في شبابنا ونحن أغرار كنا نتصور هذه الجماهير كتلة واحدة متماسكة. نؤمن أنها جسد واحد إذا شكا منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمية والدواء. كان قتيل في المغرب يهز المظاهرات في المشرق كله. وكان يخيل إلينا أن المستقبل ينادينا على حصان أبيض مجنح وهو يرقص للقادمين. ما بيننا وبينه إلا طرد المستعمر. على أننا كلما ركض بنا العمر كنا نصاب بإحباط بعد إحباط، ولا يزيدنا المزيفون من الحكام إلا انهيارا. نحن منذ أواسط الأربعينيات نعيش عصر الإحباط والهزائم. مقابل كل خطوة إلى الأمام ننزلق خطوتين إلى الوراء، أما المستقبل الراقص فهو يبتعد ثم يبتعد كرؤى المهووسين... ونحن في انتظار (غودو) الذي يأتي ولا يأتي! العملاق العربي ظل يتقزم أمام أعيننا وتتخلق فيه، في الجسد الواحد، أجساد لها رءوس وأذناب وأسنان تعض الأجساد الشقيقة ومصالح وأعلام وأناشيد"قومية"وعداوات حقدية وحروب. تركنا الاستعمار مزقًا وراء حدود رسمها بالقلم والمسطرة حسب مصالحه ما اشترك فيها عربي واحد. أما الحلم القديم فهرب كالأشرعة المسحورة وراء الآفاق. وفتحنا الأعين على ألف غول تغتال آمالنا الساذجة، وانبسطت بيننا وبين المستقبل المنشود البحار السبعة. أدركنا أننا لسنا أكثر من أطفال يحلمون بقطعة من القمر!
فهل أضحينا دون مستقبل؟ هل سقط وعينا له مع من"سقط على دروب النضال"؟ أضاع على الطريق؟ في هذا البحران السياسي الذي نعيش فيه الضياع المطلق، ومع ازدياد الجشع الخارجي والعمى الداخلي الاقليمي صرنا نصدق أننا لسنا كتلة اجتماعية متماسكة ولكن جموع كتل مهلهلة، ولا كتلة سياسية ولكن تجاور أقطار، ولا كتلة اقتصادية ولكن خليطًا من نظم يرجع إلى العهد العثماني. ولولا اللغة العربية والإسلام لما أمكن الحديث عن وجود منطقة ثقافية على الحوض الجنوبي والشرقي للبحر المتوسط. ومع ذلك فالغزو الثقافي الغريب يهز هذه المنطقة هزا. وتعلكنا في الوقت نفسه تيارات من الدجل السياسي ومن تضارب القيم الاجتماعية ومن الاقتصاد السكوني يتفاعل بعضها مع بعض على بعدي الزمان والمكان فليس تدري هذه الكتلة الصامتة من الجماهير العربية أين رأسها من القدمين؟ لكنها ترى أمراضها تستشري وتفتك. البطالة حتى للمتعلمين تتضخم في حين تقوم انتفاخات من الثروة لا تصدق في بعض المناطق ولدى بعض الطبقات والأفراد. وترى قاع الفقر يهبط باستمرار لدرجة الجوع ويزيده الاستهلاك العبثي ضيقًا وعمقًا في حين تغرق الثروات العربية في بحار الآخرين. وترى انسحاق الإنسان العربي بالنظم"التوتاليتارية"المتنوعة. وبالارهاب المنظم والانبطاح للأجنبي في حين تزيف حقوقه أمام عينيه وتقتل كرامته. وترى ازدياد الجهل والأمية وتأخر التعليم في الكم والكيف.
في القديم وحتى مطالع القرن الماضي لم يكن أحد منا يفكر في الغد. القضية محسومة. الغد هو الآخرة ويوم القيامة والحساب يوم تشوى جلود الكافرين في جهنم والخاطئين، ونعم مثوى المتقين في الفردوس مع الحور العين. هناك دار المستقر. أما هذه الدنيا فدار ممر ومفر، وهي للعمل الصالح أو الطالح، وللسير بأوامر الله أو بنزعات الشيطان. قل كل يعمل على شاكلته فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره !
لكن... منذ اصطدمت هذه القناعات الايمانية السكونية بالفكر الغربي بدأ القلق؟ ولكن في شرائح محدودة من النخبة. الغد بيد الله. بلى! قطعا. لم يتزعزع الايمان بذلك. غير أن أفقًا جديدًا انفتح ضمن الحياة الدنيا، ودخل علينا قاموس جديد من الكلمات: التطور. التقدم. التغير. التفكير لفي الآتي.
كان انقلابا في الفكر أن يدخل المستقبل دنيوي آخر على الخط بشكله الغامض المبهم ويثير التساؤل في ضمير"الشرق"النائم!
كيف بدأ القلق؟
بدأ ذلك قبل الغزو الفرنسي لمصر، ولكن ازداد وتوضح بعد البعثات التي أرسلها محمد علي إلى أوربا بوصفها طليعة، السلطان محمود الثالث اشترك فيه والطهطاوي والتجار المتصلون بالغرب والقنصليات الأجنبية! ومنذ مطالع هذا القرن تكامل الوعي لدى الطلائع المتفتحة بضرورة التطور صار الغرب هو هذا المستقبل الدنيوي، وسمينا ذلك"بالنهضة"أسوة بالنهضة الأوربية. وصار لهذه النهضة رجال ينطقون باسمها وصحف وأدب وتحرك اجتماعي ثقافي مشى في مواكبة مجموعة من الشعراء ينشدون: البارودي، شوقي، مطران، حافظ، الزهاوي، وكواكب من الكتاب والعلماء: علي يوسف، لطفي السيد، صروف، شبلي شمبل، زيدان، اليازجي، البستاني، طاهر الجزائري، قاسم أمين، رشيد رضا، الكواكبي، محمد عبده، الأفغاني، خير الدين التونسي.
ونجم عن هذا التفكير المستقبلي الدنيوي ثلاثة أمور:
الأول: أن الاحتياط للمستقبل الأخروي كان فرديًا كل نفس بما كسبت رهينة وكل محاسب على عمله ولا يظلم ربك أحدا . أما المستقبل الدنيوي الذي تسلل إلى الناس أو"النهضة"فكان جماعيا. الكل مسئول عن الكل. ما من أحد يستطيع أن يصنع المستقبل والغد بنفسه ولنفسه. الجميع في مركب واحد. إما أن يطفو الجميع أو يغرق الجميع. هذا منطق القرن العشرين.
الأمر الثاني: اشد خطرًا: هو أن النهضة الأوربية منذ بدأت طرقت مع فكرة التقدم فكرة الغد معها. ليوناردو دافنشي عبقري القرن الخامس عشر رسم الدبابة والرافعة والغواصة والسيارة حسب تصوراته ولكن بمنظور مستقبلي. الذين كتبوا الأحلام الطوباوية ونظريات المدن الفاضلة والأفكار السياسية كتبوها للجماعات لا الأفراد والذين كتبوا قصص التنبؤ العلمي كانوا يرسمون"السوبرمان"الآتي، والذين استندوا في النهضة الأوربية إلى التراث اليوناني الوثني استندوا إلى تراث يريدون مفارقته. يريدون الخلاص منه إلى غيره، كان هذا التراث بالنسبة لهم شيئًا بشريًا دنيويًا، كذلك حوروا في أرسطو وهزئوا من أفلاطون وانتقدوا أبقراط وأرخميدش وأفلوطين دون خوف من غضب القوى السماوية التي نصبناها نحن"تابو"وسور حماية لما لا قدسية له، ولا يستحق الحماية. ولكننا خلقنا منه أملا رومانتيكيًا وجعلناه مستقبلا دينيا دنيويا.
وهكذا بدأت مع التفكير في الغد، في أذهاننا السكونية، ثنائية حائرة! كيف نوائم ونجمع ما بين ديننا وقيمنا وسلوكنا الاجتماعي حتى في الأذواق والأغاني وبين الغرب المختلف عنا في كل شيء؟ وسقطت هذه الثنائية فورًا على مشكلة ظللنا قرنًا وما نزال نعيد الحديث ونكرر ونحاول حلها دون طائل: مشكلة التراث. إننا ملتصقون به. فكيف نحمله معنا إلى الغد؟ جذوره الدينية عميقة فينا بتجذره (رغم أنه تراثات شتى) فكيف إلى جمع هذه المعادلة المتناقضة؟ أن نتخلى عنه ولا نتخلى في وقت واحد؟ أنختار الحسن منه؟ ولكن ما الحسن؟ ومن له سلطة الاختيار؟ وما المعايير المرجعية للاختيار؟.. وتركنا المشكلة تتغلغل في قلب تصورنا للمستقبل كالجرح الغائر!
الأمر الثالث: أننا، حين أخذنا في التخطيط للنهضة ركضنا إلى الماضي نريد إعادته. كان من الغريب أن تفكيرنا في المستقبل دار على نفسه 180 درجة ليتجه إلى الماضي. نظرتنا المستقبلية نقلت عيوننا إلى مؤخرة الرأس فنحن نسقط الماضي التليد على المستقبل الطارف الوليد. ونفكر في إعادة عهد الوليد والرشيد. وانتشرت للأمس التاريخي صور لا تخلو من الأوهام والأساطير الذهبية. ولم يسأل أحد كيف يعيده. وغالبًا ما تصورنا أنه"بالنهضة"فقط سيعود من نفسه وبالمجان. في الوقت الذي كانت فيه قضية التراث تلبس مسوح القداسة، فصار من الصعب المساس بها، ألصقوها إلصاقا مباشرا بالدين.
الوحدة.. الحلم الرومانتيكي