فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 3028

2-سلبهم - سبحانه - العلوم التي كانت العرب مالكة لها ومتجهزة بها ، وكانت كافية للإتيان بما يشاكل القرآن ، ولولا هذا السلب لأتوا بمثله .

3-إنهم كانوا قادرين على المعارضة ، ومجهزين بالعلوم اللازمة لها ، ولكن الله منعهم بالإلجاء على جهة القسر من المعارضة ، مع كونهم قادرين ، فتقهقروا في حلبة المعارضة لغلبة القوة الإلهية على قواهم.7

وقد بين جمهور العلماء ، أن الصرفة بكل صورها ، تسلب الإعجاز الذاتي للقرآن ، وأنها وهم ذهب إليه خيال القائلين بها ، دون سند ، أو دليل .

المبحث الثاني

مصدر القول بالصرفة

يعزى القول بالصرفة عند كثير من الباحثين، إلى أنه من التيارات التي وفدت علينا من الخارج ، وأن بعض المتفلسفين من علماء الكلام ، وقفوا على أقوال البراهمة في كتابهم الفيدا8 ، وهو يشتمل على مجموعة من الأشعار ، ليس في كلام الناس ما يماثلها

-في زعمهم -، بل يقول خاصتهم: إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله ، لأن

-براهما-9صرفهم عن أن يأتوا بمثلها ، يقول-أبو الريحان البيروني ( ت سنة 430هـ) في كتابه - ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة - ما نصه: ( إن خاصتهم يقولون إن في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها ، ولكنهم ممنوعون عن ذلك احتراما لها ) 10 ، والظاهر أن هذه الفكرة قد وفدت للساحة الفكرية الإسلامية ، عندما ترجمت الفلسفات الهندية في عهد - أبي جعفر المنصور- 11 ومن جاء بعده من حكام بني العباس ، فتلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار، ويركنون إلى الإغراب في أقوالهم ، هذه الفكرة الغريبة الوافدة، ودفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا هذا القول ويطبقوه على القرآن، - وإن كان لا ينطبق- ، فقال قائلهم: إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ، ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ، ونسجه ونظمه ، بل كان لأن الله تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله .) 12

ومما يؤيد احتمال كون فكرة - الصرفة - من التيارات الفكرية الوافدة ، ما ذكره الجاحظ- في كتابه البخلاء -من صور هذا الغزو الفكري الذي بدأ يتسرب إلي ديار المسلمين في صدر العصر العباسي ، منذ أن اتخذ أبو جعفر المنصور - الطبيب جورجيس بن بختيشوع - طبيبا خاصا له ، قال الجاحظ: ( إن طبيبا عربيا مسلما يدعى- أسد بن حاني - كسدت حاله مرة ، فقال له قائل: السنة وبيئة - - أي: كثيرة الأوبئة - والأمراض فاشية ، وأنت عالم ، ولك صبر وخدمة ، ولك بيان ومعرفة ، فمن أين يأتيك الكساد ؟ قال: أما واحدة فإني عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب ، بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب ، واسمي أسد ، وكان ينبغي أن يكون اسمي: صليبا أو يوحنا ، وكنيتي: أبو الحارث ، وكان ينبغي أن يكون: أبو عيسى ، أوأبو زكريا ، أو أبو ابراهيم ، وعلي رداء قطن أبيض ، وكان ينبغي أن يكون علي رداء حرير أسود . ولفظي عربي ، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل - جند يسابور- ) 13 ، وهذه الرواية إن دلت على تسامح المسلمين ، وبعدهم عن التعصب الذي يرميهم أعداؤهم به ظلما وعدوانا، فهي تدل كذلك على تسلل الغزو الفكري ، حتى استمكن وتوطن في عصر كانت الدولة الإسلامية رافعة أعلام عزها ، وباسطة سلطان مجدها .

وقد أ لمح الدكتور أحمد فؤاد الأهواني إلى أسباب هذا الغزو الفكري فقال: ( كان معظم المشتغلين بالعلم والفلسفة نصارى ، وصابئة ، وكان من الطبيعي أن يعنى بالفلسفة أولئك الذين كانوا من المشتغلين بها قبل دخولهم في الإسلام ، وكان أغلبهم من السريان ، والصابئة ، ولقد كتب كثير من اليهود ، والنصارى ، والصابئة، مؤلفات باللسان العربي ، بعد انتشار الإسلام ، واستقرار قواعد الدولة الإسلامية .) 14 فلا غرابة في انتقال قول البراهمة في كتابهم المقدس - الفيدا - ، إلى بعض المسلمين ، عن طريق المشتغلين بالفلسفة ، أو الذين يتلقفون كل وافد من الأفكار ، ومنها فكرة الصرفة .

وقد خالف الدكتور أحمد أبو زيد كثيرا من الباحثين حين قال: ( فإيراد قضية إعجاز القرآن في سياق هذا البحث المتعلق بالصرفة ، وفي معرض الرد على الدهريين ، يفيد بأن هذه النظرية إنما وضعت للدفاع عن القرآن ، وتنزيهه عن مطاعن الملحدين . ) 15 فهو يرى بأن المعتزلة وضعت هذه النظرية للدفاع عن القرآن ، ولا ينكر أحد دور المعتزلة في الدفاع عن القرآن ، وبيان إعجازه ، وأسراره البيانية ، إلا أن عدم اتفاقهم علىمفهوم واحد لنظرية الصرفة ، يدل على أنها لم تصدر عن عقيدتهم في كلام الله ، وفي خلق القرآن ، لذا أميل إلى ما ذكره كل من البيروني، والبغدادي ، والشهرستاني ، من أقوال - ذكرت بعضها وسأذكر بعضها الآخر - تبين مصدرها الخارجي ، وإن نشأت وترعرعت في بيئة الإعتزال .

ولأن رواج نظرية - الصرفة- ، يؤدي إلى أن القرآن الكريم ليس في درجة من الفصاحة والبلاغة تمنع محاكاته ، وتعجز القدرة البشرية عن أن تأتي بمثله .

المبحث الثالث

القائلون بالصرفة من المعتزلة

نبت القول بالصرفة أول ما نبت في رواق الفلسفة الكلامية ، قاله شيخ من شيوخها وهو

النظام: ( ابراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري ت سنة 221هـ) ، فهو أول من جاهر

به ، وأعلنه ودعا إليه ، ولاحى عنه، كأنه مسألة من مسائل علم الكلام ، ونقول إنه أول من

جهر به ، ولا نقول إنه أول من فكر فيه ، أو أول من ابتدأ القول به ، لأن الأفكار لا يعرف

ابتداؤها وهي تتكون في خلاياها ، بل لا تعرف إلا بعد أن تظهر ، ويجاهر بها . 16

تتلمذ على خاله أبي الهذيل العلاف في الاعتزال، ثم انفرد عنه ، وكون مذهبا خاصا به ، مات في ريعان شبابه عن ست وثلاثين عاما ، وكان أستاذا - للجاحظ - 17، ترجم له أبو منصورعبد القاهر البغدادي ( ت 424هـ) - في كتابه: ( الفرق بين الفرق ) ، عند ذكره الفرقة النظامية ، فقال: ( عاشر النظام في شبابه قوما من الثنوية 18 وقوما من السمنية 19، وخالط قوما من ملاحدة الفلاسفة ، ثم دون مذاهب الثنوية ، وبدع الفلاسفة ، وشبه الملاحدة في دين الإسلام، وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات ، ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف ، فأنكر إعجاز القرآن في نظمه) . ثم قال: ( والفضيحة الخامسة عشرة من فضائحه - أي النظام: أن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ، ليست بمعجزة للنبي - عليه الصلاة والسلام - ولا دالة على صدقه في دعواه النبوة ، وإنما وجه الدلالة منه على صدقه ، ما فيه من الإخبار بالغيوب ، فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته ، فإن العباد قادرون على مثله ، وعلى ما هو أحسن منه في النظم ، والتأليف ) 20

وترجم له الشهرستاني (أبو الفتح محمد بن عبد الكريم ت 548هـ ) فقال:-

( والنظامية أصحاب ابراهيم بن سيار بن هانئ النظام ، طالع ابراهيم كثيرا من كتب الفلاسفة ، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة ، وانفرد عن أصحابه بمسائل منها: قوله في إعجاز القرآن: إنه من حيث إخباره عن الأمور الماضية ، والآتية ، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة ، ومنع العرب من الاهتمام به جبرا ، وتعجيزا ، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله ، بلاغة ، وفصاحة ، ونظما .) 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت