ومما يدل على أن الجاحظ لم يكن يحس بأي تعارض بين الصرفة بهذا المفهوم وبين نظرية النظم ، أنه جمع بين النظريتين في مكان واحد ، فبعد أن انتهى من تقرير مبدأ الصرفة ، قال: ( وفي كتابنا المنزل الذي يدل على أنه صدق ، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد ، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به ) 34. فكلام الجاحظ ينص على أن الذي أعجز العرب ، هو نظم القرآن البديع ، وأن النظم هو الذي تحداهم به الرسول - - صلى الله عليه وسلم - . أما حديثه عن صرف الله لهمم العرب عن محاولة محاكاته ، فهو يبرز معنى فيه منة امتن الله بها على المسلمين ، حين لم يتكلف بعض المتكلفين معارضة القرآن ، ولو فعل ذلك بعضهم ، فليس المخوف عندئذ أن يأتي بكلام من مثله ، فذلك مستحيل بنص كلام الجاحظ السابق ، ولكن المخوف هو أن يأتي بكلام ينخدع به بعض الضعفاء ، ويتعلقون به ، كما تعلق أصحاب مسيلمة بما ألفه لهم من هراء ، وعندئذ يحدث ما يشوش على القرآن ، عندما يوجد من يستجيد ما ادعي أنه معارضة له ، فيدافع عنه ، ويزعم أنه قد عارض ، وقابل ، وناقض ، فيكثر القيل والقال ، فكان هذا التدبير الإلهي ، لئلا يكون لأهل الشغب متعلق يتعلقون به .35 فلم يكن إذن تناقض ، أو اضطراب في رأي الجاحظ ، في إعجاز القرآن
-على حد قول الأستاذ نعيم الحمصي 36 ، أوالإمام مصطفى صادق الرافعي 37 - بل هو في نظره رأي مستقيم ، ونظرية سليمة 38، لأن علة العجز في نظره - أي الجاحظ - كائنة في نظام الكلام ، ومخرجه من لفظه وطابعه ، وأن العرب قد تبين لهم ذلك واستيقنوه ، وأنهم عجزوا عجز من يعرف علة عجزه ، وليس عجز المتحير المصروف . 39
والصرفة عند الرماني ( أبو الحسن بن عيسى بن علي بن عبد الله ت 384هـ ) :- تشبه الصرفة عند الجاحظ ، فهي لا تقدح في بلاغة القرآن ، وحسن تأليفه ، فقد ذكر الرماني أن القرآن في أعلى مراتب البيان ، ولا يدانيه شيء من كلام فصحاء العرب ، وبلاغييهم ،
فهو مقتنع بإعجاز البلاغة القرآنية ، التي لولاها لجاءوا بمثله.
يقول الرماني:- (وأما الصرفة: فهي صرف الهمم عن المعارضة ، وعلى ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم ، في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة ، وذلك خارج عن العادة ، كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة ، وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز ، التي يظهر منها للعقول .) 40
3-وأما المفهوم الثالث للصرفة عند المعتزلة ، فهو: مفهوم القاضي عبد الجبار
(قاضي القضاة أبوالحسن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمداني ت415هـ ) وقد خالف فيه جميع من تقدموه ممن تحدثوا عنها ، ولم يرض عن تفسيراتهم ، فقد أبعد مفهوم الجبرية ، الذي ساد في حديث - النظام - والجاحظ- والرماني - عنها ، لأنها كانت عندهم جميعا ، شيئا خارجا عن إرادة القوم ، مجبورين عليها جبرا 41.
وقدم بين يدي ذلك أدلة منها:-
( أولا:- لوكانوا ممنوعين من الإتيان بكلام فصيح ، أو قول بليغ ، لكان ذلك لا يختص بكلام دون كلام ، وأنه لو حصل ذلك في ألسنتهم ، لما أمكنهم الكلام المعتاد ، ولكن القوم ظلوا يتكلمون ، ويأتون بالقول الفني الممتاز ، ولم ينحدر مستوى بيانهم ، أو يهبط ، ولكنه كان
-على علوه - ، لا يرقى الى مستوى القرآن .
ثانيا: - ولو ثبت هذا المنع ، لكان في حد ذاته هو المعجز، وليس القرآن ، فإن من سلك هذا المسلك في القرآن ، يلزمه أن لا يجعل له مزية ألبتة .
ثالثا: - ولو ثبت هذا المنع بأية صورة من صوره ، لبطل بعض القرآن ، ولما كان صحيحا قوله تعالى:- ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) .42
رابعا: - القول بالصرفة يتعارض مع الآية السابقة ، لأنه لا يقال في الجماعة إذا امتنع عليها الشيء: إن بعضها يكون ظهيرا لبعض ، لأن المعاونة، والمظاهرة ،إنما تمكن مع القدرة ، ولا تصح مع العجز ، والمنع .) 43. وبعد أن قدم - القاضي عبد الجبار- هذه الأدلة التي نقض بها مفهوم من تقدموه عن - الصرفة -، توصل القاضي الى مفهوم جديد للصرفة ، وهو في هذه المرة يرتبط بالقوم أنفسهم ، وليس شيئا خارجا عنهم ، أو مفروضا عليهم فرضا ، وهذا المفهوم هو: - ( أن دواعيهم انصرفت عن المعارضة ، لعلمهم بأنها غير ممكنة ، على ما دللنا عليه ، ولولا علمهم بذلك ، لم تكن لتنصرف دواعيهم ، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعا لمعرفتهم بأنها متعذرة ..) 44. فهي صرفة تشبه اليأس الذي يعتري الانسان من أمر ما حاوله عدة مرات ، وكان يمنى كل مرة بالإخفاق الذريع ، فإذا بعزيمته تتثبط ، وهمته تنهار ، وذلك كان شأن القوم مع القرآن ، فلم يكن تركهم للمعارضة لأمر خارجي ، وإنما لإحساسهم باليأس ، وتيقنهم من العجز عن الإتيان بمثل القرآن ، ثم ينهي- القاضي-حديثه عن مفهومه للصرفة ، فيقول:- ( فالصحيح ما قلناه ، من أنهم علموا بالعادة تعذر مثله ، فصار علمهم صرفا عن المعارضة .) 45. فالصرفة بهذا المفهوم الجديد عند القاضي عبد الجبار ، ليست تلك الصرفة التي عند النظام ، أو الجاحظ ، والتي تعني: القهر ، والجبر ، إنما هي صرفة ذاتية ، فهم أدركوا بالفطرة ، أن أسلوب القرآن في علوه وسموه ، وروعة نظمه وبيانه ، لا يمكن مجاراته ، ومعارضته ، فانصرفوا ذاتيا بلا قهر، أو جبر من قوة خارجية عن المعارضة ، اقتناعا منهم ويقينا بالعجز، أي أن العقل فكر وجرب ، ثم اقتنع بأن إدراكاته التي وصل إليها، تمنعه من الإتيان بمثل هذا القرآن ، فالأمر في الحقيقة: انصراف ، وليس صرفة .46
المبحث الرابع
القائلون بالصرفة من أهل السنة
قد يستغرب كثيرمن الباحثين عندما يقرأ أن بعض كبار علماء أهل السنة يقولون بالصرفة بمفهوميها النظامي ، أوالجاحظي ، يقول الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم ( ت548هـ ) أثناء حديثه عن أبي الحسن الأشعري: - ( والقرآن عنده معجز من حيث البلاغة ، والنظم ، والفصاحة ، إذ خير العرب بين السيف وبين المعارضة ، فاختاروا أشد القسمين اختيار عجز عن المقابلة ، ومن أصحابه من اعتقد أن الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي ، وهو المنع من المعتاد ) 47 .
وقال الشيخ السفاريني: محمد بن أحمد ( 1189هـ) : - ( وفي شفاء أبي الفضل القاضي عياض بعض ميل للقول بالصرفة ، فإنه قال: وذهب الشيخ أبو الحسن( الأشعري - ) إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله عليه ، ولكنه لم يكن هذا ، ولا يكون ، فمنعهم الله هذا ، وعجزهم عنه .) 48
ومن علماء أهل السنة من يقول بالصرفة -على سيل الفرض والاحتمال-: كالرازي، وابن كثير ، ومنهم من عدها وجها من وجوه الإعجاز ، مثل:- الاسفراييني ، والراغب الأصفهاني ، والماوردي، وابن حزم الأندلسي الظاهري ، وإمام الحرمين ، والغزالي .
ومنهم من تضاربت أقواله بين القول بالصرفة ، أو نفيها، مثل: ابن تيمية ، وابن القيم .