فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 3028

قد يحاول بعضنا الآن أن يقول: إنه لم يكن يدافع عن صدام وإنما عن العراق وأرض الإسلام، وربما كان فينا ذلك الرجل، ولكن ما عايشناه وخبرناه -حتى من نخبة من أهل العلم- كان غير ذلك، لقد خدعنا، ثم باعنا الطاغية وباع بلاده وحضارتها لقوات الاحتلال مقابل أن ينجو بأولاده وعصابته والمليارات التي نهبها، في تواطؤ فاضح مع قوات الاحتلال التي ما زالت تزعم ـ للتعمية ـ أنها تبحث عن صدام ومن معه !!، ولو كنا جادين ومبادرين في وقوفنا مع العراق الشعب والحضارة، لكنا وقفنا ـ مبكرا ـ ضد هذا الطغيان، وأعلنا راية الجهاد ـ ولو باللسان ـ ضد القمع والاستبداد، ولكنا ـ نحن الإسلاميين ـ كنا في شغل آخر، نبحث في زلات سيد قطب، وغرائب الألباني، وهفوات بن باز، وعجائب القرضاوي، وأصبح الواحد منا أستاذ عصره في الجرح والتعديل، وملأنا الدنيا ضجيجا فارغا على هذا النحو، ونسينا رسالتنا الحقيقية، والأمانة التي لا تغادر عنق أي واحد منا، لم ننصر مستضعفا، ولم نضرب على يد طاغية ، ولم نرفع راية الحرية، ولم نتقدم طليعة أمة نحو الكرامة الإنسانية التي قررها الحق -تبارك وتعالى- في كتابه"ولقد كرمنا بني آدم"، وأنا هنا أتحدث عن مجمل الحالة وليس عن استثناءات مشرفة هنا أو هناك، لقد تركنا مساحات كبيرة من الفراغ فيما هو خطير وحال، بينما أضعنا أوقاتا وجهودا فيما لم نكلف به، بل تكلفناه .

دروس الموقعة

يأتي في طليعة الدروس المستخلصة من هذه الواقعة، إدراك أن الشعوب هي التي تحمي وجودها وأوطانها طالما التحمت مع قضاياها، وكانت الملاحظة مذهلة أن بعض الشباب العراقي ومعهم شباب إسلامي من بلدان أخرى هم الذين خاضوا المعارك الكبرى في أم قصر والبصرة والناصرية والكوت وغيرها، وكبدوا العدو خسائر فادحة وأذهلوه ببسالتهم وأوقفوا تقدمه طوال ثلاثة أسابيع، بينما جحافل صدام وحرسه الجمهوري سلموا العاصمة إلى الأمريكيين في يومين اثنين دون قتال، فالذين ينشأون على العبودية لا يصلحون لمعارك التاريخ الكبرى، والذين يدافعون عن"شخص"غير الذين يقاتلون عن دين ووطن، وهذا درس للشعوب، وللنظم الحاكمة أيضا، فإن الشعب يكون داعما لنظامه السياسي عندما يستشعر أنه يعبر ـ حقيقة ـ عن اختياره، وهويته، ويحترم حرياته وكرامته، وعندما يشعر"المواطن العادي"أنه شريك حقيقي في صناعة مستقبل بلاده، وأما خرافة أن نظاما مستبدا مجرما يصنع قوة عسكرية مهابة، ويؤسس دولة تحمي الوطن وتؤمن مستقبله، فهذه خرافة سقطت مع سقوط أول أصنام صدام حسين في بغداد، ومن توابع هذه الحقيقة ندرك أن العراق والشعب العراقي لم يهزما، وإنما المهزوم هو نظام صدام حسين الذي سبق له أن أهان العراق وشعبها وهزمهما وأطاح بكرامة الإنسان العراقي، قبل أن يأتي الأمريكان أو غيرهم، إن معركة أمريكا لم تكن أبدا مع الشعب العراقي ، وإنما كانت مع نظام صدام ، وعندما تأتي ساعة المواجهة والمعركة الحقيقية بين الشعب العراقي وأمريكا ، سيرى العالم صورة مختلفة تماما ، ولن تقوى لا أمريكا ولا غيرها على هزيمة إرادة شعب مقاوم، هكذا علمنا التاريخ، وهكذا كان درس أمريكا ذاتها في أكثر من مواجهة على مستوى العالم .

الدرس الثاني: هو ثبوت حاجة الإسلاميين إلى وعي سياسي كبير ومتواصل مع الحدث المحلي والإقليمي والدولي، والوعي السياسي يأتي من أحد طريقين: الممارسة السياسية الفعلية من خلال المنابر السياسية المتاحة كأحزاب أو منتديات سياسية أو جماعات ضغط أو صحف وما شابه ذلك، أو من طريق البحث والدراسة في العلوم السياسية والتاريخ السياسي وما يتصل بها، والحقيقة أن قطاعا كبيرا من الإسلاميين يهلكون وقتا كبيرا في دراسات شرعية متخصصة لا تتمخض عن قيمة عملية لهم، سواء كدعاة أو فقهاء أو علماء أو حتى مفكرين، في حين يتم تجاهل التربية السياسية المناسبة، رغم أنها هي التحدي اليومي الذي يواجه الإسلاميين كقوة سياسية أو شعبية أو حتى تربوية وأهلية، والفراغ الكبير في وعي الإسلاميين السياسي يحرمهم من ترجمة وجودهم القوي جماهيريا إلى مكاسب دعوية وإصلاحية وسياسية محليا ودوليا ، لأن الجهود تصب في عماية أو تهدر في خواء، ولا توجد رؤى وآفاق متكاملة ومتوازنة تدرك قيمة كل خطوة، فضلا عن موازنات السياسة المحلية والإقليمية والدولية وهذا خطأ كبير .

الدرس الثالث: وهو موصول بما سبق، وهو حاجة العاملين للإسلام إلى جهد مؤسسي واسع ونشط في مختلف أصعدة ما يسمى"بالمجتمع الأهلي"، بدءًا من الجهود الكبيرة والفعالة على صعيد الإعلام بمختلف صوره وأشكاله، مرورا بالمؤسسات الحقوقية التي تنهض بنصرة المستضعفين خاصة من أهل الإسلام بأساليب أكثر عصرية ونفاذا في الواقع الدولي الحالي، فضلا عن مراكز البحث والدراسات الرصينة وذات الإمكانيات العلمية والإنسانية والمادية العالية، والتي تمثل مرجعية للعقل المسلم والجهد المسلم في فهم الواقع واستشراف المستقبل، وبشكل عام فإن معظم قطاعات"الأنشطة المدنية"تمثل نقاط فراغ هائلة في الحالة الإسلامية، مما يجعل العقل الإسلامي إما مغيبا عن حقائق الواقع وتحدياته، أو أسيرا لرؤى ومفاهيم وتوجهات أخرى تنسرب في عقله ووجدانه بخفاء ويسر .

الدرس الرابع: هو ضرورة تحجيم النزعات العاطفية لدى التيار الإسلامي في مواقفه تجاه النوازل الجديدة الحالة بالأمة، ولا أقول تجاوز العاطفة؛ لأنها قيمة إنسانية وشرعية مهمة ودافعة لحيوية أي عمل ونشاط، ولكن المشكلة تأتي من انفراد العاطفة بتشكيل الموقف، وإنما تأملات العقل والخبرة السياسية والدعوية والحسابات الدقيقة للمواقف من شأنها أن توفر الكثير من الطاقات الإسلامية المهدرة، وأن تجعل الجهد الإسلامي أكثر فاعلية وتأثيرا وإثمارا، وفي الموقف الأخير من أحداث العراق، ومع الإعزاز الأمين للموقف الأخلاقي الرائع لبعض الشباب الإسلامي الذي ذهب للقتال في العراق ضد الغزو الأمريكي، والقيمة الرمزية الكبيرة لهذا العمل، إلا أن"القيمة العملية"لم تكن مناسبة ، ولا أقول خاسرة، وربما كانت الحسابات الأصح تجعل توقيت هذا الدعم بعد ذلك وليس قبل الحرب، حيث تنجلي المواقف خاصة وأن النظام الذي يحكم هناك ليس إسلاميا بكل المقاييس، وليس أمينا ولا شريفا بشهادة التاريخ، وربما كان الأمر بحاجة إلى"ضمانات"سياسية تحول دون تحول الشباب الإسلامي إلى"ضحية"لغدر هذا أو ذاك، وربما كانت هناك صيغ أخرى لدعم الشعب العراقي أكثر قيمة مما كان، ولا شك في أن الدور المستقبلي للدعم الإسلامي للعراق سيكون أهم مما قدم أثناء الحرب، بل ولعله يكون حاسما في تشكيل مستقبل هذا البلد العريق .

إيجابيات الحدث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت