فهرس الكتاب

الصفحة 1633 من 3028

صحيح أن عوائق في مثل عناد الصخور تحول بيننا وبين استشراف المستقبل منها الاقتصادي فالبحث عن اللقمة مقدم على التفكير فيما بعدها. والمعد الجائعة قوارب الشيطان همها في اليومي والمباشر. ومنها الديني الاجتماعي فالشطحات الدينية الساذجة تجعل الغد قدرًا إلهيا لا يتغير. وتجعل همها في حجر العقل واتباع النص التراثي. ومنها السياسي وهو الأخطر و"عقدة"النجار! فالجموع مكبوتة بالدكتاتوريات الصريحة والمقنعة. النظم تضع في فمها ما تريد أن تقول، تصرخ عنها، تغني باسمها تفكر عنها وهمها في البقاء اليوم لا في ما يكون في الغد. فالديمقراطية حوار بين طرشان، والحرية أقفاص ملونة للكروان والكناري. ولسان الجماهير قطعة من حلوقها المغلقة. والذين يخلقون في القاع صاروا يخلقون خرسا عميا بكما، وإن كانت لهم أبصار منطفئة. الطبقة والتي يسمونها الوسطى والتى تشيل المجتمع تمزقت شرائح بالطول والعرض. فهي من جهة فئات وطوائف ومن جهة أخرى جموع هوت إلى القاع ووحل القاع. من فوقها جماعات تعيش كالعلق المنتفخ على امتصاص الدماء!

لكن... أيكون هذا كله عذرا لنسيان المستقبل؟ وبخاصة هذا المستقبل الهدار الآتي اليوم؟ لسنا كلنا في بلد العميان الذين لا يبصرون. ولا كلنا بالصم البكم في سرب يعمهون. وليس من الضروري أن تكون الكتلة البشرية كلها علي درجة واحدة من الوعي بالمستقبل المهم أن تكون الطلائع هي الواعية بوضوح أين المسير؟

لكن الجماهير بدورها، بوصفها كتلة ثقيلة، بطيئة التفاعل والتجاوب يجب أن تكون متشبعة بالغد. متطلعة إليه. لا بد أن يتغلغل المستقبل الجماعي فيها ويصبح أحد همومها وأحد دوافعها للحركة والفاعلية، الجماعة لا يقوم بها أفراد ولا أبطال ولا"سوبرمان"إنما يقوم بها تفاعل جماهيرها على المحاور كلها من اجتماعية ودينية وعلمية وفنية وسياسية وثقافية، عبر الزمن. فالمستقبل ليس صورة ترسم ولا"هرقل"يقارب بحرين ويباعد برين، لكنه صيرورة دائمة التغير والتطور والتنوع والتفجر، وعمل ضمن هذه الصيرورة لا ينقطع. النيام وحدهم هم الذين يفقدون الرهان لأنهم لا يكونون قبله قد فقدوا المستقبل فقط ولكن فقدوا أنفسهم! والمشكلة الكبرى في اعتقادي أن الأكثرية الصامتة بجميع تلويناتها وبما يتسرب إليها من افكار المجموعتين المتطرفتين وبما تعرف هي نفسها من حتميات الوجود ما ادركها بعد وعي المستقبل. وإنه غير موجود في معجمها اليومي وتحسب أنه آت دون جهد، ودون أن يدفع أحد الثمن! في الوقت الذي يقبل علينا فيه"غد"مختلف نوعيًا عن كل أمس سلف، ويقبل علينا بسرعة صاروخية، ونحن عيون جامدة حجرية تنظر. كأنه قد حذف من قاموس الناس، لا وجود قريبا له أو كأنه لبس"طاقية الإخفاء"فهو شبح غير مرئي.

قبل مائة سنة كان المستقبل بعيدا عنا مائة مرة. لا نستطيع أو لسنا في حاجة إلى تلمسه إلا في تصورات كالرؤى. أما اليوم فهات أجنحتك يا زعازع الجن والحقي بالآفاق. الكومبيوتر من جهة، وسائل الاتصال وقواها الساحقة وتدفقها الوحيد الاتجاه من جهة أخرى الهندسة الوراثية من جهة ثالثة، الذرة وبدائل الطاقة من باب رابع، المعلوماتية والسيبرناتيك من باب الأبواب.. وغيرها دفعت العالم ركضا في الغد المختلف قبل أن يصل الغد.. المستقبل يفرض نفسه على الحاضر ويسيره. ويسد الآفاق من ورائنا ويفتح ألف أفق في الآتي. تصوراته تنزل الأسواق بألف صيغة وألف شكل ولعل الأهم من ذلك كله، وقبل ذلك كله، ما سوف يتبعه من تغير جذري في العلاقات الانسانية والدولية وفي اخلاقيات الانسان.

إن إنسانًا جديدًا يخلق تحت أعيننا ونحن لا ندري! انتقل الإنسان بين فجر وضحاه من المشي على الأرجل إلى الطيران بالصواريخ والأقمار. السنوات العشرون الأخيرة - ولسنا ندري ما سيكون بعدها - ألقت بالبشر في الفضاء الأوسع حتى ما عدنا نعرف ملامحنا. دوار السرعة الرهيب يلفنا كالدوامة حتى نكاد نفقد حاسة الاتجاه. مات الهدوء. مات التغير البطيء. مات ما يسمى بالتطور. العواصف الانقلابية تتوالى فيما نكاد ننظر ألغاز السابق منها حتى تبدو أشرار اللاحق منها، وتبرز قرون الذي يلحقه... هذا والوطن العربي منطقة رخوة من الناحية الجيوبوليتيكية، مختزنة بعمق وموضوعة على جدول أعمال النهب والسلب الدولي والاقليمي. وكل يطمع بها حسب قوته وفرصته وإمكانه. والذين يتصدون لرسم المستقبل سواء من (أصوليين) أو من المتغربين كالقطط العمي، والنظم كقطع الاسمنت المسلح لا يكاد ألف إزميل ينقش عليها كلمة... فما العمل في هذه الحلقة المفرغة؟ القضية الخطيرة هي أننا على عتبة انقلاب في البشرية لم تعرفه أبدًا من قبل ولا ندرك في أكثريتنا الصامتة أننا على شفا هذه العتبة. وان الهوة تحتها هوة دون قرار!

أمثولة أخيرة

كنت أتحدث مع صاحب من أصحابي ببعض هذا الحديث فقال:

أنت دومًا شيخ التشاؤم.. ترى عيون البوم المدورة في الليل البهيم فلا تستطيع انتظار الصباح، ثم روى لي القصة التالية قال:

-زعموا أن ساحرا أتعبه حمل الماء من البئر البعيدة كل يوم إلى أسرته فابتدع عصا سحرية تقوم بحمل الدلاء، يأمرها بكلمة سرية فتأتيه بالماء حتى إذا اكتفى نطق بكلمة سرية أخرى فتوقفت عن الحركة. وسمعه ابنه ذات يوم ينطق بسر حمل الماء فأعجبه الأمر وانتهز فرصة غياب أبيه فأمر العصا فأخذت تحمل الماء للبيت. ولم يكن يعرف كلمة التوقف فظلت العصا تذهب وتجئ بالماء ساعات وساعات حتى فاض البيت بالماء الذي أغرق كل شيء. ولم يجد الابن سوى أن يكسر العصا ليتخلص منها فصارت عصوين يجلبان الماء... حين عاد الساحر وجد البيت غارقا وابنه طافيا فوق الماء...

وعلق صاحبي على ذلك بقوله:

انك لم تدخل في حسابك قصة"الغرق"قصة الانتحار الذاتي، قصة أن تقضي هذه الصورة التقنية على ذاتها برحمتها نفسها. لو فعلت لانطفأت عيون"البوم"وهدأت!

ترى من منا المصيب؟

مجلة العربي 435

د . مصطفى حسين

شهدت بعض البلدان العربية في الآونة الأخيرة انتشارًا واسعًا لما يسمّى: (مدارس اللغات) ، وهي نمطٌ من المدارس يُعنى بتدريس اللغات الأجنبية بشكل مكثّف منذ مرحلة (رياض الأطفال) إلى نهاية المرحلة الثانوية ، ولا تكتفي هذه المدارس بلغةٍ أوروبيةٍ واحدة ، بل تدرّس لغتين اثنتين ، إحداهما هي اللغة الأوروبية الأولى ، وتبدأ من مرحلة (رياض الأطفال) ، والثانية هي اللغة الأوروبية الثانية ، وتبدأ في مرحلة متأخرة نسبيًا . ويتم في هذه المدارس تدريس موادّ العلوم والرياضيات باللغة الأوروبية الأولى إلى جانب مقرّر مكثّف لهذه اللغة ، ومقرّر أقل كثافة للغة الأوروبية الثانية ، يظل مرافقًا للتلميذ إلى نهاية المرحلة الثانوية .

وبطبيعة الحال يتم تدريس مقرري اللغة العربية والدين ، والموادّ الاجتماعية (وهذه تدرس باللغة العربية) ، بالمستوى السائد في المدارس العربية . وهذا النهج الدراسي يعتبر نمطًا خطيرًا من (ازدواجية التعليم) يذكرنا بما صنعه (دنلوب) الوزير البريطاني خلال العشرينيات الميلادية من هذا القرن في مصر خلال حقبة الاحتلال البريطاني .

ومن الملاحظ أن هذا النمط من المدارس ينتشر ويتزايد إلى حدّ التفاقم ، ويتزايد الإقبال عليه ، حتى وصل الأمر إلى تحويل بعض المدارس الحكومية إلى مدارس للغات . وعلى حين كانت مدارس اللغات مقصورة إلى عهدٍ قريب على أبناء الأثرياء القادرين ، فقد بدأت تشهد إقبالًا متزايدًا من جانب محدودي الدخل ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت