فهرس الكتاب

الصفحة 1310 من 3028

والتفاصيل العلمية التي أوردنا بعضها في الصفحات الماضية يتضح منها جليا أن أجهزة الكون تقوم بتسجيل كامل لكل أعمال الإنسان ؛ فكل ما يدور في أذهاننا يحفظ إلي الأبد ، وكل ما ننطق به من الكلمات يسجل بدقة فائقة ، فنحن نعيش أمام كاميرات تشتغل دائما ، ولا تفرق بين الليل والنهار. . ولا يسعنا-ونحن نشرح هذه الظاهرة العلمية الخطيرة-إلا أن نسلم بأن قضية كل منا سف تقدم أمام محكمة إلهية. . وبأن هذه المحكمة هي التي قامت بإعداد هذا النظام العظيم لتحضير الشهادات التي لا يمكن تزويرها.

ولا يستطيع أي عالم أن يدلي بتفسير أدق عن هذه الظاهرة سوي ما قلناه. . فلو لم تستطع هذه الوقائع الصريحة الساخنة أن تجعل البشر يحسون بمسؤليتهم إزاء المحكمة الجبارة التي ستقام يوم الحساب ، فلا أدري ما الواقع الذي قد يجعل هؤلاء يفتحون أعينهم؟ !

ثالثا: الحاجة إلي الآخرة:

لقد بحثنا في الصفحات الماضية فيما إذا كان حدوث شيء من مثل الآخرة التي يدعيها الدين ، (ممكنا) ؟ ولقد ثبت ما علمنا أن الآخرة ممكنة الحدوث. . والمسألة التي نقف أمامها الآن هي: البحث فيما إذا كان هذا العالم في حاجة-فعلا- إلي شيء من قبيل الآخرة؟ وهل يقتضي الكون-في هيكله الحالي- وقوعها؟ ؟

(أ) الجانب النفسي:

لنتناول أولا (الجانب النفسي) من المسألة.

يقول البروفيسور (كنجهام) في كتابة:Plato s Apalogy: (إن عقيدة الحياة بعد الموت(لا أدرية مفرحة Cheerful Agnosticism) ومن الممكن اعتبار هذا القول خلاصة أفكار فلاسفتنا الملحدين المعاصرين ؛ فهم يرون أن عقيدة الآخرة اخترعتها عقلية الإنسان الباحثة عن عالم حر ، مستقل عن حدود هذا العالم وعن مشكلاته ، مليء بالأفراح. وإنما يدفعه إلي الإيمان بهذه العقيدة أمله في الحصول علي حياته المفضلة ، التي لا جهد فيها ولا كدح. . وأن هذه العقيدة تنتهي بالإنسان إلي عالم مثالي وخيالي ،حيث يحلم بأنه سوف يظفر به بعد الموت. ولكن الحقيقة- كما يراها الفلاسفة- أن لا وجود لشيء كهذا العالم الثاني في الأمر الواقع!

وفي رأيي: أن هذا المطلب الإنساني-في حد ذاته- (دليل نفسي) قوي علي وجود عالم آخر ، كالظمأ ، فهو يدل علي الماء ، وعلي علاقة خاصة باطنة بين الماء وبين الإنسان. وهكذا فإن تطلع الإنسان-نفسيا- إلي عالم آخر دليل في ذاته علي أن شيئا مثل ذلك موجود في الحقيقة ، أو أنه-علي الأقل- خليق أن يوجد. وهذا المطلب النفسي يؤكد علاقة مصيرنا بهذه الحقيقة ، ويدلنا التاريخ علي وجود هذه الغريزة الإنسانية منذ أقدم العصور علي مستوي إنساني ، وهو أمر لا أستطيع فهمه: كيف يمكن أن يؤثر أمر باطل علي البشر في هذا الشكل الأبدي ، وعلي مستوي إنساني؟ وهذا الواقع نفسه يدلنا علي قرينة قوية بإمكان وجود العالم الآخر. وإنكار هذه الحاجة النفسية ، بدون أدلة يعتبر جهلا وتعصبا.

إن الذين ينكرون حاجة نفسية عظيمة مثل هذه زاعمين أنها باطلة ، هم من أعجز الناس حقا عن تفهم أي (واقع) علي سطح الأرض بعد هذا. . ولو كانوا يزعمون الفهم في الواقع فلا أدري بأي دليل؟ . . وعن أي برهان؟

ولو كانت هذه الأفكار نتاج المجتمع كما يزعمون فكيف لا تزال تطابق التفكير الإنساني بهذه الصورة المدهشة من أقدم العصور؟ هل تجدون مثالا لأية أفكار إنسانية أخري ظلت باقية إلي العصر الحاضر ، وبهذا التسلسل الرائع منذ ألوف السنين؟ هل يستطيع أذكي أذكيائكم أن يخترع فكرا واهيا ثم يدخله إلي النفس الإنسانية وكأنه موجود بها منذ الأزل؟

إن لكل إنسان أماني كثيرة لا تكلل بالنجاح في حياته ، إنه يتمني حياة أبدية ، ولكن الحياة التي أعطيت له تخضع لقانون الموت. والعجيب أن الإنسان عندما يكون علي أبواب حياة ناجحة عظيمة ، بعدما كسب من العلم والمعرفة والخبرة والتجارب الثمينة ، حينئذ تداهمه دعوة الموت. . ولقد أكدت إحصائية عن تجار لندن الناجحين أن أمرهم يستقر فيما بين 45-65 سنة من أعمارهم ، ثم يبدأون يربحون ما بين خمسة آلاف إلي عشرة آلاف جنيه في السنة ، وفي ذلك الوقت الثمين-فجأة- تتوقف حركات قلوبهم ذات مساء أو ذات صباح ، فيرحلون إلي عالم مجهول تاركين تجارتهم الممتدة إلي ما وراء البحار. .

يقول الأستاذ وينوود ريد (Winwood Reade) :

(إنه لأمر هام يدعونا إلي التفكير فيما إذا كانت لنا علاقة شخصية مع الإله؟ هل هناك عالم غير عالمنا هذا؟ وهل سوف نلتقي جزاء أعمالنا في ذلك العالم؟ إن هذا السؤال ليس بعقدة فلسفية عظيمة فحسب ، وإنما هو في نفس الوقت أعظم أسئلتنا العملية أيضا. إنه سؤال تتعلق به مصالحنا الكثيرة ؛ فحياتنا الراهنة قصيرة جدا أفراحها عادية موقوتة ، إذ أننا عندما نظفر بما نحلم به يفاجئنا الموت ، ولو استطعنا الاهتداء إلي طريق خاصة تجعل أفراحنا دائمة وأبدية ، فلن يرفض العمل به أحد غير البله والمجانين منا(88 ) ) .

ولكن الكاتب نفسه يستطرد فينكر ذلك المطلب النفسي الكبير من أجل أمور لا وزن لها ولا قيمة ؛ فهو يقول: (إن هذه العقيدة كانت معقولة جدا حين كنا لا نبحث جوانبها بعمق وجد. . ولكن بعد هذا البحث اتضح لنا أنها أمر سخيف ، ويمكن إثبات سخافته بسهولة فالفلاح المحروم العقل الجاهل لا يتحمل مسئولية خطاياه ، وسيدخل الجنة ، ولكن العباقرة مثل(جوته) ، و (روسو) ، سوف يحترقون في نار الجحيم ؛ فلأن يخلق الإنسان محروم العقل خير له من أن يكون من أمثال جوته وروسو! ! إن هذا الكلام تافه وسخيف (89 ) ) .

وما أشبه هذا الموقف بالذي اتخذه (اللورد كلوين) تجاه التحقيق العلمي الذي قام به (ماكسويل) ؛ فقد زعم اللورد أنه لا يستطيع أن يفهم نظرية ما إلا بعد وضع نموذجها الميكانيكي ، وبناء علي هذا الفرض أنكر نظرية ماكسويل عن البرق والمغناطيس ، لأنها لم تحل في أحد نماذج اللورد المادية! إن مثل هذه المواقف والادعاءات الخرافية أصبحت غريبة في عالم الطبيعة الحديثة. ويتساءل العالم الكبير (سوليفان) :

(كيف يروق لأحد أن يدعي أن الطبيعة لابد أن تكون كما يضعها مهندس القرن التاسع عشر في معمله(90) ؟)

وسوف أوجه هذا الكلام إلي الأستاذ (وينوود) :

(كيف يجوز لفيلسوف القرن العشرين أن يري: أن يكون الكون الخارجي في حقيقة الأمر مطابقا لما يزعمه هو؟)

إن كاتبنا لم يستطع أن يفهم أمرا في غاية البساطة: هو أن الحقيقة لا تحتاج إلي الواقع الخارجي ، وإنما الواقع الخارجي هو الذي يكون في حاجة إلي (الحقيقة) . . فالحقيقة أن لهذا الكون إلها وسوف نمثل أمامه يوم الحساب. فلابد لكل منا- سواء أكان روسو أم كان مواطنا عاديا- أن يكون وفيا ومطيعا لإلهه ؛ فنجاتنا لن يحققها جحودنا بل هي تمكن في إيماننا وطاعتنا. . والغريب أن كاتبنا لم يرق له أن يطالب (جوته) و (روسو) أن يسلكا مسلك الحق ، وإنما طالب الحق بالتغيير! ولما لم يطع الحق راح ينكره! ! وهذا أشبه بمن ينكر قانون حفظ الأسرار العسكرية الذي يكرم أحيانا جنديا بسيطا ويعدم عالما ممتازا ، مثل (روزنبيرج وعقيلته الحسناء) بالكرسي الكهربائي! !

إنه لا يوجد علي سطح الأرض من يفكر في (الغد) غير الإنسان. فهو يتميز عن سائر الحيوانات بدوام تفكيره في المستقبل ، وجهاده المتواصل ، وسعيه الدائب في سبيل تحسين أحواله. ولا شك أننا قد نجد بعض الحيوانات تعمل لمستقبلها ؛ كالنمل الذي يدخر غذاءه للشتاء القادم ؛ والطيور التي تصنع أعشاشا يسكنها أولادها بعد فقسهم ، ولكن هذا العمل لدي الحيوانات يعتبر (غريزيا) ، فهو صادر عن غير شعور بالمسئولية ؛ إنها تقوم بهذه الأعمال لقلقها من مشكلات الغد ، وإنما تأتي بها طبيعيا ، ومن ثم تنتفع بها في المستقبل فالتفكير في المستقبل يتطلب فكرا مدركا واعيا ، وهو من ميزات الإنسان فحسب ،ولا يتمتع به شيء من الحيوانات غيره.

هذا الفرق الكبير بين الإنسان والحيوان يؤكد أنه لابد أن تكون للإنسان مواقع أكثر بالنسبة إلي أي نوع آخر للانتفاع بها ، فحياة الحيوانات هي ما تسمي (حياة اليوم) ، ففكرة الغد لا توجد عندها ولكن مطالعة حياة الإنسان تقتضي (غدا) ، ولو أنكرنا هذه الحاجة لخالفنا الطبيعة.

ويعتقد بعض العلماء والفلاسفة أن خيبة آمال الإنسان في حياته الراهنة هي التي تجعله يفكر في حياة أفضل ، وهم يرون أن هذا الفكر سوف يتلاشى لو أتيح للإنسان مجتمع رفاهي كامل. فقد اعتنق عدد كبير من أسري الروم المسيحية لأنها وعدتهم بأفراح السماء. . ولذا تتوقع هذه الطائفة من العلماء والفلاسفة أن سعادة الإنسان ورفاهية المجتمع سوف تزداد أكثر فأكثر إلي أن تقضي نهائيا علي نظرية (العالم الآخر) .

ولكن تاريخ الأربعمائة سنة الأخيرة-التي ازدهرت فيها العلوم والتكنولوجيا- يكذب هذا التوقع ؛ فإن أول ما هيأ التقدم التكنولوجي للإنسان أنه أتاح له وسائل عديدة احتكرتها أيد محدودة قامت بدورها باستغلالها ، وقضت علي صغار العمال والحرفيين ، وحولت تيار الثروات إلي كنوزها وخزائنها ، وجعلت من الشعب عمالا فقراء معوزين ، ويمكن مطالعة هذه المناظر القبيحة التي جاءت نتيجة للتقدم التكنولوجي ، في كتاب كارل ماركس (رأس المال) ، الذي يعتبر ضجيجا للطبقة العمالية التي عاشت القرنين الثامن والتاسع بعد الألف ثم بدأت ردود فعل هذا الضجيج وتبعه كفاح طويل قامت به المنظمات العمالية ، حتى تحسنت الأحوال إلي حد ما. ولكنني أري أن التغير الذي طرأ علي أحوال العمال ليس إلا ظاهريا ؛ فعامل اليوم يتقاضى أكثر مما يتقاضاه بالأمس ، أما السعادة الحقة فإنه أكثر افتقادا لها من سلفه. . ذلك أن النظام التكنولوجي لم يعط الإنسان أكثر من مظاهر مادية ، فهو لا يملك القيم الروحية ، حتى يمنح لأتباعه السعادة والطمأنينة القلبية ، وما أصدق ما قاله الشاعر (Blake) عن إنسان الحضارة الحديثة:

(كل وجه تري عليه سمات فيه ضعف ، وفيه ذل وحقد)

لقد اعترف (برتراند راسل) قائلا: (إن حيوانات عالمنا يغمرها السرور والفرح ، علي حين كان الناس أجدر من الحيوان بهذه السعادة ، ولكنهم محرومون من نعمتها في عالمنا الحديث(91 ) ) . واليوم كما يقول راسل أصبح من المستحيل الحصول علي هذه النعمة: السعادة (92) ! !

إنك عندما تزور نيويورك تشاهد أبنيتها الضخمة مثل عمارة (إمباير ستيت) التي تتكون من 102 طابقا وهي عالية جدا حتى إن درجة الحرارة في أدوارها العليا تكون منخفضة جدا بالنسبة إلي أدوارها السفلي ، وعندما تخرج منها وتراها من الشارع فلن تصدق أنك كنت فوق هذا العملاق الذي يرتفع فوق سطح الأرض ، ولا يستغرق المصعد الكهربائي للصعود من أسفلها إلي أعلاها أكثر من ثلاث دقائق! ! وبعد مشاهدة العمارات والمظاهر تذهب إلي النوادي وتشاهد الرجال والنساء يرقصون ملتصقين. . وتفكر: (ما أسعد هؤلاء الناس! ) ثم تأوي إلي مقعد تشاهد الرقص المثير ، ولن تقضي وقتا طويلا حتى تأتيك حسناء من هؤلاء القوم ، وتجلس علي المقعد المواجه لمقعدك ، إنها تبدو كئيبة ، فتسألك دون مقدمات:

-أيها السائح ، هل أنا قبيحة المنظر؟

-إنني لا أري ذلك. .

-ولكنني أفهم أنني فقدت (روعة الجمال) ، أليس كذلك؟

-لا. . في رأيي أنك تملكين الكثير من الفتنة وروعة الجمال.

-شكرا أيها السائح الكريم! ولكن الشبان لا يبالون بي ولا يواعدونني. لقد أصبحت الحياة بالنسبة إلي مملة موحشة. .

إن ما رأيته في نيويورك لم يكن إلا منظرا مقتضبا من مسرحية الإنسان في العصر الحديث.

لقد أقامت العلوم والتكنولوجيا أبنية شامخة ، ولكنها نزعت السعادة من قلوب ساكنيها ، إنها أقامت مصانع تتحرك بآلات هائلة ، ولكنها حرمت عمالها الراحة التي يطمحون إليها ، وهذه هي نتيجة التاريخ العلمي والتكنولوجي. فكيف بنا إذن نطمح ونتوقع عالما يسوده السلام والسعادة ، من (صنع التكنولوجيا؟ !)

(ب) الضرورة الأخلاقية:

وعندما ندرس المسالة من الوجهة نري أنه لابد من (الآخرة) ، فإن التاريخ الإنساني لن يكون له أي معني بدونها.

إن فطرة الإنسان تميز بين الخير والشر ، والصالح والطالح ، والظلم والعدل ، وهذه الفطرة هي التي تميز الإنسان عما سواه ، ولكن ها هو ذا الإنسان الذي كرمه ربه ، يهدر فطرة الله أكثر ممن لا يتمتعون بها ؛ إنه يظلم بني جنسه ؛ يقتلهم ويشردهم ، ويوجه إليهم كل شر مستطاع. .

إن الحيوانات لا تظلم فصائلها ، فالأسد ليس في الأسود أسدا ، والنمر ليس في العرين نمرا. . ولكن الإنسان أصبح يفترس إخوانه ، حتى الأقربين منهم ، مما لا يوجد له مثيل في قانون الغابة. .

ولا مرية أننا وجدنا أضواء الحق والعدالة في التاريخ الإنساني ، وأننا نقدرها حق قدرها ، ولكن الجزء الأكبر من التاريخ يفيض بقصص الظلم والفساد والعدوان. إن المؤرخ ليصاب بيأس بالغ عندما يري أن أحداث التاريخ تتعارض تماما مع الضمير الإنساني.

ولنقتبس هنا بعض الأقوال:

فولتير: (إن التاريخ الإنساني ليس إلا صورة للجرائم والمصائب(93 ) ) .

هربرت سبنسر: (إن التاريخ تهريج ، وكلام فارغ لا جدوى منه) .

نابليون: (إن التاريخ بأكمله عنوان لقصة لا تعني شيئا) .

إدوارد جين: (إن تاريخ الإنسان لا يعدو أن يكون سجلا للجرائم ، والحماقة ، وخيبة الأمل) .

هيكل: (إن الدرس الوحيد الذي تعلمته الحكومة والشعب من مطالعة التاريخ هو أنهم لم يتعلموا من التاريخ شيئا(94 ) ) .

هل قامت مسرحية العالم كلها لتنتهي إلي كارثة أليمة؟ إن فطرتنا تقول: لا. . فدواعي العدالة والإنصاف في الضمير الإنساني تقتضي عدم حدوث هذا الإمكان ، لابد من يوم يميز بين الحق والباطل ، ولابد للظالم والمظلوم أن يجنيا ثمارها ، وهذا مطلب لا يمكن إقصاؤه من مقومات التاريخ ، كما لا يمكن إبعاده عن فطرة الإنسان.

إن هذا الفراغ الشاسع الذي يفصل ما بين الواقع والفطرة يقتضي ما يشغله ؛ فإن المسافة الهائلة بين (ما يحدث) و (ما ينبغي أن يحدث) تدل علي أن مسرحا آخر قد أعد للحياة ، وأنه لابد من ظهوره. فهذا الفراغ العظيم يدعو إلي تكميل الحياة. وإني لأتحير عندما يؤمن الناس بفلسفة الروائي الإنجليزي (هاردي) القائلة: بأن العالم مكان للظلم والوحشية ، ولكنني أصاب بحيرة أكبر عندما أري أن هذه الحالة البالغة السوء لا تقودهم إلي الإيمان بأن: ما ليس بموجود اليوم ويقتضيه العقل ، لابد من حدوثه غدا.

(إذا لم تكن هنالك قيامة فمن ذا الذي سوف يكسر رؤوس هؤلاء الطواغيت الطغاة؟ )

-كلمة كثيرا ما تخرج من شفتي مصحوبة بأنين مرير ، عندما أطالع الجرائد ، فجرائدنا صورة مصغرة أرض لم لما يحدث كل يوم علي الأرض ، والصورة التي تحملها الجرائد إلينا رهيبة . . إنها تتكلم عن الاغتيالات ، والخطف ، والنهب ، والاتهامات الكاذبة ، والتجارة السياسية ، والدعايات الباطلة التي تتلعب بالألفاظ . إن هذه الجرائد تخبرنا كيف نكل الحاكم الفلاني بمعارضيه الضعفاء ، باسم مصالح الأمة ، ودواعي الأمن القومي؟ ! وكيف سيطر ذلك الشعب علي يملكها طيلة التاريخ بقوة السلاح!! وليست هذه الجرائد إلا حكايات لمأساة الضعيف والقوي ، والسلطان والرعاع! !

هل خلق هذا العالم ليكون مسرحا للمآسي ، والشيطنة ، والهمجية والقرصنة ، ثم لا يلقي الظالم والمظلوم جزاءهما؟ ! إن عالما- من هذا القبيل- إعلان في حد ذاته عن أنه ناقص وهذا النقص في ذاته يقتضي ما يكمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت