الذي لا شك فيه أن هذه الأحداث لم تخل من إيجابيات لا ينبغي أن نغفل عنها في خضم تأملنا لمأساة الشعب العراقي ومأساتنا معه، وأهم هذه الإيجابيات على الإطلاق هي خلاص الشعب العراقي والأمة بكاملها من أحد أعتى النظم الديكتاتورية التي عرفتها في تاريخها الحديث، لم يكن صدام حسين والبعث مجرد حكومة مستبدة وظالمة، بل كانت كارثة على العراق والعرب والمسلمين، ولنكن صرحاء، فإن صدام حسين وزمرته كان من المستحيل نزعهم من العراق والمنطقة إلا بهذه الطريقة، رغم كراهيتنا البدهية له، فقد تمكن هذا الطاغية مع ولديه وزمرته من نشب أظافر الجبروت في الجسد العراقي بصورة مخيفة ومروعة، وكان العجز الشعبي عن التغيير واضحا على مدار السنين والمحاولات، وبعض هذا العجز كان بتواطؤ قوى غربية مع نظام صدام ، بمن فيهم الولايات المتحدة، التي طالما تواطأت معه ضد شعبه وجيرانه، إن خلع صدام من أرض العراق هو حدث إيجابي كبير، يمكن للأمة وللشعب العراقي ـ لو عزمنا وأحسنا التصرف ـ أن نجعله بداية نهار جديد في العراق يعيده مركز إشعاع علمي وديني وثقافي وحضاري للأمة جميعا، وحتى إذا عجزنا على المستوى السياسي لسنوات مقبلة بفعل الاحتلال الأجنبي والهيمنة الأمريكية، إلا أن مساحات كبيرة من العمل الأهلي والتربوي والدعوي والثقافي والخيري، يمكن أن تغير وجه العراق، وتعيد بناءه إنسانيا من جديد، فهل نحن فاعلون؟ .
أيضا من إيجابيات هذا الحدث هو تحول الولايات المتحدة إلى"منبوذ"العالم الأكبر، على مستوى الشعوب وعلى مستوى الحكومات، ولقد أصبحت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها تواجه عزلة عالمية مذهلة، صحيح أن الإدارة اليمينية المتعصبة الآن تحاول تجاهلها، إلا أن هذا لا يغير ما يراه العالم كله، وهناك قناعة الآن بأن أمريكا تشكل خطرا على السلام العالمي، وتمثل إدارتها اليمينية المتطرفة الحالية كارثة على مستقبل الإنسانية كلها، وهذا مكسب مهم تتعدد أبعاده، وتتعدد السبل والوسائل والاتجاهات التي يمكن الإفادة منها لصالح قضايانا المصيرية .
جمال سلطان 28/2/1424
معالم مستقبلية:
في استشراف معالم المستقبل ، يكون من الصعوبة بمكان وضع تصور محدد لها ، لأن الحالة ما زالت متحركة وغير واضحة المعالم ، ولكن هناك إشارات متعددة يمكن منها استخلاص بعض هذه المعالم التي هي في طور التشكل ، الإشارة الأولى: هي بداية ظهور ما يمكن تسميته بالمستنقع العراقي الذي ستتورط فيه الحكومة الأمريكية ، وذلك من خلال عمليات عسكرية متقطعة تمثل حرب استنزاف ، اعترفت بها القيادة العسكرية لقوات الاحتلال ، وسط العديد من القتلى والجرحى على مدار الأيام التي أعقبت إعلان انتهاء المواجهات العسكرية الكبرى ، وهذا التطور من شأنه أن يبلور مع الوقت نواة لحركة مقاومة عراقية منظمة ستحيل الوجود الأمريكي هناك إلى جحيم لا يطاق ، وربما كان في الطلب المفاجئ الذي وجهته الإدارة الأمريكية إلى أكثر من ستين دولة في العالم لإرسال قوات لحماية الأمن الداخلي في العراق مؤشر على استشعار الإدارة الأمريكية للصعوبات التي بدت بوادرها في العراق ، ومن أسف أن بعض الدول العربية أبدت استعدادها للمشاركة ؛ كقوات شرطة تحت القيادة الأمريكية .
الإشارة الثانية: هي تبلور وعي شعبي سريع ومفاجئ لدى الشعب العراقي بخطورة الوضع الجديد والإملاءات الأمريكية الفجة في التعيينات الإدارية الجديدة ، وهو الأمر الذي تجلى في تظاهرات عنيفة تحولت إلى مأساة حينما فتحت القوات الأمريكية النار على المتظاهرين فقتلت وأصابت العشرات ، بما يعني أن الأمريكيين بدؤوا يمارسون نفس الدور القمعي الإرهابي الذي كان يمارسه (صدام حسين) ضد شعبه ، وهذا الوضع يؤسس لحشد نفسي شعبي متزايد ضد الوجود الأمريكي يجعل من استمراريته في العراق أمرًا مشكوكًا فيه .
الإشارة الثالثة: هي في الإحراجات التي حاصرت المعارضة العراقية القادمة من الخارج مع الدبابات الأمريكية ، وهي إحراجات دفعت بعض رموزهم"مثل )أحمد الشلبي("إلى إعلان استنكارهم لأي وجود مستقبلي طويل للقوات الأمريكية في العراق ، وهذه التصريحات تكررت عبر آخرين من المعارضة الخارجية ، وسواء قيلت على سبيل النفاق للحالة الشعبية أو كان إدراكا حقيقيا ؛ إلا أن المحصلة واحدة في الحالتين، وهي إدراك القوى السياسية الجديدة أن الوجود الأجنبي مستحيل الاستقرار في العراق الجديد ، وهذا الأمر مرشح لتفجير المزيد من التوترات بين القوى السياسية ـ حتى المتأمركة ـ وبين قوات الاحتلال .
الإشارة الرابعة: وتتمثل في التسريبات الصحفية المتزايدة ، وأخطرها من الصحافة الروسية ، عن بعض تفاصيل الصفقة الإجرامية بين الإدارة الأمريكية وبين (صدام) وزمرته، والتي أشرف عليها السفير الروسي في بغداد وقضت بتسليم (صدام) للعاصمة بدون قتال مقابل ضمانات بتوفير ممر آمن له ولأعضاء حكومته وأسرته للخروج إلى دولة مجاورة ، ومنها إلى روسيا ، مع ضمانات بعدم الملاحقة الأمنية والمالية ، وهي الصفقة التي يتزايد رسوخها الآن في الأوساط السياسية والإعلامية رغم الدجل الأمريكي بالإعلان عن مكافأة لمن يدلي بمعلومات عن (صدام) والقيادة الهاربة ،أو التسريبات السخيفة عن رؤية (صدام) في أحد مساجد بغداد، أو مشاهدة آخرين له في بعض أحيائها ، فكل ذلك محاولات دؤوبة للتغطية على"الفضيحة"التي سوف تحرم الأمريكيين من بهجة انتصارهم ، وتصمهم بالتواطؤ المشين مع الطاغية، الذي زعموا أنهم جاؤوا لمعاقبته وتحرير شعب العراق منه ، بينما هم دمروا العراق وشعبه، ثم كافؤوه بضمان خروجه بما اغتصبه من مال الشعب، وتحصينه من المحاكمة على جرائمه ضد شعبه ، وهذه"الصفقة"سوف تزيد من مستوى الكراهية التي ستتصاعد لدى الشعب العراقي ضد قوات الاحتلال، الذي سيكتشف أنها تآمرت عليه مع (صدام) وزبانيته .
انعكاسات الوضع الجديد في المنطقة