فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 3028

وبالنسبة للنقطة الأولى كتب المشرف العام على سياسة المستعمرات يطلب توضيحات عن الاضطرابات المتكررة التي تحدث من حين لآخر في أماكن متفرقة لا يسيطر عليها تمامًا، ويخبر الدوائر المعينة بأن الأمر يشغل باله ويأخذ منه التفكير فيه والاهتمام به أوقاتًا؛ وألح على ضرورة القضاء عليها في مهدها، إذ الغاية منها هي القضاء على الوجود الفرنسي والحضارة الأوروبية. والرسالة صريحة في قولها: (وهذه الفوضى التي تندلع في الأحياء العامرة بالمسلمين تظهر غالبًا بعد مرور دعاة أو علماء يدّعون أنهم حملة رسالة الإسلام، ويقطعون بها الفيافي التي تفصل بين القرى مع وعرة المسالك، ويدعون إلى الثورة، التي تفني الكفار والزنادقة، وتكون حتمًا نهاية السيطرة والاستعمار والغزو الأوروبي، ليحل محلها جند مسلمون يأتون من شمالي أفريقيا! وواجب كل حاكم مقيم إذن، أن يشرح للسكان تحت إشرافه الإداري مع احترام معتقداتهم بأن مهمته حمايتهم ضد الصعاليك الذين يفتكون بهم باسم الثقافة العربية والدين الإسلامي كما يغرّونهم في أغراض الدين) .

وهكذا، أصدر الحاكم العام أمرًا يقضي:

أولًا - بالقبض على أي داعية أو عالم أجنبي في إقليم يقوم فيه بدون سابق إذن بالوعظ والحديث الديني.

ثانيًا - وجوب حبسه بعد القبض عليه حتى نتبين أنه ليس من الزعماء الدينيين الذي يثيرون الفتن ويعكرون الصفو والأمن العام.

ثالثًا - رفع تقرير إلى الحاكم بعد كل ذلك للنظر ما إذا كان ممكنًا أن يفرج عنه ليستمر في رحلته أو يوقف نهائيًا، ومهما يكن من أمر، فإن العالم ثائرًا أو هادئًا في حله وترحاله ملزم أن يصحب أوراقه المدنية، كبطاقة الشخصية، وبطاقة التعريف، وشهادة الميلاد، وكثيرًا ما تكون معرفة الطريقة والمذهب والعائلة التي ينتمي إليها مهمة عند الكشف والتفتيش.

وقد تلا الرسالة التي ذكرناها منشور هام تضمن أوصافًا عامة عن الإسلام في أفريقيا - حرر سنة 1911م.

ويعتبر هذا المنشور بمثابة رد لها، ولكن وردت فيه أكثر العبارات طعنًا وعداءً على الدين وعلى عقل الإنسان الأفريقي كما يدعي المستعمر إسلام خاص بها، ومن تحصيل حاصل.. القول بأن الإسلام في المشرق والمغرب وأوروبا وأمريكا هو نفسه في القارة الأفريقية، وهو فيها ليس مرادفًا للعادات والتقاليد والوثنية والسحر والخرافات. ومن المؤسف أن ينظر عديد من المسلمين إلى الدين من منظار الغرب الأوروبي الذي لم يتصرف قادته على حقسقة أفريقيا أو ينفذوا إلى أسرارها طيلة قرون.

محاربة العلماء بالشائعات..

ولكن السلطة التي صرحت أنها لا تؤيد أو تحارب الإسلام رأت من واجبها منع مَن وصفتهم بالخونه من الأئمة من استخدام الدين لإشباع الأطماع الشخصية على حساب القبائل التي تتمسك به ولا تعرف عنه الكثير، وتعتقد رجاله رسلًا يملكون أسرار ما وراء الطبيعة، ويعومون في الأجواء متحكمين بالأرواح الخيرة والشريرة. وتبع هذا الوصف الكاريكاتوري لأهل الدين اكتشاف طريقة تحول دون ازدهار الإسلام، وتتمثل في فرض كل أنواع الرقابة التي هي إحدى ركائز سياسة فرنسا في البلاد الإسلامية، وفي استغلال الاختلاف والتمايز الذي يوجد بين القبائل المسلمة من ناحية اللهجات فرصة لإحداث فجوة في صفها، وخلق حالات تلهيها عن التفكير في ضرورة التضامن والتآزر للدفاع عن عقيدة واحدة ودين واحد؛ ولكن الخطاأ كله في الاعتقاد بأن الاختلاف في الألسن والعادات بين الشعوب كان في يوم من الأيام سببًا في اختلاف جوهري لأهل دين واحد. والقول الذي أذاعه المستعمر الذي هو بقدر ما تتعدد الخلافات بين القبائل الأفريقية بقدر ما تختلف نظرتها إلى دينها لا يستند إلى منطق سليم، لأن ذلك إثبات بأن القرآن الكريم والصلاة وصوم رمضان وحج اليبي.. ليست هي في سائر أقطار العالم الإسلامي.

وأكثر من ذلك أعطت السلطة لكل قبيلة طريقة هي دينها، فقبيلة البولار تتمسك بالطريقة التيجانية، وهذه الطريقة كان عليها الشيخ عمر الفوتي أول من حاول أن يسد الطريق في وجه المحتل: وسكان فوتاجالون من الفولانيين كانوا أيضًا في هذه الطريقة التي تراها فرنسا دينًا. وقبائل وولوف تلتف حول النظرية الصوفية للشيخ أحمد بامبا مؤسس الطريقة الموربدية.

وقد طاردت الإدراة الفرنسية الأئمة حين استاؤوا واستنكروا تدخلها في شؤون دينهم، واعتبرتهم عملاء يروجون الأخبار الخاطئة ويوهمون الناس أن على عاتقهم مسؤولية تبليغ رسالة الإسلام التي جاءت من المشرق..

والتقرير العام عن سياسة فرنسا في أفريقيا الإسلامية صنف الجماعات الإسلامية بين من تعادي الاحتلال الأوروبي وتثور ضده في كل مكان وبأي وسيلة، وتجاهد من أجل أن تعيش حياتها الإسلامية في حرية، وإلى من تتعاطف معه في تحقيق أغراضه التوسعية؛ ويبدو أن بعض الأئمة الذين كانت لهم مناطق النفوذ والتأثير السياسي والديني ترك القيادة السياسية للنفوذ الفرنسي، ومن هؤلاء الشيخ سيدي الموريتاني، والشيخ سعدا ببه، وإذا كان لهذه الأسر الدينية الفضل في نشر الإسلام في ربوع موريتانيا، فإنها كانت أيضًا عمدة ومناصرة توسع فرنسا في الصحراء شمالي تشاد.

ولا غرابة بعد ذلك أن تلاحظ الإدراة الفرنسية بأن"الوقت ليس للتطاحن وإشعال نار الفتنة بيننا وبين زعماء الإسلام.. بالعكس يتطلب الوقت إعداد إجراءات تفرض علينا احترام الشخصيات الدينية وتفادي مصالحها واحترام عقيدة الشعوب، وبذلك نستطيع أن نحوّل السلطة الدينية إلى سلطة أخلاقية مطيعة تخدم أفكارنا ومثلنا."

الدمج الثقافي..

والجدير بالذكر، أن هذه السلطة الأخلاقية بدأت تتبلور وتتنسق مع التعليم العمومي الذي دخل في مرحلته الأولى في مجموعات إسلامية.. والاستعمار منع عقب ذلك أي عمل جماعي تقوم به الطوائف الدينية ضد المؤسسات الأوروبية. ولم يكتفِ الحاكم بهذا العمل المنهجي الحافل بالنتائج بل أرسى سياسة جديدة أبقى أثرًا في الإنسان ومحيطه، وهي سياسة الدمج الثقافي وغزو المسلم الأفريقي حتى يدرك الأشياء فرنسيًا، ويتحسس ويقيس الأمور أوروبيًا، وهذه غاية المرام، لأن المستعمر يعتبر نفسه حاملًا رسالة الحضارة الغربية في هذه الديار، وعليه يجب أن يلين ويتلطف حتى يقيم علاقات وثيقة مع الأهالي، ويدخل فيهم بوسائل تمتعهم بالعقلية الفرنسية، والمدرسة وحدها هي الطريقة المثلى الكفيلة بتلقين ونقل الحضارة إليهم وترسيخ الأفكار والمبادئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت