفيدة ومعلومات تخدمه في حياته اليومية. فالتاجر مثلًا يحتاج، لزيادة أرباحه وتنمية موارده، إلى مزيد من معلومات.. فيتعلم القراءة والكتابة والحساب والتاريخ، والإقبال الكبير لمدارسنا يفقر الإسلام ويسلخ منه الطابع العدائي العنيف الذي يتصف به إسلام عديد من السكان) .

وإلى جانب المدارس العمومية، اقترح الحاكم العام إنشاء مدارس في الأقاليم ذات الجماعات الإسلامية الكثيفة لإيجاد علاقات التفاهم، وضمان سرعة سيولة الأفكار الجديدة في الأوساط الشعبية التي تئن تحت وطأة وبطش حكام يعملون كل شيء لإعاقة حرية الممارسة الدينية وتؤيدهم في ذلك فئة من علماء الدين الذين لا يعرفون من الدين أكثر من قشوره وظواهره، ولكنها لا تريد أن تجاهد الاستعمار وتواجه بطش المستبد بالحديد والنار، علمًا منها أن الدين الإسلامي دعوة إلى التحرر من ربقة العبودية، وقد بلغت هذه العبودية ذروتها حينما تخدم المستعمر الدخيل الذي يذل الإنسان وينهب الخيرات والقيم. وكان معلمون أكفاء من الجزائر ومن أفريقيا يدرسون في هذه المدارس التي ليست أكثر من مدارس شعبية -علوم القرآن والحديث وكتب العبادات- وكان الطابع الليبرالي طاغيًا على برامجها التي تتضمن الفرنسية أيضًا، ولكن سرعان ما انتقدت الإدارة الفرنسية النتائج التي توصلت إليها هذه المؤسسات من الناحية البيداغوجية ولم تنجح في جعل شعوب المستعمرات، تفهم الإسلام في إطار ا لفكر الغربي، ويقف موقف المتقبل لاتجاهات هذه المدارس الأساسية، وأدى كل ذلك إلى إدخال تعديلات في قانونها الداخلي وفي مواد ومنهج التعليم.

ومهما قيل، فإن التوسع المتزايد للثقافة الفرنسية في أفريقيا تحت وطأة الهيمنة الفرنسية كان على حساب الثقافة العربية الشديدة الانتشار والازدهار في المدارس القرآنية الكثيرة وفي المساجد؛ وكان الحاكم يشن حملات شعواء عنيفة ليس فقط ضد اللغة العربية.. ولكنه أيضًا ضد اللهجات الأفريقية، ووصف السكان بالسفاهة والخمول وفقدان الذاكرة؛ وأخطأ في مقارنته بين اللغات الغربية وفي طليعتها الفرنسية واللغات الشرقية وعلى رأسها العربية حين قال: (.. ليقرأ الأفريقي نصًا من القرآن الكريم قراءة صحيحة يلزمه على الأقل عشرون سنة من العمل المستمر، وثلاثون سنة من الجهد والدراسة لفهم النصوص وتحليلها تحليلًا سليمًا، ثم إن التعليم الذي يقوم به زعماء الدين والدعاة ليس له أي فائدة عملية في حياة الطالب لأ،ه يتوجه رأسًا إلى العقول. بخلاف الفرنسية التي تعطي الأفريقي إمكانات واسعة للمحادثة والنقد والنطق بها إذ يكفي ستة أشهر ليكون الفرد قادرًا على التعبير وتفهم مقاصده) .

ولهذا منع الاستعمار الأهالي أن يتعلموا لغة أجنبية"اللغة العربية"ليست لها فائدة حياتية، لا سيما وأنه يجهلها تمامًا ولا يعرف مضامينها، وتشكل خطرًا كبيرًا، وعائقًا دون تحقيق سياسة الغزو الثقافي الذي يعتبر من الحركات الأساسية للاحتلال والاستعمار، بينما وضع الشعب ستارًا بينه وبين الرسالة التي رأى المحتل أن أداءها واجب مقدس، وهي بث أفكار ونظريات تضيق خناق الإسلام وتجعله منعزلًا عن التيارات الأساسية الإسلامية. وهكذا كان المستعمر جادًا في محاربته العربية بمحاربة الإسلام، وكان يعلم علم اليقين أنهما متلازمان تلازمًا يكاد يكون عضويًا، ولهما وجود عملي في المحاكم الإسلامية والإدارة العامة، ويكفي لإثبات أن الإدارة الفرنسية في المستعمرات الأفريقية كانت شديدة المعاملة مع المسلمين، وعنيفة اللهجة مع الرعية بصورة لا يمكن أن يوجد لها سبب ظاهر في مستوى المستعمرات إذ في نظر المستعمر يحمل الشيوخُ أفكارًا ثورية وإصلاحية ليست أفريقيّة بقدر ما هي شرقية إسلامية، جاءت إليهم عن طريق الصحراء من المغرب ا لأقصى والمشرق، وكلمة الرابطة الإسلامية التي وصلت إلى القارة عن طريق المستعمر تدل على أنه كان يحلل ويفسر رفض الأهالي الأخذ بثقافته ولغته ودينه وخدماته بما كان يقوم به أشقاؤهم في العالم الإسلامي الذي بسطت فرنسا إليه نفوذها، وربط نشاط الجماعات الإسلامية الرافضة كل الخيرات التي يقدمها إليها بالنشاطات التي كانت تقوم بها جمعيات تأسست في العالم العربي مشرقه ومغربه، مثل جمعية تونس التي أسسها الثعالبي سنة 1907م، والجمعية القحطانية 1909م، والمنتدى الأدبي 1909م، والجمعية العربية الفتاة التي قامت في المشرق سنة 1911م.

ومن جهة أخرى فالرسالة التي وجهها الحاكم العام وليام بوتي في 18 سبتمبر/أيلول 1911م إلى الحاكم في السنغال والسنغالي العالي، ونيجر، وإلى الوكيل العام ورئيس مصلحة القضاء في المستعمرات في شأن توقيف استعمال العربية في تحرير الأحكام القضائية في المحاكم الشرعية تصور ما كان في نفوس الدخلاء من أنفة ونفور وبغض، ولم يتصور الاستعمار يومًا ما أن تعيش هذه اللغة التي وجدها عند الأفارقة إلى جانب لغة هاجرت معهم من الغرب الأوروبي جديدة تبحث عن زبائن فيما سُمّي فيما بعد بالعالم الثالث أو بلاد ما وراء البحر؛ وفي بيان بتاريخ الرابع من شهر مايو/أيار للسنة نفسها، كتب وليام بونتي بخصوص اللغة العربية في المحاكم: (يجب حظر استعمال اللغة العربية ليس فقط في تحرير الأحكام القضائية، ولكن يلزم أيضًا الوقوف عن العمل بها في سائر النشاطات الإدارية التي تنفع الأهالي) ، ودوّن البيان عيوب العربية ونقائصها وعجزها عن مواكبة التقدم الذي يحرزه القضاء يوميًا. وكان القضاء الإسلامي في المدن الكبيرة: في سان لويس، وروفيسك، وغاي مستقلًا استقلالًا ذاتيًا ولغته الرسمية هي العربية، وكان المنع يستهدف أساسًا محاكم المدن الثلاث السابقة الذكر. ولكن بونتي الذي يخشى من مغبة الإدارة الفرنسية المحاكم الشرعية، إذ العربية حافظت باستقلالها، قال مرة أخرى في البيان نفسه بأن العربية الإسلامية، على الرغم من اختصاصيتها، يجب أن تبقى داخل المجموعة وخاضعة للتطور العام الذي تخضع له المستعمرات بجميع مؤسساتها، وينبغي أن تكون في مستوى القضاء الفرنسي نفسه في أفريقيا، وعلى درجة من التنسيق يلبي الحاجات الجديدة؛ والبيان واضح في قوله: (إن إحلال الفرنسية مكان العربية في الوقت الراهن ضرورة أكيدة لأن المؤسسات القضائية الإسلامية يلزم أن تستفيد بالمكاسب والتجارب حتى يتسنى لها مواجهة المهام الجديدة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت