فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 3028

فالنظام - إذن - يرى: أن الله قد صرف أوهام العرب عن معارضة القرآن ، أوعن القدرة على الإتيان بمثله ، فانصرفوا عن ذلك ، وتعذرت عليهم المعارضة ، لا لأن القرآن في حد ذاته خارج عن طوق البشر، أو خارقا لمقدرتهم ، ومألوف عادتهم ، فهو في ذلك لا يتفوق على البليغ الفصيح من كلام العرب ، ولا تكاد تكون له مزية أو فضل في ذلك ، ولو ترك لهم المجال ، وأفسح أمامهم الطريق ، لأتوا بمثل القرآن فصاحة ، وبلاغة ، وحسن نظم وتأليف . وقد تابع - النظام- على رأيه هذا نفر من المعتزلة ، منهم: عيسى بن صبح المكنى بأبي موسى المردار22 ، الذي نسب إليه القول بأن: (الناس قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، وبما هو أفصح منه.) 23، وعباد بن سليمان 24، وهشام الفوطي 25 وأبي اسحق النصيبي 26وغيرهم . ولهذه الآراء الشاذة ، والمعتقدات الباطلة ، نص كثير من العلماء ، - -- ومن المعتزلة أنفسهم - ، على تكفير النظام ، وفرقته .

ومع أن مفهوم - الصرفة - نشأ في البيئة الاعتزالية بادئ بدء ، إلا أن ذلك لا يعني أن مفهومها عندهم جميعا كان واحدا ، بل كان لها ثلاثة مفاهيم ، هي:-

1.المفهوم النظامي للصرفة الذي ينفي عن القرآن الإعجاز ، ويجعله في مستوى الكلام البليغ الذي استحسنته العرب ، وحظي عندها ، ولا فضل للقرآن في ذلك على غيره ، وكان باستطاعة العرب الإتيان بمثله ، لولا أنهم صرفوا مقهورين بقوة خارجة عنهم ، لا طاقة لهم على دفعها . وهو رأي مرفوض لا يعتد به ، ولا يؤبه له - كما سأبين - . وقد كانت رؤوس المعتزلة أول من رفضه ، ورده ، ولم يتابعه عليه إلا شرذمة قليلة منهم .

يقول الجاحظ (ت 255هـ ) مفندا قول النظام ، حيث قال مخاطبا أحمد بن أبي دؤاد 27

( ت 240 هـ) :- ( فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي ، وبلغت أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن ، والرد علىالطعان ، فلم أدع فيه مسألة لرافضي، ولا لحديثي ، ولا لحشوي ، ولا لكافر مباد ، ولا لمنافق مقموع ، ولا لأصحاب النظام ، ولمن نجم بعد النظام ، ممن يزعم أن القرآن حق ، وليس تأليفه بحجة ، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة.) 28 ، فواضح من هذا النص أن النظام لو كان يعترف ولو ضمنيا بأن نظم القرآن وتأليفه معجز ، لكان الجاحظ أول من يعرف ذلك ، ولما تصدى لنقض صرفة النظام وردها ، وإذن فمفهوم الصرفة لدى النظام ، وأصحابه ، ليس مجرد شعور بالعجز ، وانصراف تلقائي ، وإنما مفهومها أن الناس كانوا قادرين على مثل القرآن ، لولا أن منعهم الله بمنع وعجز أحدثهما فيهم ، لذلك لم يجد هذا المفهوم قبولا من الجاحظ ، فاستنكره وتصدى لنقضه، ورده ، واستنكره أيضا جمهور المسلمين ، وردوا عليه ردودا منطقية مقنعة .

منها: ما رد به الفخر الرازي ( ت 606 هـ) حيث قال-:( قال النظام: إن الله تعالى ما أنزل القرآن ليؤيد به النبوة ، بل هو كتاب مثل سائر الكتب المنزلة ، لبيان الأحكام من الحلال والحرام ، وإنما لم يعارضه العرب ، لأن الله صرفهم عن ذلك وسلب دواعيهم عن الاعتراض ، ويدل على فساد ذلك وجوه ثلاثة:-

الأول:- لو أن الله صرفهم عن المعارضة ، وأعجزهم عنها، بعد أن كانوا قادرين عليها ، لما استعظموا فصاحة القرآن ، بل العكس هو الصحيح ، وهو أنه يجب أن يكون تعجبهم من تعذرمعارضة القرآن ، بعد أن كانوا قادرين على المعارضة ، وهذا يبطل ما قاله النظام .

الثاني:- أن كلامهم قبل التحدي لم يكن مقاربا لفصاحة القرآن ، ولو كان كذلك ، لوجب أن يعارضوه بذلك ، ولكن الفرق بين كلامهم بعد التحدي وكلامهم قبله ، كالفرق بين كلامهم بعد التحدي وبين القرآن ، مما يبطل هذه الدعوى .

الثالث:- ليس من المعقول أن ينسى العرب الفصحاء أساليبهم وصيغهم المعلومة في مدة يسيرة ، لأن ذلك يدل على زوال العقل ، ومعلوم أن العرب ما زالوا يحتفظون بعقولهم بعد التحدي ، فبطل ما قاله النظام .)29

2 -المفهوم الثاني للصرفة: - الذي عرف في البيئة الاعتزالية ، هو مفهوم

* الجاحظ ، والرماني- لها ، وهو مفهوم لا يقدح في بلاغة القرآن ، ولا ينكر تفوقه ، بل هو يقر بهذا الإعجاز ، ويعترف به ، ويحس أن ما جاء به القرآن الكريم خارج عن طوق البشر ومقدورهم ، فالصرفة عند الجاحظ ضرب من التدبير الإلهي ، والعناية الربانية ، جاءت لمصلحة المسلمين . 30حتى يحفظ القرآن من عبث العابثين ، وتشكيك المشككين ، الذين يمكنهم أن يخدعوا الناس ، ويزوروا أمامهم الحقائق ، وقد صرف الله نفوس القوم عن معارضة القرآن ، لا لأنهم قادرون على مثله والله منعهم من ذلك كما قال - النظام - ، ولكن لئلا يكون لأهل الشغب وضعاف الإيمان متعلق للطعن والتشكيك ، وإفساد عقائد ذوي النفوس المريضة ، يقول الجاحظ: ( ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب ، وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن ، بعد أن تحداهم بنظمه ، ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه ، ولو طمع فيه لتكلفه ، ولو تكلف بعضهم ذلك، فجاء بأمر فيه أدنى شبهة ، لعظمت القضية على الأعراب ، وأشباه الأعراب ، والنساء، وأشباه النساء ، ولألقى ذلك للمسلمين عملا ، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب ، ولكثر القيل والقال ) 31. ويذكر الجاحظ هذا المفهوم للصرفة في موضع آخر من كتابه الحيوان ، فيقول:- ( وذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن ، ولم يأتوا به مضطربا، ولا ملفقا ، ولا مستكرها ، إذ كان في ذلك لأهل الشغب متعلق ) 32.

ومن الواضح أن الصرفة عند الجاحظ بمفهومها هذا ، لا ينفي عن القرآن روعته البلاغية ، ودرجته العالية في سلم الفصاحة، والبيان ، وقد أكد الجاحظ هذه الحقيقة أكثر من مرة ، فذهب الى أن وجه الإعجاز في القرآن ، إنما هوالنظم والتأليف ، وأن القرآن الكريم بلغ القمة في روعة نظمه ، والذروة العظمى من البلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيبهم ، وتقاصرت عنها درجات بلاغتهم ، وقال واصفا بيان القرآن: ( وعبت كتابي في خلق القرآن ، كما عبت كتابي في الرد على المشبهة ، وعبت كتابي في أصول الفتيا والأحكام ، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن ، وغريب تأليفه ، وبديع تركيبه .) 33 . فهناك فرق بين مفهومي النظام ، والجاحظ للصرفة ، فالنظام: يرى قدرة المنشئين على أن ينظموا مثل القرآن ، والإعجاز في صرف الله لهم عن هذا الصنيع . أما الجاحظ: فلم يستعمل الصرفة بمفهومها النظامي الذي سبق أن أنكره عليه ، وإنما استعملها بمفهوم آخر ، لا يتنافى والقول بإعجاز القرآن بالنظم . فانصراف العرب عن معارضة القرآن ، إنما وقع بعد أن تحداهم الرسول

_ صلى الله عليه وسلم - - بنظمه ، وهي لذلك ليست تعني أن الله أحدث فيهم منعا ، وعجزا ، وإنما تعني أن له تعالى تدبيرا ، حفظ به القرآن من شغب المعاندين ، فصرف أوهامهم ونفوسهم ، عن كل محاولة لمعارضة القرآن ، لما قد يدخل بذلك من الشبه على ضعاف العقول ، ولما قد ينشأ عنه من الفتنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت