فهرس الكتاب

الصفحة 969 من 3028

كان رفض المسلمين لقرار الرئيس الفرنسي أمرا مبررا للغاية، ربما جسدته بوضوح الرسالة التي أطلقتها الرابطة الفرنسية للمرأة المسلمة على شبكة الإنترنت للاحتجاج على هذا القرار، لقد قالت الجمعية في الرسالة:"إن الكل ينسى أن وراء الحجاب امرأة، مواطنة فرنسية مستقلة تضطر لمواجهة الضغوط السياسية رغما عنها. يطالبها الناس بأن تحارب من أجل الحرية، بينما يتم منعها من ارتداء شيء تعتبره جزءا من صميم عقيدتها وشخصيتها. يا من تنصبون أنفسكم حماة للديمقراطية والحرية، لماذا تجرمون من يريد ممارسة شعائر دينه كما ينبغي؟ وهل تكون محاربة خضوع المرأة عن طريق إجبارها على الرضوخ لقوانين مجحفة تحد من حريتها؟!".

خصوصية العلمانية الفرنسية

لكن يمكن إلى حد ما كذلك رد سبب رفض الفرنسيين للمظاهر الدينية ومن ضمنها الحجاب إلى أن مبدأ علمانية الدولة الفرنسية هو أول المبادئ التي ينص عليها الدستور الفرنسي، وما حرية ممارسة العقيدة والأنشطة الأساسية إلا نتائج له. لقد كان الهدف الأساسي لقانون فصل الدين عن الدولة فيما مضى هو منع وجود أي ديانة مميزة عن الأخرى حتى وإن كانت غالبية الفرنسيين تعتنقها، ولا يمكن فهم سبب القوة التي تتمتع بها العلمانية في فرنسا اليوم إلا بإلقاء نظرة قصيرة على التاريخ الديني الفرنسي الذي كان سببا في وجودها اليوم.

كانت الديانة المسيحية هي المحور الذي تم تأسيس الوحدة الفرنسية حوله منذ أكثر من ألف عام، وبدت فرنسا في وقت من الأوقات كما لو كانت الذراع اليمنى والطولى للكنيسة الكاثوليكية، بينما يرتكز ملوكها في حكمهم لها على حق إلهي صارم تؤيده الكنيسة، وهو ما جعل مصالح الدولة والكنيسة تتداخلان، وتصيران في خندق واحد دائما ضد كل محاولات الإصلاح الديني، خاصة تلك التي بدأت في منتصف القرن السادس عشر، عندما بدأ الإصلاحيون يرون أن الكنيسة هي دولة داخل الدولة، لها جيش مستقل بذاته هو"المؤمنون"؛ وهو ما جعل الحل الوحيد للخروج من سيطرتها هو اتباع كلمات المسيح نفسها التي تؤكد على ترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

ولم تأخذ هذه المحاولات الإصلاحية طريقها إلى التطبيق إلا مع قيام الثورة الفرنسية عام 1789، وإعلان حقوق الإنسان وحقوق المواطن وإعلان قيام الجمهورية الفرنسية بدلا من الملكية فيها. كل تلك الخطوات جاءت كي تقيم، وفقا لمبدأ المساواة، نوعا من التوافق بين الفرنسيين (كان أغلبهم لحظتها ينقسمون بين كاثوليك وبروتستانت ويهود) كي يندمجوا جميعا في الكيان الفرنسي الجديد.

وذلك هو أساس علمانية الدولة الفرنسية اليوم، ترتكز على حرية الفكر التي لا يحدها شيء، وعلى حرية العقيدة التي يمكن أن يحدها القانون لأسباب تتعلق بالأمن والنظام العام.

هذه النقطة الأخيرة بالذات هي التي لا يستطيع المسلمون في فرنسا تقبلها، ولا يستطيع الفرنسيون فهم سبب تعارضها مع الإسلام. يصر المسلمون على أن الحجاب جزء من التشريع الإلهي الذي لا يتجزأ، وأن القانون الإلهي فوق كل اعتبار، أما الفرنسيون فهم يتمسكون بدورهم بعلمانية دولتهم التي تؤكد على أن القانون الفرنسي هو صاحب أعلى سلطة على الأفراد، أعلى حتى من القوانين الدينية، بالتالي فلا بد -من وجهة النظر الفرنسية الرسمية- أن يرضخ المسلمون لأي قانون يمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة للدولة التي تخضع لقانونها العلماني، وإلا فإن رفضهم سيعد رفضا للاندماج في الكيان الفرنسي والإصرار على تشكيل كيان مستقل يرتكز على أسس دينية ويعيد إلى الأذهان فكرة"الدولة داخل الدولة"التي كانت تمثلها الكنيسة من قبل.

لم يكن صناع القرار الأخير الذي يقضي بمنع الحجاب وكل المظاهر الدينية الأخرى في المؤسسات العامة، غافلين عن التأثير الذي يمكن أن يحدثه هذا القرار. وقد نشرت مجلة"لوفيجارو"الأسبوعية الفرنسية تقريرا كاملا عن كواليس صياغة القرار الأخير الذي أعلنه شيراك، قرار كانت المشكلة الأساسية فيه هي وضع صياغة تؤكد علمانية الدولة، ولا يتم في الوقت نفسه تفسيره على أنه موجه ضد الحجاب وحده. وزير الداخلية نيكولا ساركوزي وافق على مضض على أن يكون هناك مشروع لذلك القانون بشرط أن يكون بأخف صيغة ممكنة، أما رئيس الحكومة الفرنسية جان بيير رافاران فلم يتحمس إطلاقا لفكرة القانون، وجاك شيراك نفسه كان يحسب بدقة كل المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها بسبب القانون واختار أقلها ضررا بالنسبة له، هي تمرير قانون يؤكد صرامة الدولة وعلمانيتها.

حسابات السياسة.. حاضرة

مراحل صناعة وصياغة ذلك القانون الجديد ترتبط كلها بالعملية الانتخابية في فرنسا، كل من اليسار واليمين يتصارعان على أصوات الناخبين، بينما يسعى شيراك إلى اجتذاب هذه الأصوات مع المحافظة على مبدأ توفيق كل الأوضاع حتى وإن كانت متعارضة؛ لذلك كانت أولى خطوات صناعة القانون الحالي هي صياغة نص بكلمات شديدة العمومية تؤكد على علمانية الدولة، وتمنح كل مؤسسة تعليمية الحق في تطبيق قواعدها الخاصة وممارسة نوع من الرقابة الذاتية على ما يحدث فيها، ثم جاءت المرحلة الثانية التي كان الأساس فيها هو منع ارتداء أي علامة دينية مميزة في مؤسسات الدولة مع عدم النص على أن الحجاب من ضمنها، وكانت ميزة هذه الصياغة غير الواضحة وهي أنها تصب في مصلحة اجتذاب أكبر عدد من الأصوات الانتخابية، تعطي الانطباع بأن الحكومة الفرنسية"تفعل شيئا"كي تطمئن الناخبين القلقين من تزايد نفوذ المسلمين في فرنسا، لكن من دون أن تفقد أصوات الناخبين الذين ينحدرون من أصول عربية أو إسلامية كذلك، تحافظ على المنطق الاشتراكي الذي يقود فرنسا دون الاصطدام بالمؤسسات الدينية الراسخة في الدولة، إلا أن مشكلة هذه الصياغة ظهرت أيضا بسبب عدم وضوحها، إذ وجد كل من يريدون استبعاد الفتيات المحجبات من المدارس أنفسهم في مأزق، بسبب عدم وجود نص صريح يعتبر الحجاب من العلامات الدينية الظاهرة.

لذلك لم يجد شيراك أمامه حلا آخر، فأعلن صراحة أن الحجاب من العلامات الدينية التي تتعارض مع علمانية الدولة، وأضاف إليه كلا من الصلبان الكبيرة والطاقية اليهودية تأكيدا لمبدأ المساواة، حتى وإن كانت في الظلم، أملا في أن تصبح في النهاية نوعا من العدل.

انحياز لـ"الهوية الثقافية"وليس لـ"العلمانية السياسية"

محمود سلطان*

كان للكاتب الراحل محمد جلال كشك - رحمه الله - في اشتباكه مع دعاة"حقوق المرأة"، في مصر، بعض الإضاءات التي لا نبالغ إن قلنا إنها أصابت كبد الحقيقة، فيما يتعلق بالجدل الدائر بشأن"الحجاب"سواء أكان - هذا الجدل - محتدما في العالم العربي، أو في غيره على نحو ما يحدث الآن في فرنسا.

أوضح كشك أن هناك ثمة علاقة مفترضة"بين الحجاب والدين"أو الانتساب الحضاري، بمعنى أن الحجاب إضافة إلى كونه فريضة دينية هو في واقع الحال رمز أو دلالة على الانتماء للإسلام ولثقافته القرآنية، ربما تكون هذه العلاقة، غير حاضرة في خاطر المحجبات، ولكنها حاضرة حضورا ملتهبا في تفكير المعارضين للحجاب. ومن ثم فإن الهدف ليس تعرية رأس الفتيات ولا تحرير المرأة من الحجاب بل"قطع رأس الإسلام"، على حسب قوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت