فهرس الكتاب

الصفحة 1844 من 3028

غير أننا ينبغي أن نسعى لتأمين جوٍ من (الحرية) يمكن من خلالها إقامة حوار ثقافي مفتوح مع شتى التيارات الفكرية الداخلية قبل أن نسعى لإقامة حوار ثقافي مع الآخرين. وأقصد من (الحوار الداخلي) الحوار الإسلامي ـ الإسلامي بشتى التفريعات الفكرية وعلى طول التاريخ الإسلامي. وليست هذه دعوة لإحياء (الصراعات الفكرية القديمة) ، ولكنها دعوة لفتح باب (الاجتهاد) للجميع ودون شعور بالرعب من سيف التكفير (والعزل) والنفي الثقافي.

بطبيعة الحال ـ مثل هذه الدعوة تتيح المجال أمام نمو الأفكار الجديدة، كما أن الفكر الإسلامي سيغتني بشكل كبير ـ ويمتلك القدرة الفائقة على إبلاغ دعوته بصورة أفضل إلى العالم.

ولا خوف على الإسلام؛ لأن الحق لا يخشى الباطل، ولأن الخشية التي تعترينا، والخوف الذي يصيبنا، من جراء فتح كل نوافذ الشرفات الفكرية، سوف يؤدي بنا مستقبلًا إلى إصابتنا بالأمراض المعدية، من جراء تعرضنا لمدة قصيرة لمجرى الرياح، لعدم أخذنا للقاح المناعة الفكرية.

إن هذه الشبابيك المفتوحة هي اللقاح ضد الأمراض الفكرية الفتاكة التي نُكِبَ بها عالمنا العربي، وعالمنا الإسلامي ردحًا من الدهر.

غير أن ثمة مجالًا لحرية الفكر أتاحه الإسلام نفسه لكي يستطيع الإنسان أن يتحرك من خلاله بغية فهم أفضل للإسلام، وتطبيق أفضل لأغراضه وأهدافه في الحياة، ولكن في ظل هذه الأوضاع واستشراء الخلافات وسيادة روح التنافس السلبي بسبب الأزمات السياسية أو غيرها من الأزمات التي تمر بها الأمة، أدت إلى عزل المثقفين عن بعضهم البعض والثقافة الإسلامية عن غيرها من الثقافات بانعدام الحوار، الذي يُأمل ويُرجى منه كل خير، وأصبحت التوجهات في غير إطارها المطلوب، ومن بعض مظاهرها التنابز بالألقاب والنيل من الكرامات والحط من عطاءات الآخرين.

ولا يمكننا أن نتجاهل انعكاس القضايا السياسية، بالذات ما يرتبط بأمن السلطة على الإبداعات الفكرية والثقافية، فمحاربة الإنتاجيات الثقافية والفكرية، تُبقي الأمة في حالة من التراجع و الضياع وتجعلها تتشبث بإبداعات وإنتاجيات التيارات المناوئة للإسلام.

أنواع من المثقفين

إننا يمكن أن نصنف المثقف العربي إلي ثلاثة أنواع: نوع قرأ الواقع وأدرك معطياته وأصيب باليأس، فنزح وهرب إلي الخارج. ونوع اشترته السلطة وأغرته بالمال وبالجاه وبالمناصب والوظائف الكبرى، فأصبح يدور في فلك السلطة، وينفذ تعليماتها. ونوع ثالث ما زال قابضا علي الجمر نتيجة المعاناة ونتيجة الحصار أصبح مشلولا من الداخل، وهذا النوع هو المثقف الأمين مع نفسه ومع الناس والملتزم.

المثقف العربي الملتزم الآن يأكل نفسه هو يري ما يجري ويعني بما يجري ويعرف عواقبه الوخيمة وتداعياته السلبية ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا لأنه معزول بل هو مهدد في كيانه نفسه. فالذي حدث نتيجة الخصخصة هو القضاء علي الطبقة الوسطي التي هي الطبقة الفاعلة التي تقود حركة المجتمع كلها بما فيها حركة الاقتصاد، وقد انحدر معظم المنتمين إلي الطبقة الدنيا وقلة منهم أصبحوا أرستقراطيين مساندين للنظم السياسية ومشاركين لها، والكتلة الجماهيرية هي التي تعاني الآن وتعاني دون قيادة ودون نخبة ودون طليعة.

المثقف والسلطة

كثيرا ما يشكو المثقف العربي من سطوة السياسي وتعديه على مجاله الحيوي، أما السياسي فنجده لا يأبه كثيرًا بالمثقف، لا بل يشك في مدى الحاجة إليه. والمثقف بصورة عامة لا يرنو إلى تحطيم سلطان الدولة، بل يرنو إلى دور له في السلطة والمجتمع معًا.

إن الخلاف بين المثقف والسياسي ينبع من اختلاف طبيعة الدور الذي يقوم به كل منهما والمجال الذي يتحرك ضمنه، فالمثقف ينطلق من العقل الذي يجعله نقطة البدء، ويجهد نفسه لإيجاد الطريقة المثلى لإيصال فكرته وتوضيح بيانه، وهذا لا يمنع بالطبع من أن يتوق إلى الشهرة، أما السياسي فينطلق من رغبته في زيادة عدد أنصاره، ولا يتوقف كثيرًا عند جلاء الفكرة وتوضيحها لأنها في نظره ليست أكثر من وسيلة للتواصل بينه وبين مؤيديه .

أما المثقف فإن الفكرة بالنسبة إليه غاية بحد ذاتها وهي مقدسة لا تقبل النقد إلا على أسس عقلانية محضة، فهل يمكن مع ذلك تضييق الهوة بين المثقف والسياسي؟!

في العالم المتقدم والديمقراطي يمكن ذلك، أما في عالمنا العربي فإن الصورة تكاد تكون قاتمة. فالسلطة في بنيتها لا تستمر ولا تكتمل إلا بوجود مثقفين من دعاتها وحماتها، وهي تحاول أن تستقطب أكبر عدد من المثقفين والتكنوقراط تحت سلطتها، بمعنى آخر إنها تعمل على تدجينهم وجعلهم من صلب بنيتها، مما يحولهم بالتالي إلى سلطة، في حين يبقى المثقف الحر التفكير، أو المعارض، مبعدًا من السلطة، بل والأكثر من ذلك معرضًا لأشكال شتى من الاضطهاد.

إننا بحاجة إلى إعادة تحديد وظيفة المثقف العربي ودوره، فعليه ألا ينعزل في برج عاجي من صنعه من جهة، وعليه ألا يلتصق بالسلطة من جهة أخرى، وألا يتحول إلى أداة لها، يبرر لها ما تتخذ من قرارات، و أن تتحول وظيفته إلى مجرد مردد لمقولاتها.

مشكلة المثقف العربي اليوم هي الموقف الصعب ما بين قول كلمة الحق، وهذه هي مهمته الأساسية، وبين الخوف من انتقام السلطة، ولا سيما في الأنظمة الشمولية.

ونراه حائرًا بين قول الحقيقة بأسلوب مقنع، أو الصمت الأخرس، وهذا ما يجعل دوره هامشيًا وغير فاعل، لا بل يلغي دوره كمثقف.

ولا بد من فك الارتباط المرضي في علاقة المثقف بالسياسة، ولا يقصد هنا القطيعة بين حقلي النشاط الثقافي والسياسي بل تحديد التخوم بدقة ووضوح وقراءة وجوه الاتفاق والاختلاف، بما يؤدي إلى تحرير المثقف من ماضٍ سيطرت فيه العوامل والأهداف السياسية على مسارات حياته وإنتاجه المعرفي، وخاصة ذلك الدور المدمر الذي لعبته السلطات السياسية - ترغيبا وتهديدا- لإخضاع المثقفين واحتوائهم أو تهميشهم وتغييبهم.

لكن سيطرة السياسة على الثقافة لم تنجب مثقفي السلطان فقط، فثمة مثقفون ليسوا أحسن حالًا داروا في فلك الأحزاب المعارضة ولم يميزوا أنفسهم كحملة مشروع خاص يتطلع - بالاستقلال عن الأفعال السياسية- إلى مساعدة المجتمع على التحرر والتطور، فرضوا من حيث المبدأ إخضاع وظيفتهم الثقافية والمعرفية للغرض السياسي وإن من موقع آخر، واندمجوا في التنظيمات التي انتموا إليها وحولوا أنفسهم إلى ثلة من الحزبيين أو الأتباع والأنصار، أو لنقل إلى ما يشبه الأبواق تدافع عن سياسات أحزابهم وبرامجها.

فألغى المناضل السياسي دور المثقف الحر وأثمرت النتائج عن إجهاض الثقافة النقدية وإضاعة فرصة ثمينة لنمو الفعل المعرفي باستقلالية نسبية عن الأفكار السياسية المتصارعة، ما أدى إلى تراجع مكانة المعرفة من غاية في حد ذاتها إلى وسيلة انتقائية يسعى المثقف إلى اكتساب ما يفيد منها لدعم مواقف حزبه وتبريرها.

غياب دور المفكرين في مجتمعاتنا!

لا نعتقد أن للمفكرين العرب اليوم أي دور فاعل في تشكيل أي توجهات لصنّاع القرار السياسي أو التحديث الاجتماعي في أوطانهم، ربما كان هناك بعض من الناس قد عدّوا أنفسهم مستشارين لزعماء أو قيادات أو سلطات معينة، ولكن غالبية من نجدهم يتوزعون هنا وهناك في الأرض العربية، لم تجد نفسها بعد في مثل هذا السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت