فهرس الكتاب

الصفحة 1914 من 3028

كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

لو كان غير المسلمين لحازها ذهبا وصاغ الحلي والدينارا

وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها الأزهارا

إن هذه الأمة أكرم الأمم قاطبة عند الله عز وجل ، كما جاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعًا:"إنكم تُتِمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله". وهذه الخيرية ما جاءت إلا عن طريق الدين والشرع ، لأن دين هذه الأمة وشريعتها أكمل الشرائع ، فاكتسبت هذه الأمة هذه الخيرية.

فلهذا لا غرابة من محاولة أعداء الدين من الخارج وأذنابهم العلمانيين من الداخل ، أن يحاولوا أن يضعفوا تمسك الناس بالشريعة .

كما جاءت خيرية هذه الأمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وكلما قوى هذا الجانب في الأمة ، زاد ذلك من خيريتها على باقي الأمم .

ولهذا يعلم المنافقون والعلمانيون بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا انتشر وتمكَّن فإنه لا مُقام لهم في الأرض ، ولهذا يسعون جادين في التضييق على هيئاته وأصحابه بكل سبل التضييق .

فخيرية هذه الأمة بدينها وشرعها ، وإلا لو تساوينا معهم في المعصية، لكانت الغلبة لهم علينا بالقوة.

إن هذه الأمة أمة الغيث كما وصفها وشبهها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمطر الذي ينتفع به الناس فقال"ومثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خيرٌ أم آخره"رواه الترمذي وغيره وهو صحيح . فهذه الأمة أمة الغيث لا يدري أوله خير أم آخره ، لأن الغيث كله خير وفي كله خير ، في أوله وفي وسطه وفي آخره ، فكل نوبة من نوبات المطر لها فائدة في النماء لا يمكن إنكارها. فكذلك هذه الأمة ، كل فرد من أفرادها بمقدوره أن ينفع وأن يقدم الكثير لأمته ولدينه ولو لم يكن بمقدوره إلا أن يتمسك بدينه ويربي من تحت يده على ذلك لكان في هذا خيرًا كثيرًا .

أيها المسلمون، إن أعداءكم لا يخشون على أنفسهم إلا من دينكم ولا يخيفهم إلا إسلامكم، وإن الإسلام خير لهم لو كانوا يعلمون ، ولكنهم يأبون إلا أن يبعدوا الإسلام من المواجهة، لأنه الحل الحاسم، والعلاج الشافي لأمراض الأمة كلها، عقيدة تنطلق منها مناهج التربية والتعليم لتنشئة أبناء المسلمين تنشئة تعيد فيهم بناء الثقة بدينهم وبأنفسهم فتمتلئ قلوبهم إيمانًا تضيء جوانحهم هدىً ونورًا هذه معالم في طريق الإصلاح وهو طريق ليس باليسير ولكنه جليّ واضح وهو الطريق الوحيد ولا طريق غيره عرف ذلك العدو قبل الصديق.

إن المستعرض لتاريخ الخلفاء الراشدين وسيرة لسلف الصالح ليجد فيها من المواقف التي تبين مقدار اتباعهم لدينهم وتمسكهم بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم لا يحيدون عنها ، مما جعلهم في عز وتمكين ففتحوا بلاد العالم ونشروا العلم والدين وأقاموا شعائره في مشارق الأرض ومغاربها {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } ولن تعود الأمة الإسلامية إلى ذلك المجد والعز والتمكين إلا بالسير على نفس الخطى وعلى نفس المنهج الذي سار عليه الصحابة رضي الله عنهم.

إن هذه الأمة لا تزال بخير ما دامت خلف علمائها ، فحاجتها إليهم فوق كل حاجة، فهم مصابيح الدجى وعلامات الهدى ، فلولاهم كانت ظلاما بأهلها، وهم فيها بدور وأنجم، فالعلماء في الناس كالشمس للدنيا والعافية في الناس ، فما لهم من خلف ولا عنهم من عوض، فالناس لا يعرفون كيف يعبد الله إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس واندرس العلم وظهر الجهل والنفاق . ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء [أي بوفاتهم] ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوساء جهالا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".

الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى َيمُتْ عالم منها يَمُتْ طرف

كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف

إن الدنيا بغير اهل العلم همود وجمود، وإذا أقفرت الديار من الرجال فهي إلى الوراء تتقهقر، ومن الوجود تتلاشى ، وإذا نامت الأمة شق إيقاظها وعسر بعثها إلا بعد أجيال وأجيال.

فإلى العلماء الرجوع عند التباس الأمر وخفائه، فما حكموا به فهو المقبول المسموع فكتاب الله عدتهم والسنة حجتهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتهم.

فحق العلماء على الأمة أن تجود لهم بثقتها، وأن تكون مطواعة لأمرهم ذائدة عنهم ، مضحية بالنفس والمال إذا دعوها إلى التضحية، وأن تكون ملبية لندائهم، إذا ما دعوها لما فيه صلاحها ورشدها.

وانظروا أيها المسلمون حال الأمة اليوم لما خرجت عن هدي علمائها، وجعلت قدواتها فنان أو راقصة أو مغن ، وصارت مراكز النفوذ والقوة فيها لأذناب القردة والخنازير، انظروا كيف تردّت فانتشرت فيها المنكرات، وأنكر فيها المعروف، واتهم الدين وأهله، وحُورب فيها الإسلام باسم الإسلام، وضيّعت حدود الله وأحكامه، ونخر اليهود والنصارى والمنافقون في جسم الأمة نخرًا، ثم أغاروا عليها بخيول الإعلام الهدام، وسلاح العولمة الفتاك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

إن الواجب على أمة الإسلام ـ والفتن تمد أعناقها ـ أن يكونوا صفًا وحدًا، مجتمعَ الكلمة، أمام رياح التغيير التي تهب على العالم، والتي تتمنى تغيير عقيدة أهل الإسلام، والنيل من شريعته، وقيمهم الدينية وأخلاقهم، وثوابتهم ومناهجهم، فدينكم الإسلامي يوجب الاجتماع والائتلاف، ويحرم عليكم الفرقة والاختلاف، قال الله تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وقال تعالى { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .

الله الله في التوبة الصادقة من كل ذنب ، فإن سبب كل خير في الدنيا والآخرة هو طاعة الله عز وجل، وسبب كل شر وعقوبة في الدنيا والآخرة معصية الله، والتوبة من الذنوب تُكثر الخير وتقلل الشر، وما أهلك الله الأمم الخالية إلا بكثرة عصاتها، وقلة الطائعين فيها، وقد تكون معصية فرد واحد سببًا في هلاك أمة، فقد أهلك الله ثمود بقتل واحد منهم الناقة، وفتك الطاعون ببني إسرائيل بين ظهراني موسى وهارون عليهما السلام لما وقع بعض بني إسرائيل في الزنا، قال الله تعالى عن الأمم الهالكة { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

وفي حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه". وحلق بين الإبهام والسبابة، قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال:"نعم، إذا كثر الخبث". رواه البخاري ومسلم .

فلا ينبغي التهوين من شأن التوبة، فهي المخرج في الشدائد، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة .

واعتصموا ـ معشر المسلمين ـ بكتاب ربكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فهما نور لكم في الظلمات، وهداية من الضلالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت