فهرس الكتاب

الصفحة 1311 من 3028

(ج) مشكلة السلوك:

ولندرس هذا من ناحية أخري. لقد شغلت مسألة هامة الذهن الإنساني من أقدم العصور ، وهي كيفية إجبار الناس علي سلوك طريق الحق ، فإذا افترضنا أن بعض أفراد المجتمع قد منحوا سلطة سياسية من أجل تحقيق هذا الهدف ، فمن الممكن أن يمتنع الرعايا خوفا من العذاب. ولكن ما الذي يدفع أولئك الذين يتمنعون بالسلطة السياسية إلي تحقيق العدل والإنصاف؟ ولو أننا استنجدنا القانون ، واستصرخنا المحكمة ، فكيف إذن يمكن أن نبلغ بهما تلك الأماكن التي لا تخضع للشرطة والقانون؟ ولو أننا خضنا معارك الدعاية وناشدنا أهل الشر أن يكفوا عن الجرائم ، فمن ذا الذي ينصت إلينا؟ ويتخلى عن فائدة يجنيها دون كلفة؟ إن رهبة عقاب الدنيا لن تنجح في قمع انحرافات الإنسان ؛ فنحن جميعا نعرف أن الكذب ، والرشوة ، والمحسوبية ، واستغلال النفوذ ، وما إلي ذلك من الوسائل المعروفة ، سوف تحول دون أي إمكان للعقاب.

إنه لن يفلح شيء في قمع الجرائم غير الدافع المنبعث من داخل قلب الإنسان-الضمير ، الضمير الذي لو دخل إرادة الإنسان فلن يسقطه عامل خارجي أيا كان ، وهذه الميزة غير متاحة إلا في عقيدة الآخرة. . فإن دافعا قويا يكمن في هذه العقيدة ، ويجعل من اتقاء الجرائم مصلحة ذاتية لكل إنسان. إنها مصلحة يهتم بها الجميع ، فالكل رئيسا كان أم مرؤوسا ، في الظلام كان أو في الضوء-ينطلق يفكر في أنه لابد من يوم للقاء الله ، والكل يشعر بأن الله يراه ، وسوف يحاسبه حسابا عسيرا. وهذه الأهمية الكبرى في عقيدة الآخرة هي التي جعلت القاضي ماتيوهالوس (Mathew Halos) ، وهو من كبار قضاة القرن السابع عشر يقول:

(إن القول بأن الدين خدعة ، هو بمثابة إبطال لجميع المسئوليات التي تقع علي عاتقنا لاستقرار النظام الاجتماعي(96 ) ) .

ألا ما لنستطيع أن ندرك أبعاد هذه النظرية لو تأملنا أن كثيرا من علمائنا الملحدين الذين لا يعتقدون أن الآخرة أمر واقع ، قد اضطروا- بناء علي تجارب التاريخ- إلي القول بأنه لا يوجد شيء غير (الآخرة) لمراقبة الإنسان ، وإخضاعه لسلوك طريق الحق والعدل في جميع الظروف.

لقد أنكر الفيلسوف الألماني (كانت) فكرة (الإله) ، قائلا: (إنه لا يجد أدلة شافية علي وجوده) . فهو ينكر (الصواب النظري) في الدين ، ولكنه ، في نفس الوقت ، يضطر إلي أن يسلم (بالصواب العملي) في الدين ، من الناحية الأخلاقية (97) .

و (فولتير) أيضا لا يؤمن بحقائق ما وراء الطبيعة ، ولكنه يري:

(أن أهمية الإله والحياة الآخرة عظيمة جدا ، حيث أنهما أساسان لإقامة(المبادئ الأخلاقية) . . وهو (فولتير) يري أن هذه العقيدة وحدها كفيلة بإيجاد إطار أخلاقي أفضل للمجتمع. ولو أن هذه العقيدة زالت فلن نجد دافعا للعمل الطيب ، وسيترتب علي ذلك انهيار النظام الاجتماعي (98 ) ) .

إن الذين يرون أن (الآخرة) فكرة خيالية ينبغي أن يفكروا: كيف أصبحت فكرة خيالية ذات أهمية قصوي بالنسبة إلي واقع حياتنا؟

لماذا لا نستطيع بدونها إقامة نظام اجتماعي سليم؟

ولماذا تنهار قيم حياتنا عندما نتخلى عن هذه الفكرة ؟

هل يمكن أن تحتل فكرة خيالية هذه الأهمية الكبرى في الحياة؟

هل وجدتم مثالا ما في الكون لفكرة خيالية غير كائنة ، أصبحت تتمتع بهذه الأهمية الحقيقية في الحياة ، رغم أنها لا علاقة لها بواقعنا؟ !

إن حاجتنا الملحة إلي الآخرة لتنظيم الحياة ، وإقامتها علي أسس عادلة حقيقية ، هي-في حد ذاتها- تأكيد بأن الآخرة من كبريات حقائق الكون ، ولست أبالغ إذا قلت: إن هذا الجانب المنطقي من الاستدلال يثبت حقية هذه النظرية ، علي مستوي التحقيق المعملي العلمي. .

(د) الضرورة الكونية:

ولننظر إلي هذه القضية من جهة ثالثة ، تلك التي أسميها: (الضرورة الكونية) . لقد تكلمت في الصفحات الماضية عن وجود الإله في الكون ؛ وقد ثبت جليا أن الدراسة العلمية والفكرية هي التي تدعونا إلي القول بوجود إله لهذا الكون. وبقي أن نسأل: لو كانت هناك علاقة بين الإله والإنسان لما كان بد من ظهورها ، فمتي ستظهر هذه العلاقة جليا؟

أما بالنسبة إلي عالم اليوم ، فمن الممكن الجزم بأن هذه العلاقة لم تظهر بعد ؛ فالرجل الذي لا يؤمن بالإله ، يصيح قائلا: (إنني لا أخاف من الله) ثم هو لا يصاب بأذى بل قد يحصل علي الزعامة ، ويتسلم مقاليد الحكم! !

أما الذين يبلغون رسالات الله ، فإن السلطات توقف نشاطهم بحجة أنه (غير شرعي) . وهنالك أيضا مكاتب ومؤسسات تشغلها-ليل نهار- الدعاية لأولئك الذين يقولون: (لقد ذهب صاروخنا إلي القمر ولم يتشرف بلقاء إلهكم! ) ، وجميع أجهزة الدعاية الرسمية تدعم هذه المؤسسات ، فإذا ما نهض أصحاب الدعوات برسالتهم ردهم علماء العصر قائلين: إنكم رجعيون تتخبطون في الظلمات!

يولد الأطفال ، ثم يشبون ، ويموتون.

تصل الشعوب إلي أوج مجدها ، ثم تنقرض.

تقع الثورات ، ثم تزول.

تشرق الشمس وتغرب ، ولكن لا تظهر آيات وجود الله.

وفي هذه الحالة تطالبنا عقولنا وقلوبنا بالإيمان بوجود الله ، أو إنكار هذا الوجود. فلو آثرنا الإيمان بالله ، فلا مناص لنا من الإيمان بالآخرة. فليست هناك طريق أخري لتبيين علاقة الإنسان بالإله.

لقد سلم (داروين) بأن لهذا الكون (خالقا) ، ولكن (تفسير الحياة) الذي قدمه لا يتضمن أدني ربط بين الخالق ومخلوقه ، كما أنه لا يحس بالحاجة إلي (نهاية) لهذا الكون ، حاجة تدفعه إلي تقرير هذا الربط ، ولست أدري كيف سيملأ (داروين) هذا الفراغ الكبير في نظريته البيولوجية؟ إن عقلي يستنكر إلها لا علاقة له بأمور الكون ، ولا يشهده عباده في مظهر الخالق أبدا. وما أعجب (خالق داروين) - هذا الذي يأتي بكون عملاق هكذا ، ثم ينهيه ، دون إبداء الأسباب التي دفعته إلي هذا الخلق ، ودون تعريف مخلوقيه بصفاته العديدة! !

إننا لو أعطينا هذه المسألة الخطيرة شيئا من تفكيرنا ، فسوف نجد قلوبنا تصرخ: (إن الساعة آتية لا ريب فيها. .) (99) .

بل إنا لو تأملنا فسنراها مسرعة إلينا ، سوف نراها ثقيلة ، وشيكة الانفجار ، كأنها الوليد في بطن الحامل. وما أقرب ما تفتك بنا-فجأة-ذات عشية أو ضحاها:

(يسئلونك عن الساعة أيان مرسها. قل إنما علمها عند ربي. لا يجليها لوقتها إلا هو. ثقلت في السماوات والأرض. لا تأتيكم إلا بغتة(100 ) ) .

رابعا- الشهادة التجريبية:

نواصل الآن بحثنا في الجانب الآخر من هذا الموضوع: (الآخرة) ، وهو: هل هناك شهادة تجريبية تثبت الحياة بعد الموت؟

عن أول دليل علي الحياة الثانية هو حياتنا الأولي في حد ذاتها ؛ فإن الذين ينكرون الحياة الثانية يقرون ،بداهة، الحياة الأولي. والحياة ، تلك التي ظهرت مرة واحدة ، كيف تعجز عن إعادة نفس العملية مرة أخري ؟ هذه التجربة التي نعيشها نحن اليوم ، كيف يستحيل حدوثها ثانية؟ ؟ إنه لا شيء أكثر عداء للمنطق والعقل الإنساني من أن نسلم بوقوع حادث في (الحال) وننكره في (المستقبل) ! !

يا له من تناقض عجيب. . إن الإنسان يدعي أن (الآلهة) التي اخترعها هو بقدراته الخارقة لتفسير الكون ، تستطيع إعادة وقائع الكون مرة أخري ، ولكنه يرفض بعناد تلك النظرية المماثلة التي يتقدم بها الدين ، ويعبر (السير جيمس جينز) عن نظرية هؤلاء القوم قائلا:

(لا غرابة إذا كانت أرضنا قد جائت صدفة نتيجة بعض الحوادث. وإذا بقي كوننا علي حاله الراهنة لمدة طويلة مماثلة(لمدة حدوثه صدفة) ، فلا نستبعد حدوث أي شيء يمكننا قياسه علي الأرض (101 ) ) .

وتري نظرية النشوء والتطور أن جميع أنواع الحيوانات تنحدر من نوع بدائي واحد ، وأنها ارتقت إلي ما هي عليه الآن خلال مراحل تطورية متطاولة. بناء علي هذا التفسير الذي قام بوضعه (داروين) -صاحب هذه الفكرة-فإن (الزراف) الموجود حاليا ، كان في بدء الأمر من عشيرة الحيوانات الصغيرة ذوات الظلف ، ولكن هذا الحيوان من خلال العمليات الطويلة التي أعقبت التوالد والتناسل ، والتغيرات والفوارق الصغيرة التي طرأت علي الجنس الحيواني ، استطاع أن يحصل علي هذا الهيكل العظيم غير العادي الذي نشهده اليوم. .

يقول (داروين) موضحا نظريته في الباب التاسع من كتابه:

(ومن الأمور الحتمية عندي أنه-إذا ما أجريت العملية المطلوبة خلال زمن طويل ، فمن الممكن أن نجعل من حيوان ذي ظلف عادي حيوانا مثل الزراف(102 ) ) . ز

وهكذا اضطر جميع العلماء الذين حاولوا شرح الكون والحياة ، بطريق طبيعية إلي أن يسلموا بأنه لو هيئت نفس الأحوال-التي ساعدت في خلق الحياة الأولي- فمن الممكن حدوث الحياة ولوازمها مرة أخري. إن إمكان حدث الحياة الأخرى أقوي-نظريا- من إمكان الحياة الأولي ، الذي قد وقع فعلا ، وأي شيء نسلم به أنه خلق الحياة-مهما كان هذا الخالق- فلابد لنا من الإقرار بصفة بدهية بأن ذلك الخالق يستطيع بالتأكيد إعادة نفس الحوادث التي أنشأها للمرة الأولي ، ولابد لنا من هذا الاعتراف ، اللهم إلا إذا أنكرنا الحياة الأولي (الموجودة الآن) . . فنحن نفقد جميع الأسس التي نبني عليها دعائم إنكارنا للحياة الأخرى ، عندما نسلم بوجود الحياة الأولي!

خامسا- البحث النفسي:

لقد أثبت البحث النفسي ، الذي ذكرناه آنفا ، أن جميع أفكار الإنسان-أو بعبارة أخري: جميع خلايا مخه- تبقي بصفة دائمة. وهذا الواقع يثبت بصراحة أن عقل الإنسان ليس بجزء من جسمه ، فإن جميع خلايا وأنسجة الجسم تتغير تغيرا كاملا في بضعة أعوام ، ولكن سجل اللاشعور لا يقبل أي تغير أو مغالطة أو شبهة علي رغم مرور مئات السنين. ولو كان هذا السجل الحافظ كائنا في الجسم فلا أدري أين مكانه منه؟ وفي أي جزء يكمن علي وجه الخصوص؟ ولو كان في أحد أجزاء هذا الجسم ، فلماذا لا يزول عندما تزول هذه الأجزاء بعد سنوات عديدة؟ ما أعجب هذا السجل الذي تتحطم جميع لوحاته تلقائيا ، ولكنه لا يفني ولا يزول! ؟

إن هذه البحوث الجديدة في علم النفس تؤكد بصفة قاطعة أن الوجود الإنساني لا تنحصر حقيقته في ذلك الجسم المادي الذي يخضع دوما لعمليات التحطم والاحتكاك والفناء ، بل هو شيء آخر غير هذا كله وهو لا يفني بل يبقي مستقلا ولا يزول.

ويعلم من هذا أبضا أن الحواجز وقوانين الزمن لا وظيفة لها إلا في عالمنا هذا ، ولو كان هناك عالم آخر ، يبدأ عند فناء جسمنا المادي ، فهو يخلو تماما من هذه الحواجز والقوانين.

إن كل ما نباشره من الأعمال والأفعال الشعورية يخرج في نطاق هذه القوانين والحواجز. ولو كانت هناك (حياة عقلية أخري) -كما يعتقد فرويد- فمعناه أن هذه الحياة الجارية لن تفني أبدا ، بل ستستأنف بعد الموت ، وسوف نكون علي قيد الحياة ، فإن هذا الموت لم يكن إلا نتيجة من نتائج هذه الحواجز والقوانين الزمنية. أما وجودنا الحقيقي-وهو اللاشعور ، كما يقول فرويد-فهو حر مستقل عن هذه الحواجز والقوانين ، ولا يطرأ عليه الموت بل يأتي (الموت) علي الجسد العنصري المادي ، ويبقي اللاشعور- وهو الإنسان الحقيقي- كما هو.. ومثاله أن حادثا وقع قبل ربع قرن ، أو فكرا خطر ببالي قبل عشرين سنة ، وقد نسيت كليهما قاطبة ومع ذلك فإني أراهما في أحلامي اليوم. وتفسير ذلك عند علماء النفس هو أنهما كانا محفوظين في (اللاشعور) بأكمل صورهما وجزئياتهما ، كأنما حدثا بالأمس! !

وقد نتساءل هنا: وأين هذا اللاشعور؟ فلو كان منقوشا علي الخلايا- كالصوت مسجلا علي الاسطوانات-فإن تلك الخلايا ، التي سجلت ذلك الحادث قبل ربع قرن ، أو هذه الفكرة قبل عشرين سنة ، قد تحطمت وزالت منذ سنين طويلة ، ولا علاقة لها في أي صورة بجسدي الموجود الآن. فأين هذا الفكر من جسدي؟ تلك شهادة تجريبية تثبت- قطعيا-إن هناك عالما آخر خارج أجسامنا المادية مستقلا بذاته ، ولا يفني بفناء الجسم ، أو جزء من أجزائه.

سادسا- البحوث الروحية:

أثبتت (البحوث الروحية) Psychical Researches الحياة بعد الموت علي المستوي التجريبي والعملي. إن الأمر الذي يدفعنا إلي إبداء مزيد من الإعجاب بهذه البحوث هو أنها لا تثبت (بقاءا محضا) لروح ما بل إنها تثبت أيضا بقاء الشخصيات التي كنا نعرفها بذاتها ، قبل أن تموت! !

إن هناك خصائص كثيرة يتمتع بها الإنسان من قديم الأزمان ؛ ولكنا لم نلق الضوء عليها إلا حديثا. ومن هذه الخصائص: (الرؤيا) ، التي تعد من أقدم مميزات الجنس البشري. والحقائق المثيرة التي تعد من أقدم مميزات الجنس البشري. والحقائق المثيرة التي كشفها علماء النفس عن هذه الميزة لم يكن قدماؤنا علي علم بها.

وهناك مظاهر أخري درسناها أخيرا وأجرينا بحوثا وإحصاءات في مختلف أنحاء العالم حولها وجاءت البحوث بنتائج غاية في الأهمية.

ومن هذه البحوث ما نسميه (بالبحوث الروحية) . . وهي فرع من علم النفس الحديث وهدفها محاولة الكشف عن المميزات الإنسانية غير العادية ، وقد أقيم أول معهد لإجراء هذا النمط من البحوث عام 1882م في انجلترا. وبدأ علماء المعهد عملهم سنة 1889م ، بعد أن قاموا بمسح واسع النطاق علي 17 ألفا من المواطنين ، ولا يزال هذا المعهد موجودا باسم (جمعية البحوث الروحية) . وقد انتشرت الآن معاهد كثيرة في مختلف بلدان العالم. وأثبتت هذه المعاهد بعد بحوثها وتجاربها الواسعة النطاق ، أن الشخصية الإنسانية تواصل بقاءها بعد فناء الجسد المادي ، في صورة غريبة. .

كان وكيل متنقل لشركة أمريكية يسجل طلبات عملائه. جالسا في حجرته في فندق سانت جوزيف ، بولاية ميسوري ، فإذا به يشعر أن أحدا يجلس عن يمينه. ويقول الرجل: (فحولت وجهي بسرعة فوجدت أنها أختي!) .

وكانت أخته هذه قد ماتت منذ تسع سنين. . وبعد برهة اختفي وجه أخته. وكان الوكيل قد أفزعه هذا الحادث ، لدرجة أنه بدلا من أن يستأنف جولته ، قرر مغادرة (ميسوري) إلي بيته في بلدة (سانت لويس) . وفي البيت ذهب يقص علي أقربائه الحادث بالتفصيل كما رآه وعندما وصل أثناء كلامه إلي هذه الجملة: (وشاهدت علي خدها الأيمن جرحا واضحا أحمر اللون) . . فإذا بأمه تصرخ وتقوم مرتعدة ، وهي تقول: (إنني أنا السبب في ذلك الجرح الذي رأيته وقد حدث ذلك عن غير قصد مني ، وقد ندمت لذلك الحادث وآلمني المنظر ، فأزلت كل آثار الجرح ، ووضعت في مكانه شيئا من البودرة! ) وأضافت الأم قائلة:

(ومنذ ذلك اليوم لم أفض بهذا السر إلي أحد أبدا) (103)

إن هذه الوقائع وأمثالها لا تختص بأمريكا وأوروبا ، وإنما تحدث بكثرة في كل منطقة من العالم. ولكن حيث إن أكثر البحوث العلمية الحديثة قد أجريت في تلك المنطقة من العالم ، فلابد لنا أن نأتي بالشهادات التجريبية من تلك المناطق أيضا. ولو كان عند بعض علمائنا شيء من الطموح والثقة بالنفس ، وبدءوا هذا العمل في مناطقهم فمن الممكن أن نجمع شهادات لا حصر لها في بلادنا الآسيوية والأفريقية. وأنا شخصيا علي علم بكثير من وقائع مماثلة تدعم هذه النظرية بصفة مدهشة ، ولكنا بكل أسف تعوزنا الهمم للقيام بمثل هذه البحوث العلمية ، وما يلزمها من قدرة علي الإنفاق ، وبذل الوقت المطلوب.

إن هناك وقائع لا تحصي من هذا القبيل وهي تؤكد وجود (شخصيات معروفة) بعد موتها. ولا سبيل أمامنا لاعتبار هذه الوقائع والحقائق: (أوهاما وخيالات) ، كما اعتاد بعض الناس القول ببساطة في مثل هذه المسائل فإن سر الجرح علي خد الفتاة الأيمن- وقد ماتت منذ حقبة من الزمن-لم يكن أحد يعرفه غير الفتاة وأمها. .

وهناك وقائع أخري تؤكد بقاء الحياة بعد الموت وهي وقائع تتعلق بأولئك الذين نسميهم: (بالمتحركين آليا) Automatists (104) . ويطلق هذا الاسم علي الذين تصدر عنهم أفعال رغم إرادتهم الذاتية ، وهذه الوقائع تدل علي أن أرواحا -لأشخاص قد ماتوا- تسكن في أجسام هؤلاء الأحياء. ويكشف هؤلاء الناس أثناء أعمالهم عن جزئيات لا يعرفها إلا الموتي أصحاب الأرواح. . ثم يظهر بعد شهور وسنين أن تلك الجزئيات كانت حقائق واقعية. .

وهناك أيضا رجال يتكلمون ويكتبون في آن واحد ولا يكون للمكتوب أية علاقة بالقول كما أن الكاتب لا يعلم بنفسه ماذا كتب إلا بعد الإطلاع علي ما كتبه (وهذا الواقع يثبت أن روحا- غير روحه الشخصية- تسكن جسده وهي التي تجعله يكتب(105)

إن كثيرين من علمائنا المحدثين يرتابون في قبول هذا الاستدلال كما يقول (براد) .

(إن أي فرع من فروع العلوم الحديثة لا يؤكد إمكان الحياة بعد الموت اللهم إلا ذلك الاستثناء المشتبه فيه من البحوث الروحية) (106)

بيد أن الاستدلال يشبه عندي أن أقول: (إن(التفكير) استثناء مشتبه في أمره لأن أحدا من ملايين الحيوانات علي سطح الأرض لم يصدق هذه الظاهرة غير الإنسان! ! ).

إن بقاء الحياة وفنائها يتعلق بعلم النفس لكونه مسألة نفسية بحتة فلا تصلح دراسته إلا في علم النفس أما أن نبحث عنه في أقسام أخري من العلوم. فهو بمثابة أن نطالب علمي (النبات) و (الفلزات) بإثبات ظاهرة التفكير. ولا نستطيع-أيضا- أن نجعل دراستنا داخل الجسم الإنساني حكما في هذه المسألة الخطيرة وسببه أن الجزء الذي ندعي بقاءه واستمراره في الحياة-وهو الروح- لا يوجد في هذا الجزء المادي بل في جسم آخر سواه.

وهذا هو المر الذي دفع الكثيرين من علمائنا إلي الاعتراف بأن (الحياة بعد الموت) واقع حقيقي بعد أن قاموا بأبحاث علمية طويلة غير منحازة. وقد ألقي (البروفسور دوكاس) وهو أستاذ الفلسفة بجامعة براون ضوءا علي الجوانب النفسية والفلسفية من مسألة الحياة بعد الموت في الباب التاسع عشر من كتابه. والدكتور دوكاس لا يؤمن بالحياة بعد الموت كعقيدة دينية ، وإنما وجد- أثناء بحوثه- شواهد كثيرة اضطر علي أثرها-أن يؤمن بالحياة الآخرة مجردة عن قضايا الدين. وهو يكتب في آخر الباب السابع عشر من كتابه قائلا:

(لقد قام رهط من أذكي علمائنا وأكثرهم خبرة بمطالعة الشهادات المتعلقة بالمسألة وفحصوها بنظرة نقد ثاقبة وقد توصلوا آخر الأمر إلي أن هناك شواهد كثيرة تجعل فكرة(بقاء الروح) نظرية معقولة وممكنة الحدوث. . وهم يرون أنه لا يمكن تفسير تلك الشواهد إلا علي هذا النحو. ومن هؤلاء الكبار الذين قاموا بهذه البحوث نستطيع أن نذكر: الأساتذة ألفريد راسل واليس ، والسير وليام كروكس ، وف. و. ه مايرز ، وسيزار لومبرازو، وكميل فلاماريون ، والسير أوليفر لوج ، والدكتور ريتشارد هوجسن ، والمستر هنري سيدويك ، والبروفيسور هيسلوب).

ويستطرد الدكتور دوكاس قائلا:

(ويتضح من هذا أن عقيدة بقاء الحياة بعد الموت- التي يؤمن بها الكثيرون منا كعقيدة دينية- ليس من الممكن أن تكون واقعا فحسب ، وإنما لعلها هي الوحيدة من عقائد الدين الكثيرة ، التي يمكن إثباتها بالدليل التجريبي. ولو صح هذا فمن الممكن أيضا أن نجد معلومات قطعية في هذا الموضوع بغض النظر عن الأفكار التي افتراها رجال الدين عن نوعية الحياة بعد الموت ولن نحتاج حينئذ إلي الإيمان بالوجهة الدينية من هذه النظرية(107) .

ويكاد الدكتور دو كاس- بعد الوصول إلي هذا الحد من وضوح قضية الحياة بعد الموت ثم الجحود بوجهتها الدينية-أن يكون مثله مثل الفلاح الذي يصر علي أنه لا سبيل إلي الحديث بينه وبين أحد أقربائه الذي يسكن في بلدة نائية. . فإذا وصلت خط التليفون مع قريبه هذا في البلدة النائية وأعطيته السماعة. . إذا به يقول لك بعد فراغه من الكلام: (ليس من الضروري أنه كان صوت قريبي فمن الممكن أنه كان يخرج من إحدي الماكينات! ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت