فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 3028

وجاءت فترة من قبل وما بعد الحرب العالمية الأولى وشغلنا بقضية التحرير. اندمج التحرير مع النهضة. صار الاستعمار جرحًا على النهضة، عدوانًا على المستقبل. فشغلنا بحرب المستعمر. أضحى التحرر السياسي هو المستقبل والغاية. من المؤكد أن أحدًا لم يفكر بما بعده إلا بقضية واحدة اعتبرناها (تحصيل حاصل) هي: الوحدة العربية. ووضعنا لها"سيناريو"رومانتيكيا كالحلم الذهبى، ليس بأقل وهما من صورة النهضة. بسذاجة منقطعة النظير كنا نتحدث عنها حديث الأطفال عن لعبة ينتظرونها من"بابا نويل"! لم نفكر ولم نقم وزنا لما يدور في الدنيا من مؤامرات، لدجل السياسيين واحدا بعد الآخر، لما قد نصطدم به من الصخور والمفاوز والمهاوي. ولا لأنانيات الحكام ولا لمصالح الاقتصاديين المتضاربة ولا لتباين المستويات الثقافية. حتى يوم نبتت الجامعة العربية اعتبرناها خطوة سوف تتبعها خطوات. الأحزاب السياسية التي قامت، في المشرق خاصة، كانت تبث في برامجها هذا التفكير المغرور، كلها دون استثناء لم تكن تعتبر الغد أمرا يستحق التفكير، ما خطا واحد منها خطوة إلى الغد أو رسم تصورًا له. حسبوه ساحرًا سيحل العقد جميعًا بلمسة من عصاه.

بعد الحرب العالمية الثانية وبعد أن سفح العالم خمسًا وخمسين مليون ضحية على الأرض، نسي الناس كلمة"النهضة". كانت قد استهلكت وفقدت مصداقيتها. وتفتحت الأعين على واقع جديد. في هذا الواقع تحررنا في سنوات من المستعمر. ركضنا وراء الوطنيين والقوميين نحمل حكوماتهم على الأكتاف. بلعنا ما سقونا من الشعارات باسم فلسطين (وكلهم خدعونا باسم فلسطين) ركبوا ظهورنا وساقونا جموعا عمياء. بل كنا نتقبل منهم الفواجع: كارثة سنة 1948 ثم كارثة سنة 1956 ثم كارثة سنة 1967 وما تبعها من مسرحية لاءات الخرطوم الثلاث، وأوجدنا لهم معهم أسماء أخرى.

ولكي تتم خدعة الناس اختطفوا من السوق السياسي كلمات ترضي الطلائع المثقفة. القادة وأنصاف القادة وجمهور المصفقين طرحوا للتداول كلمات مطلية بلون الذهب. أضافوا إلى شعار الوحدة شعارين براقين: الحرية والاشتراكية. صار الشعار ثلاثيا. وتوالت علينا الانقلابات باسم هذه الشعارات يرقصونها كخيال الظل (قره كوز) أمام الأعين ويغنون لها. ونحن نضرب الطبول! وبلغ بنا الغباء درجة الجدل في أي الشعارات الثلاثة نحقق قبل الأخر كأن المستقبل ينتظر فقط هذا القرار!

لم نتبين إلا متأخرين جدًا في الثمانينيات، أن الوحدة المعبودة وئدت منذ زمن وأن دون بعثها الأهوال وخرط القتاد. وأن الحرية التي بها ينادون هي حرية الحكام وحدهم في أن يتاجروا بنا وبالمستقبل. وذبحت هذه الحرية تارة باسم الثورة وتارة أخرى باسم حماية الثورة وتارة باسم الرجعية وأخرى باسم الخلاص من الرجعية. أما الاشتراكية فكانت أكثر الشعارات غواية لأنها أكثرها غموضًا؟ كانت فاكهتنا المفضلة خلال أربعة عقود على الأقل أضحت شعار الفكر التقدمي. نتلمظ بالحديث عنها، وما قرأ أحد وبخاصة من الحكام أو من أطافوا بهم تهجية الأحرف الأولى منها. خبط عشواء كان الناس يخبطون فيها. حسبناها مجرد نهب بعضنا لبعض باسم"التأميم"، باسم المحرومين. باسم العدالة الاجتماعية. كان المستقبل الزاهر هو تحقيق الاشتراكية. ولكن ما هي الاشتراكية؟ وكيف تتحقق تركنا ذلك للغد الآتي!

وأخيرا، بعد أن أفلست الاشتراكية بانهيار ممثليها برزت في السوق كلمة"التنمية"و"مشاريع التنمية"و"التنمية الشاملة"، صارت تعبيرًا عن ضرورة تغيير المستقبل"الروتيني، ولكنها منذ وجدت في دول العالم الثالث (ومنها الدول العربية) أخذت فورًا المعنى والطابع والطرق الاقتصادية. فالمال عصب الحياة، ولا صوت يعلو على صوت الخبز والمعدة الجائعة. كان المثل الروماني القديم يقول: من يدفع المال يختار اللحن. وقد لعب المال الامريكي لعبته في مشروع مارشال في أوربا، ولعب البنك الدولي لعبته في العالم الثالث، ولعب القمح دوره في إخضاع النظم المتمردة على أمريكا حتى في الاتحاد السوفييتي. وكان العائد من مشاريع التنمية، في البلاد التي قامت فيها هذه المشاريع صفرًا أو دون الصفر والعائد على الدولة (أو الدول) الممولة هو أضعاف ما دفعت، وانكشفت اللعبة عن فشل ذريع! فشلت التنمية القائمة على رجل واحدة: الاقتصاد. فالانسان ليس معدة فقط. وما بالخبز وحده يحيا الانسان وبدأ البحث عن علة الفشل في الوقت الذي ازداد فيه القلق المصيري حول الانسان. وانقلب الأمر فبدلا من أن يبحث الإنسان عن خبز يومه صار يبحث عن المستقبل، عن المصير، عن مستقبل أولاده. مع تطورات العالم العلمية والاجتماعية والاقتصادية، جعل الغد يحتل الساحة وصار الحديث عنه نوعا عن الأدب المستقبلي. يقرأ بقلق. ويقرأ بلهفة أكثر مما يقرأ التاريخ الماضي."

الأصولية تستشري

والسؤال الآن: لإلى أي درجة نفذ الوعي المستقبلي إلى صفوف الجماهير العربية؟ أو بعبارة أصح ماذا بعد أن سقط الشعار المثلث: الوحدة والحرية والاشتراكية وسقط معه الشعار الأجير: التنمية؟ ووقع الناس في بحران الضياع؟

هذه الكتلة"الثقافية" (ولا نستطيع أن نسميها أكثر من ذلك) التي تشكل سكان الوطن العربي تقف الآن مرغمة، مكتفة الأيدي أمام المستقبل المباشر وجهًا لوجه. فإلى أين المسير؟ تطورات العالم تدفعها دفعًا عنيفًا نحو الغد فكيف ردود فعلها؟ إنها ليست كتلة ثقافية منسجمة. وقد يحلو للغربيين ومن يماشون الموجة أن يروها ثنائية الطبيعة وذات قوام انشطاري: فشطر أصولي رجعي المنظور والمرجعية، فتحت عيونها في رأسها من الخلف فلا ترى المستقبل إلا من خلال العودة إلى الأصول الأولى للدين والماضي. وشطر يرى بالعكس أن المستقبل هو في تبني"الغد"العربي (وإن لم تكن لنا وسائل إدراكه) . وإذا حرص الأولون على قتل الغرب، فالآخرون يحرصون على قتل التراث.

وبديهي أن"الأصولية"تستشري كطريقة من رد الفعل على الهيمنة الغربية وقد تصل بها الحماسة والتعصب حد الإرهاب والقتل، وأن المتغربين يحاربونها باسم رفض الرجعية وباسم الانتصار للغد وقد تصل بهم النقمة حد التحلل من التراث، والتنكر للذات القومية والذوبان في"الآخر"والواقع أن الطرفين يدعيان صياغة المستقبل. أحدهما باللحية والثوب القصير والثاني بالقبعة والبنطال!

والمشكلة هنا هي في البحث عن"صوت"هذه الكتلة الكبرى الصامتة. وعن مدى قلقها على المستقبل. وقبل القلق عن مدى وعيها له وإدراكها لأهميته. بلى! أعرف أن هذه"الكتلة"ليست واحدة منسجمة وأنها على درجات متفاوتة من وعي المنظومة الفكرية ومن سعة المعارف وضيقها ومن تنوع الخبرات والمشاعر والمعتقدات ومن التفاعل مع عالم المادة والطبيعة والبشر. وأعرف إلى هذا أن الانسان هو الذي يصنع ثوابته الفكرية ومكوناتها كما يصنع المتغيرات في صيرورة دائمة الحركة والتكون. ومن خلال عملية التراكم عبر العصور. ونتيجة لذلك لا يتكون وعي المستقبل بين يوم وليلة. ولكني أعرف إلى هذا كله أن صدمة المستقبل قريبة جدا وأنها، في معطيات العمر الذي نعيش لن تكون مجرد صدمة. إنها عملية انسحاق! لم يعد المستقبل البشري امتدادا لا نهائيا كما كان من قبل، هين التحولات، ولكنه غد الجبروت الفكري، وبنوك المعلومات. غد الانسان الذي يتحدى نفسه. وليس أمامنا من مهلة أبدًا.

عوائق استشراف المستقبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت