فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 3028

من الصعب تصنيف الاستشراق ضمن المذاهب الفكرية المعاصرة كالماسونية والبهائية أو غيرها رغم أن الموسوعات التي تصدر في العالم الإسلامي تصنفه ضمن هذا التصنيف كما أنها تصنفه ضمن وسائل الغزو الفكري. ولا بد أن لهذا الرأي بعض الوجاهة ولكن الحقيقة أن الاستشراق يمكن أن يشكل تيارًا فكريًا في جميع مجالات الحياة في العقيدة وفي اللغة وفي التاريخ وفي الاجتماع وفي السياسة وفي الاقتصاد. حتى إن كثيرًا من الذين يكتبون في العالم العربي لا يختلفون في منطلقاتهم عن الكتابات الغربية. ولعل من هذه التأثيرات أن وسائل الإعلام العربية تطلق باستمرار على الحركات الإسلامية أو الإسلاميين مصطلح الأصوليين أو الأصولية الإسلامية أو المتشددين وكأن وسائل الإعلام العربية الإسلامية إنما هي مرآة تعكس ما تكتبه الصحف ووسائل الإعلام الغربية.

ويمكننا أن نضيف إن ما قدمته السينما العربية لمحاربة الثوابت الإسلامية في الأسرة والأخلاق يتفوق بمئات المرات ما قدمته وسائل الإعلام الغربية فإن الأفلام الأمريكية مثلًا وبخاصة التي لا تترجم- قبل أن تظهر الشو تايم (Show Time ) التي تعتز بأنها تستطيع أن تنقل إلينا الفكرة والصورة معًا واستطاعت أن تتغلب على موضوع صعوبة قراءة الترجمة- لا يعد شيئًا مذكورًا مقابل ما قدمته السينما العربية أو وسائل الإعلام العربية الإسلامية من تشويه حقيقة الإسلام ومسلماته. ومن الموضوعات الأثيرة في وسائل الإعلام هذه موقف الإسلام من المرأة أو حقوقها، وكذلك قضية الإسلام والسياسة والعلمنة.

إننا بحاجة إلى أن نعرف الاستشراق القديم وكذلك الدراسات العربية والإسلامية والدراسات الإقليمية أو دراسات المناطق الموجودة في الغرب في الوقت الحاضر، ونحن بحاجة أكثر إلى أن نعرف الغرب معرفة وثيقة حتى نستطيع أن نحافظ على هويتنا في وجه التيارات الفكرية التي تستطيع وسائل الإعلام الغربية نشرها بما لديها من أجهزة قوية وإمكانات ضخمة.

فلعلنا في المستقبل لا تتوقف جهودنا على حضور المؤتمرات والندوات التي تعقد للحديث عن العالم العربي والإسلامي وقضاياه بل نشارك معهم في مؤتمراتهم وندواتهم التي تخص المجتمعات الغربية فنقدم لهم الاقتراحات والحلول فنكون بذلك قد انتقلنا إلى مرحلة جديدة في نقل الإسلام من الوضع الدفاعي إلى الوضع الذي جاء من أجله الإسلام ( ليخرج الله به من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد الأحد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.) فهل نحن فاعلون والحمد لله رب العالمين

د. سامي عطا حسن

جامعة آل البيت

[ملخص]

سلك العلماء في بيان وجوه إعجاز القرآن مسالك عديدة ، واتجهوا في البحث عنها وجهات مختلفة ، وقررجمهورهم أن القرآن الكريم معجز بذاته ، لا لسبب خارج عنه ، بينما قرر القائلون بالصرفة أن الاعجاز أمر خارج عن ذات القرآن ، فكان هذا البحث لبيان مضمون القول بالصرفة ، ودلالتها، وحجج القائلين بها وردود المعارضين لها .

الصرفة

دلالتهالدىالقائلين بها

وردود المعارضين لها

تمهيد:-

كان للقرآن الكريم - ولا يزال - مكان الصدارة في دراسات الباحثين ، فهو معجزة الرسول الخاتم - عليه الصلاة والسلام- ، والقانون المنظم للسلوك ، والمرشد إلى معالي الأمور.

وكان العرب حين نزول القرآن كأنما شدوا بأمراس كتان الى صم جندل ، فهم يسمعون القرآن ويعجبون به ، ويكادون يسجدون لفصاحته ، ويوقنون -يقين العارف الخبير- أنه ليس من قول البشر1 ، لقد كان الذوق العربي السليم يساعد أصحابه على إدراك الأساليب القرآنية في مخاطباته ، وكانت قدسية القرآن وعظمته مسيطرة على نفوسهم ، وكان الإقرار بالعجز عن الارتفاع إلى مستواه كامنا في النفوس . ومضى القرن الأول ، وتبعه القرن الثاني ، والعلماء لا يمسون نواحي إعجاز القرآن إلا مسا خفيفا، فلما كان القرن الثالث ، وبدأت السليقة العربية تفقد صفاءها ، وبدأت الثقافات المختلفة ، والفلسفات الهندية ، والفارسية ، واليونانية ، تتسلل إلى المجتمع الاسلامي ، اتسعت الخلافات المذهبية ، وتعددت النحل ، وتفرقت الأهواء والسبل ، واحتدمت المعارك ، وقويت الخصومة ، وعنف الجدل حول الآراء الكلامية ، وكان إعجاز القرآن أحد الميادين الكثيرة التي تبارت فيها الفحول ، وتصاولت في رحابها الوسيعة القروم ، وبدأ الحديث عن سبب عجز العرب عن الإتيان بمثل أقصر سورة من سور القرآن ، فبرز قول غريب في البصرة التي كانت تموج بالتيارات الفكرية المختلفة ، مفاده: أن إعجاز القرآن ليس لشيء ذاتي فيه ، وإنما هو لصرف الله تفكير العرب عن معارضته ، وهو القول الذي تبناه فيما بعد: ابراهيم بن سيار النظام ، أحد شيوخ المعتزلة في البصرة ، وعرف هذا القول فيما بعد بالصرفة ، عند ذلك عكف العلماء على دراسة كتاب الله بصورة علمية منظمة لاستجلاء مواطن الجمال في تعبيره الفني ، والأسرار البلاغية في بيانه المعجز2 ، فكان نتيجة لذلك مؤلفات في الإعجاز لها مكانتها ، كما كان من ذلك ثروة كبيرة من الأقوال المبسوطة في إعجاز القرآن تضمنتها كتب علم الكلام وعلم التفسير . ولا أريد في هذا البحث سرد وجوه إعجاز القرآن التي قال بها العلماء ، وإنما سألقي الضوء على قول ظنه بعض العلماء وجها من وجوه الإعجاز ، وهويقينا ليس منها ، وإن كان له كبير الأثر في نشأة علوم البلاغة ، وفي تأليف كتبها فيما بعد .

وقد قسمت هذا البحث إلى: تمهيد ، وستة مباحث ، وخاتمة:

المبحث الأول: بينت فيه معنى الصرفة لغة واصطلاحا .

المبحث الثاني: بينت فيه مصدر القول بالصرفة .

وفي المبحث الثالث: ذكرت القائلين بالصرفة من المعتزلة .

وفي المبحث الرابع: ذكرت القائلين بها من أهل السنة .

وفي المبحث الخامس: ذكرت القائلين بها من الشيعة الإمامية .

وخصصت المبحث السادس: لردود المعارضين للصرفة .

ثم بينت في الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها البحث .

والله أسأل أن أكون قد وفقت في العرض لهذا الموضوع .

المبحث الأول

معنى الصرفة لغة واصطلاحا

الصرفة لغة:على وزن فعلة- بفتح الفاء واللام وسكون العين-:رد الشيء عن وجهه ، يقال: صرفه يصرفه ، صرفا ، فانصرف ،وصارف نفسه عن الشيء:صرفها عنه . قال تعالى: (ثم انصرفوا ) 3 أي: رجعوا عن المكان الذي استمعوا منه ، وقيل:- انصرفوا عن العمل بشيء مما سمعوا . وقوله تعالى: - (صرف الله قلوبهم ) 4أي:- أضلهم الله مجازاة على فعلهم ، وصرفت الرجل عني فانصرف ).5

وتعني الصرفة في الاصطلاح: أن الله صرف همم العرب عن معارضة القرآن ، وكانت في مقدورهم ، لكن عاقهم عنها أمر خارجي ، فصار معجزة كسائر المعجزات ، ولو لم يصرفهم عن ذلك ، لجاءوا بمثله .6

وقد اختلف القائلون بالصرفة في بيان حقيقة ما يقصده هؤلاء بالصرفة ، فقالوا: إن الله سبحانه- لأجل إثبات التحدي -حال بين فصحاء العرب وبلغائهم ، وبين الإتيان بمثل القرآن بأحد الأمور الثلاثة التالية:-

1-صرف دواعيهم وهممهم عن القيام بالمعارضة ، فكلما هموا بها ، وجدوا في أنفسهم صارفا ودافعا يصرفهم عن منازلته في حلبة المعارضة ، ولم يكن ذلك لعدم قدرتهم عن الانصداع لهذا الأمر ، بل إن المقتضي فيهم كان تاما ، غير أن الدواعي والهمم صارت مصروفة عن الالتفات لهذا الأمر ، ولولا ذلك لأتوا بمثله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت