من العقائد الهامة في الدين ، بعد الإيمان بالله ، عقيدة الإيمان بالرسالة ، أو الوحي والإلهام. ومعناها: أن تعالي ينزل كلامه علي إنسان يختاره من بين الناس ، ليخبر الناس بما يرضي الله تعالي. .
وحين عجزنا عن رؤية أي خط اتصال ساخن ، بين الله سبحانه وبين الرسول ، أنكرناه. ولكنا اليوم نستطيع أن نفهم هذه المسألة بسهولة تامة بفضل الحقائق المعلومة.
إن هناك وقائع كثيرة جدا تجري من حولنا في كل لحظة ، ونحن نعجز عن إدراكها ، أو سماعها ، أو الإحساس بها بوساطة أجهزتنا العصبية ، وقد استطاع العلم الحديث أن ييسر لنا إدراكها بفضل الأجهزة العلمية التي اخترعناها. وهذه الأجهزة تستطيع أن تدل علي صوت ذباب طائر علي بعد بضعة أميال ، وكأنه يطير عند أذنك!
ومن الأجهزة العلمية ما وصل التقدم فيه إلي حد أنها تسجل صدام الأشعة الكونية في الفضاء! !
لقد اخترعناه آلات كثيرة أثبتت أنها تسطيع إدراك كثير جدا من الأحداث التي لا يمكننا سماعها بالطرق السمعية التقليدية.
وهذه الطاقة غير العادية للسماع لا تخص الآلات العلمية الحديثة ، وإنما وهبها الله لبعض الحيوانات أيضا. ومما لا شك فيه أن جهاز سماع الإنسان محدود جدا ، ولكن أجهزة بعض الحيوانات تختلف كل الاختلاف ؛ فالكلب ، مثلا ، يستطيع أن يشم ريح الحيوان الذي مر من الطريق ، ومن ثم استغلت الكلاب في البحث عن الجرائم والمجرمين. . فالقفل المكسور ، وفجأة نراه يمسك باللص من بين الألوف.
وهناك حيوانات كثيرة تسمع أصواتا تخرج عن نطاق أسماعنا ، ولقد أثبتت البحوث في هذا الميدان أن بعض الحيوانات يتمتع بقوة (الإشراق) Telepathy. فلو أنك وضعت حشرة مما يطلق عليه (Moth) ، أو (العثة) ، وهي حشرة مجنحة-علي نافذة مفتوحة ، فستحدث صوتا يسمعه زوجها علي مسافة بعيدة جدا ، ولسوف يجيبها هذا الزوج أيضا بطريقته.
وهناك نوع خاص من هذه الحشرات يدعي (الجندب) ، يحك رجليه وجناحيه ويصوت بطريق غير عادية ، ويسمع علي مبعدة نصف ميل وهو يحرك في هذه العملية ستمائة طن من الهواء ، ليدعو زوجه وهذه الزوج ترسل أيضا وهي ساكنة بلا حراك جوابا لا نعرفه ، إنما يعرفه الجندب الذكر ثم يلحق بها أينما كانت.
وقد أثبتت البحوث أيضا أن (أبو النطيط) العادي Grasshoper لديه قدرة خارقة علي السماع حتى إنه يستطيع أن يسمع ويحس الحركة التي تحدث في نصف قطر من ذرة الهيدروجين!
وهناك أمثلة أخري كثيرة ، تؤكد إمكان وجود وسائل غير مرئية لدي ذوي الحواس الخاصة.
وإذا كان الأمر كذلك فما وجه الغرابة في ادعاء إنسان أنه يسمع صوتا من لدن ربه ، لا يدركه عامة الناس (؟) ما دام من الممكن أن توجد في هذا العالم حركات وأصوات لا تسمعها آذان الإنسان ، ولكن تسجلها الآلات؟ وما دامت هناك رسائل تدركها حيوانات دون أخري؟
ما هو التعجب والاستبعاد؟
إن الله تعالي- لحكمة يعلمها- يرسل رسائله بوسائل خافتة خفية إلي الإنسان المختار للرسالة بعد أن يودع فيه صلاحية التقاطها وفهمها. فليس هناك من تصادم في الحقيقة ، بين مشاهداتنا وتجاربنا العلمية ، فهو واقع من الوقائع الكثيرة التي نشاهدها ونجربها في أمكنة وطرق مختلفة فالوحي إمكان وجدناه في شكل الواقع بعد التجربة.
وقد تبين أن تجارب الإشراق أو الانكشاف ومعرفة الغيب لا تخص الحيوانات ، وإنما توجد في الإنسان (بالقوة) ، يقول الدكتور إليكسيس كيريل (108) : (إن حدود الفرد في إطار الزمان والمكان هي مجرد افتراض(109) . فيستطيع عامل الإشراق أن يجعلك تنام ، وتضحك أو تبكي ، كما يستطيع أن ينقل إليك كلمات أو خواطر ، ليست علي علم بها. إنها عملية لا تستعمل فيها أية وسائل ولا يشعر بها غير عامل الإشراق وصاحبه.
كيف يستحيل وقوع هذه العملية نفسها بين العبد وربه؟ إننا بعد الإيمان بالله ، والإطلاع علي هذه التجارب الكثيرة بما ذلك الإشراق ، لا نجد أساسا لإنكار الوحي والإلهام.
وقد حدث سنة 1950 أن المسئولين في (بافاريا) رفعوا قضية ضد أحد النمسويين ، واسمه (فرنتر ستروبيل) ، بتهمة التدخل في برامج الإذاعة عن طريق الإشراق.
وكان فرنتر ستروبيل يستعرض أعماله في فندق ريجينا ، بميونيخ ، عندما ناول أوراق لعب الكوتشينة إلي أحد المتفرجين ، وطلب إليه اختيار ورقة ما ، وادعي أنه سوف ينقل اسم تلك الورقة واسم الفندق مع ترتيبهما ، كما هما في ذهن المتفرج ، إلي المذيع الذي كان يقرأ الأخبار من إذاعة ميونيخ المحلية ، ذلك دون أن يعرف المذيع نفسه شيئا من هذا ! !
بعد ثوان سمع الناس صوت مذيع مرتعش ، هو يقول: (فندق ريجينا- بنت البستوني) وكان الترتيب واسم الورقة صحيحين ، كما أراد المتفرج.
وكان الارتعاش والرهبة واضحين في صوت المذيع ولكنه واصل قراءة الأخبار. استغرب الكثيرون من المستمعين من سكان ميونيخ ، واتصل مئات منهم تليفونيا بالإذاعة يستفسرون عن السر الغامض. . فكان من الصعب عليهم إدراك علاقة الأخبار (بفندق ريجينا- بنت البستوني) : وحضر طبيب الإذاعة للكشف علي المذيع فوجده في حالة اضطراب خطيرة ، وأدلي المذيع ببيانه قائلا: (إنني شعرت بصداع شديد في رأسي ، ولا أعرف ماذا حدث بعد ذلك!)
وقد عرض العلماء نظريات عديدة لشرح هذه الصور من عملية الإشراق ، ومنها أن أمواجا تصدر من المخ وتنتشر في العالم أجمع بسرعة فائقة ، ولذلك سموها بنظرية الموجة المخيةBrain Wave Theory (110) .
ونحن نقول: إنه لما كان الإنسان يستطيع تحويل الأفكار بأكملها إلي إنسان آخر، علي بعد غير عادي ، وبدون استعمال أي واسطة مادية ظاهرية ، فلماذا تستحيل نفس العملية بين الإله وعباده؟ إن هذا المظهر من كفاءة قوي الإنسان-وأمثلته كثيرة لا تحصي- ليس إلا قرينة تجريبية تجعلنا نفهم علاقة الألفاظ والمعاني التي تربط العبد بالإله عندما يرسل رسالاته.
إن الإشراق أمر معروف لدي الناس وهو يدلنا علي فهم ذلك النظام الإشراق العظيم بين الإله والعباد ، والذي يكون في أكمل صوره حين يبلغ درجة (الوحي) وهذا الوحي لا يعدو أن يكون (إشراقا كونيا) ، من نوع الإشراقات التي عهدناها في حياتنا علي مستويات محدودة.