واعلموا أن رياح التعيير لا تهبُّ عليلةً دون كدرٍ أو قتر، كما أنها لا يمكن أن تهبَّ إلا من داخل صفِّ المسلمين أنفسهم، ومستقبل المسلمين لا يمكن أن يصنعَه من لا يخاف الله ولا يؤمن بشِرعته، بل لا بد أن يصنعَه المسلمون أنفسُهم انطلاقًا من شِرعتهم الغرّاء، وخارجًا عن إطار القوميَّات والإقليميات والعبِّيَّات الجاهلية، وأن المسلمين متى ما أرَوا اللهَ من أنفسهم صدقًا في التصحيح وعَلِم الله فيهم خيرًا في حسن المقصد وصدق اللجوء إليه مهما كان الواقع الأليم الذي يعيشونه ويعانون فيه الأمرَّين، فإن ذلك ليس بمانِعهم أن يقلبَ الله كربَهم فرجًا، وترحَهم فرحًا .
د/ سعد بن عبد الله البريك
في غمرة انشغال العالم بدخول الألفية الثالثة وما صاحب ذلك من تغيرات عالمية كبيرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والفكرية، تتكاثر التحديات التي تواجه هذه الأمة بدءًا بالاستعمار السياسي والاقتصادي مرورًا بالاحتلال العسكري وما ينجم عنه من بطش وقتل وتنكيل وتشريد وانتهاءًا بالغزو الفكري والثقافي بما صار يعرف بمصطلح العولمة الذي سخَّر مُرَوِّجوه كافة وسائل وتقنيات الاتصالات الحديثة في سبيل نشره وفرضه ، حتى صار العالم قرية كونية صغيرة يَسْهُلُ فيها على الغرب فرْضَ ثقافته وتصديرَ أمراضه إلى كل ثقافات العالم على وجه العموم وإلى ثقافة وتراث هذه الأمة على وجه الخصوص ، كجزء من التطويع الثقافي لمقتضيات النظام العالمي الجديد.
هذا وإن كان مصطلح"العولمة"قد ظهر على الساحة في الأعوام الأخيرة إلا أنَّ الإعداد العملي والفعلي له كان في الستينيات من القرن الماضي والهدف الأساس منه: هو اقتلاع الإسلام وإزالته بتنصير المسلمين واستقبال الألفية الثالثة بلا إسلام . وهذا مخطط صيغت أبعاده منذ عام 1965م في المجمع المسكوني الثاني إذ نص هذا المجمع على: ( توحيد الكنائس تحت كاثوليكية روما لتوحيد الصف في مواجهة العدو الذي هو الإسلام ) .
فقد قرر المجمع أنه يجب اقتلاع المدرسة اليسارية في العالم (الشيوعية) في عقد الثمانينيات والتفرغ بعد ذلك لاقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات .
وتلا هذا المؤتمر المسكوني مؤتمر كولورادو في شمالي أمريكا ( عام 1978 م ) وحضره مائة وخمسون متخصصًا في شؤون التنصير ، وتَّم خلاله دراسة أربعين بحثًا تناول كل بحث منها منفذًا من المنافذ التي يمكن التسلُّلُ منها لتنصير المسلمين .
وكانت المرأة المسلمة أول هذه المنافذ مستغلين ما آل إليه حال كثير من نساء المسلمين من الجهْل بالدين ، وجَهْلَ بعض المجتمعات التي حَرَمَتْها من كثير من حقوقها التي قررها لها الإسلام ، كما استغلوا وجود فئات في المجتمعات الإسلامية تأثرت بالفكر الغربي ونمط الحياة الغربية والتي أرادت أن تحذو المسلمة حذو المرأة الغربية وتنبذ كل ما هو إسلامي .
ومن المؤسف أنهم أحسنوا استغلال هذه النقاط وأجادوا توظيفها في خدمة أهدافهم التخريبية ، فنفذوا إلى المرأة المسلمة من خلالها بل اخترقوا البيوت والعقول والقناعات تحت ستار ما يسمى"دعوة تحرير المرأة".
ـــ وأول وسائل الاختراق: كانت عملية التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية النسائية في الدول الفقيرة ، بهدف تسخير هذه الجمعيات لخدمة أهداف مموِّليها. ويأتي في مقدمة المموِّلين مؤسسات أمريكية تتبع الحكومة الأمريكية مباشرة ويُعتَبر تمويلها جزء من ميزانية الولايات المتحدة ويتحكم فيها الكونجرس الأمريكي مباشرة ، ومهمة هذه الجهات المموَّلة أنْ توفر للكونجرس المعلومات التي يريدها ، وبذلك تصبح الجمعيات الممولة التي تتلقى الدعم المالي تابعة للكونغرس تنفذ أوامره في بلادها دون أن تستطيع الإفلات من هيمنته عليها ، إذ أن الكونجرس خبير في القبض على عنق العميل عن طريق تقسيط المنحة وعدم إعطائها دفعة واحدة .
ومن الجدير ذكره أن الدَّعم إنما يخصَّص للجمعيات التي ليس لها توجه إسلامي أما الجمعيات الأهلية ذات التوجه الإسلامي فليس لها نصيب فيه. ويتركز هذا النشاط في الدول الفقيرة مثل: مصر والسودان وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وجيبوتي والأردن .
أما الجهات التي توفر الدعم فهي متعددة ومنتشرة بكثرة في دول الغرب وتنسق جهودها فيما بينها لتتوافق ولا تتعارض وتصب في الأهداف التي رسمها المجمع المسكوني ومن هذه الجمعيات:
هيئة المعونات الأمريكيةA.I.D التي تُعدُّ الممول الرئيسي للجمعيات الأهلية النسائية في مصر ، وهناك مؤسسة"فورد فونديشن"FORD FOUNDATION وغيرها من المنظمات الدولية ذات السمعة العالمية والجهد الكبير والإصرار على زعزعة بنيان العالم الإسلامي وتهيئته لما يسمى بالنظام العالمي الجديد أو السطوة الأمريكية الجديدة. وهناك منظمة"المعونة"الأسترالية و"سيدا"الكندية و"دانيدا"الدانماركية و"فنيدا"الفنلندية و"نورادا"النروجية و"فريدريش إيبرت"الألمانية .
إن خطورة هذا الدعم الأجنبي المشبوه للمؤسسات الأهلية النسائية في بلاد المسلمين واضحة جلية لكل ذي لب وبصيرة . وتتمثل في أربعة جوانب مهمة . أولها:
الاختراق الأمني والسياسي للبلاد: حيث تُوظَّف الجمعيات المموَّلَة لتقدِّم للجهات والمؤسسات المانحة تقارير تفصيلية عن الأحياء السكنية في المدن التي تتواجد فيها ، والظروف المعيشية فيها والقيام بمسح سكاني لها بحجة معرفة الحالة المادية للمجتمع .كما تُكلَّف بإعداد دراسات عن أحوال الطوائف الدينية الموجودة في البلاد بهدف التعرف على المنافذ التي يمكنهم من خلالها النفوذ إلى هذه الطوائف لإحداث فتن طائفية بقصد زعزعة الأمن فيها والتمهيد لتنفيذ مخطط تفتيت وتجزئة العالم الإسلامي الذي وضعه المستشرق اليهودي البريطاني"برنارد لويس"عام 1940 م .
وهناك تقارير تُكتَب عن المستشفيات الموجودة في المدن الكبيرة وعدد الأسرَّة فيها وعدد العاملين من أطباء وممرضين وممرضات ونوعية التخصصات الطبية والأجهزة الطبية المتوفرة ... الخ ، كل ذلك بقصد معرفة القدرة الإستيعابية للمستشفيات في حالات الحروب.
وثاني هذه المخاطر: حدوث الاختراق الاجتماعي ، فمن خلال سعي الجمعيات الأهلية النسائية للاستقلال عن حكوماتها ، فإنها تقذف بنفسها في أحضان الحكومات المموِّلة التي لم تقدِّم لها الدعم إلا لتسيِّرها وفق خطط وأهداف وضعَتْها ، مسخِّرَةً في ذلك القيادات النسائية في هذه الجمعيات لتحقيقها ، وليس أدل على ذلك من تدخُّل هذه الحكومات في وضع قوانين وأنظمة الجمعيات الأهلية في بعض الدول مما يعدُّ تدخلًا في شؤون البلاد الداخلية ، بل في أدق الأمور الحياتية والشؤون الأسرية .
ففي الملتقى الثاني للجمعيات الأهلية في مصر عام 1999 أُطلقت عدة معايير تمثل خطرًا على المنظومة الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية وأهم هذه المعايير:"التمكين"و"المساواة"و"عدم التمييز بين الجنسين"و"الاستجابة للمتغيرات العالمية"و"استخدام ذوي الخبرة كعناصر لإحداث التغيير".
فمعيار"التمكين"يقصد به تحديد موقف الأديان والثقافات وبيان تشريعاتها بالنسبة للمرأة ، ومن ثم يوجب على الحكومات ومختلف الشرائح الاجتماعية أن تعترف بشرعية مطالبة المرأة بأن يكون لها دور فعال في تحديد وتعريف هذه التشريعات وحق إعادة صياغة الأحكام الدينية المتعلقة بالمرأة وفقًا لأهداف الغرب ومخططاته .