وصناعة القرار السياسي أو رسم الخطط الاجتماعية في الأوطان العربية بشكل عام لا يتمتعان بأي مرجعية فكرية تمّكن القائد السياسي الاطمئنان لرأي مفكّر معّين أو عدد من المفكرين، وباستثناء حالات نادرة، نجد أن تهميشًا يصيب أمهر المفكرين العرب وأكثرهم حرفية وتضلعًا.
ومن جانب آخر، فليس هناك أي برامج ولا أي خطط لدراسة مستقبليات المشكلات العربية، كما لا يوجد أي إنفاقات بحثية وعلمية مقارنة ببرامج وخطط ينتجها مختصون ومفكرون وعلماء في بلدان العالم الأخرى.
عقبات في طريق المثقف الرسالي
ولا مناص من تحرير المثقف من سيطرة التعصب والمذهبية الضيقة، وإتاحة الفرصة، بدلًا من ذلك، لنشر العقلانية وتوظيف المنهج العلمي وتطبيقاته العملية من أجل تفسير الواقع الحي وتحليله كظواهر ومشكلات محددة بعيدًا عن تأثير العوامل الذاتية والتحيز. وعلى المثقف أولًا التسلح بطرق الفكر العلمي النقدي والمفتوح على مختلف التجارب التاريخية، ودونه لا نتمكن من قراءة ناجحة للوقائع في تشابكها وتعقدها واختيار الوسائل الكفيلة بمعالجتها، ما يمهد لبناء رؤية جديدة ذات بعد نهضوي تلتقي مع إبداعات الحضارة الإنسانية وتتفهم الاختلافات القائمة بين الناس وما يترتب عليها من اجتهادات ومواقف، وتتعلم التعايش معها دون أن تسعى إلى تهميشها أو إلغائها.
وإذا كان غياب الديمقراطية والحريات لقد لعب دورًا نوعيًا في انحسار الفكر الأصيل وتراجع دور المثقف النقدي والملتزم، ونجحت أنظمة الاستبداد في إلحاق المعرفة بالدولة والعقل بالسلطة وفي تكميم أفواه المفكرين المخلصين وتحطيم أقلام النقاد الشرفاء، ما أدى إلى خنق الثقافة وتدجينها وتطويعها لتصبح مجرد صدى أو أداة تبرير وتسويغ لا فعل إبداع وتطوير، فإن على المثقف الرسالي أن يناضل من أجل تأكيد قيم الحرية والعدالة، أو ما يوازيها بلغة العصر وهي 'قيم الديمقراطية'، خاصة وأننا نعاني من ضعف مقاومة المثقفين، أو تقصيرهم في نصرة الديمقراطية أو اختزالها في وعي بعضهم إلى حدود ما تعطيه السلطات الرسمية، وتأويل ما هو قائم من هوامش ضيقة على أنها الديمقراطية المطلوبة.
د / سعد بن عبدالله البريك
حين نتأمل في طبيعة الفكر العلماني الزاحف، نجد أن له منهجية في التعاطي مع قضايا المجتمع تتميز بملامح هي كالتالي:
أولًا- الغموض: فلا يوجد لدى الاتجاه العلماني أي وضوح في البرامج والأهداف والمواقف. فمواقف العلمانيين متذبذبة وغارقة في الاصطلاحات الحمالة والفلسفية الغريبة عن المجتمع، وهذا ما جعلهم محط اتهام ''بالنفاق'' وإن كان هذا الوصف يعكس في الفكر الليبرالي ملامح أبعد من الغموض.
ثانيًا- التناقض: فحين تسأل العلماني عن موقفه من الحل الإسلامي لقضايا ومشكلات المجتمع، قد لا يبدي معارضة واضحة .. لكن حين تقرأ المقالات وتسمع للمحاضرات والتصريحات على القنوات تجد التنكر للحل الإسلامي، بل التهجم عليه وعلى أهله وتلفيق التهم للدعاة والعلماء والتشكيك في مصداقيتهم وعدالتهم، وتلميع صورة الغرب ومنهجية حلوله لقضايا المجتمع.
ثالثًا- الاستدراج: فحين تسأل العلماني عن العلمانية ودورها في الإصلاح، يجيبك بأنها منهج عقلاني لإيجاد الحلول لمشكلات المجتمع في إطار احترام الإسلام .. كما حاول أحدهم تقديمها في مقال بعنوان:'' العلمانية والدين'' .. وهذا هو الاستدراج الماكر عينه فمفهوم العلمانية لم يكن في يوم من الأيام على هذا النحو لا في الغرب ولا في الشرق، وإنما تحت الضغط الشديد الذي يعيشه العلمانيون- إذ عجزوا عن اختراق المجتمع بالفكر العلماني كما هو-اضطروا إلى تقديم العلمانية للمجتمع على هذا النحو (المجزئ المقزم) ، لإيجاد مدخل مناسب وآمن يمكّنهم في المراحل اللاحقة من طرح أفكارهم بجرأة أكبر .. لكنّ المتتبع لتحركات العلمانيين على الصعيد الفكري والاجتماعي والسياسي، يدرك أن ملامح الأسلوب النقدي وطرح البدائل والحلول، وكذلك الارتباط السياسي المباشر وغير المباشر بدوائر العلمانية المشبوهة، كل هذه الملامح هي ملامح علمانية صرفة تجّسد تناقضًا واضحًا للثوابت العقدية والأصول الدينية، وتروّج للرذيلة والانحلال، وتمهّد لبيع البلاد والعباد بوعي أو بغير وعي.
ومن تلك الملامح في قضية المرأة: توظيف مشكلات المرأة الاجتماعية والاقتصادية في تصويرها (كالعبدة المستعبدة في المجتمع) ، ومن ثم صف الصفوف للدعوة لتحريرها أو (حرية الوصول إليها) .. بدًا من الدعوة لسفورها بدعوى التحرير من قيد الحجاب .. ومرورًا بالدعوة لتحريرها من قيد العزلة لتكون مختلطة بالرجال .. وانتهاء بالدعوة لتحريرها من قيد الحياء ليكون لها الحق في العلاقة الصريحة بالرجل قبل الزواج، كما صرح بذلك منتسب للأدب السعودي على قناة الحرة!
ومن تلك الملامح في قضايا الشباب: توظيف مشكلاتهم في تأطيرهم ليصبحوا جنود العولمة، ويقبلوا بكل ما هو غربي جملة وتفصيلًا، كما صرح بذلك أحدهم في مقال بقوله: ''لا يوجد هناك شيء يسمى الغزو الفكري: إنها العولمة!! .. '' وفي دعوة كهذه يكمن الشر بكل أصنافه وأشكاله. إذ يحصل التغييب التام للشباب المسلم في مستنقع التغريب بدءًا من الانحلال الخلقي بكل أصنافه، ومرورًا بطمس الهوية المسلمة، وانتهاء بجعلها معولًا من معاول هدم الدين والقيم في المجتمع.
ومن تلك الملامح في القضايا السياسية: توظيف أحداث العنف والتطرف في استعداء الدول الأجنبية وتأليبها على المجتمع من خلال إعطاء تفسيرات مغلوطة لأسباب التطرف والغلو، كاتهام العلماء والدعاة ودور تحفيظ القرآن الكريم والجامعات، بل ومناهج التعليم في مسايرة واضحة للدول العلمانية الغربية لتحقيق طموحاتها المعلنة في توظيف هذه الأحداث لفرض أجندة سياسية باسم الإصلاح، تخدم في العمق أهدافًا استراتيجية تعيد به بناء الشعوب وفق القالب العلماني المتطرف. ولا أظن أن علمانيًا واحدًا - حتى ولو كان ذا خلفية سطحية من الناحية السياسية - يخفى عليه خطورة هذا الأمر على بلاده ومجتمعه ووحدة وطنه، كما لا يخفى على كل معني بهذا الشأن أن هذه الملامح تفضي في النهاية إلى تأليب العدو على القيادة السياسية نفسها.
وفي القضايا السياسية أيضا تبدو ملامح التنسيق الفكري الإيديولوجي واضحة للعيان بين علمانيي الداخل وإخوانهم اللاجئين في بريطانيا وأمريكا .. وإذا كان لأولئك في المهجر برامج سياسية ذات طموحات ثورية صريحة تدعمهم فيها بالمال والعتاد دول أجنبية، فإنهم يلتقون فكريًا في البرنامج نفسه مع علمانيي الداخل، كما يلتقون معهم أيضًا في أن مَنْ يدعمهم واحد!! ومَنْ يرعاهم واحد!! ونموذجهم في الاقتصاد والسياسية والإصلاح واحد!! وهنا مكمن خطورة كبيرة واجب التنبه إليها!! ولنحذر من تطويع العلمانية لاختراق الصفوف من الداخل، كما نحذر من تطويع الإسلام ليتوافق مع العلمانية.
وصدق الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حساسات النفوس كما هيا
السلاجقة ومشروع إسلامي للمقاومة ..
الأحد 15 من صفر 1428 هـ 4 - 3 - 2007 م الساعة 02:12 م مكة المكرمة 11:12 ص جرينتش
... قناص عراقي ...
قناص عراقي يمسك بسلاحه