ومن الحرب النفسية التي يشنها العلمانيون ضد الإسلام والمسلمين ، ما قاله أحدهم من أننا لسنا أندادًا للغرب ، حتى نطالب الغرب بأن يعاملنا من موقع الندية ، إن ثقافتنا للأسف تغالط إذ تضعنا في هذا الموقف ، والحقيقة أننا لسنا بهذا الوزن الذي يضعنا في مواجهة الغرب لأن الثقافة الإسلامية هزمت في المعركة منذ وقت طويل .
إنه من الواضح أن العلمانيين يتكلمون عن شيء غير الإسلام ، ولكن عداوتهم للإسلام ورغبتهم في عزله عن حياة الناس جعلتهم يقصدونه بسهامهم المسمومة بوعي وبدون وعي ، ولكنهم لن يصلوا إلى تحقيق أهدافهم { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } . فالإسلام أكبر منهم ومن أشياعهم في الماضي والحاضر والمستقبل { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } .
إن هذا التيار العلماني يبرر لسياسة الاستعلاء لدى الغرب التي تجعله يتجاهل الهويات والخصوصيات ويسعى إلى فرض ثقافته على العالم . ومن الخطأ أن نقيس تقدم الأمم بتفوقها التكنولوجي أو المالي أو حتى الثقافي فحسب ونتجاهل سائر شعوب العالم وما أدته وتؤديه هذه الشعوب من رسالة حضارية إنسانية ولا سيما المسلمون الذين كان هم الفضل الأكبر في وضع قواعد الحضارة المعاصرة ولا يزالون يدعمونها بفاعلية وبطرق ووسائل مختلفة .
إن العلمانيين في نعيقهم إنما يريدون أن يشغلوا الأمة عن أمجادها الماضية ، وعن محاولاتها للخروج من هذه الأزمة ليدخلوها في متاهة عبثية ، أو في جدلية مستفزة ومستنزفة من نوع جديد يتسق مع وسائل الحصار الجديدة التي تدفع الأمة نحوها دفعًا ، وهم بذلك يحسبون إنهم يحسنون صنعا { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا} .
أن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان بعد عز ومجد ، إنما سببه ابتعادهم عن هذا الدين بعد أن قلبوا له ظهر المجن ، واستبدلوه بنفايات الغرب وحثالة أفكار المشركين التي لم تزدهم إلا ضعفًا .
لقد نجح الغزو الفكري الغربي بالتأثير على الكثرة الكاثرة من المسلمين، وساقهم إلى الانسلاخ عن دينهم إلا من رحم الله منهم .
وأثار هذا الغزو الفكري القبيح أوضح من أن تذكر ، وحسبك من ذلك أنك تجد أكثر شبابنا وأبناء جلدتنا الذين يتكلمون بألسنتنا ، قد أقبلوا بوجوههم شطر حظيرة الغرب ، وأشرأبت أعناقهم إليها ، وتاقت نفوسهم إلى الإنكباب عليها ولعق قاذوراتها والتعرض لعدواها واستجلاب أمراضها ، ساعدهم في ذلك هوى متبع ، وجهل بالإسلام، وثمن بخس زهيد في طلب متاع الدنيا الفانية باعوا به عزتهم وكرامتهم وأمتهم.
وإن مما ينذر بالخطر أن طلائع هذا الغزو وصلت إلى مناهج التعليم في كثير من بلاد الإسلام ، وبدأ هذا الأخطبوط في مد أذرعه المسمومة إلى هذا المعقل الحصين ، فأفسد وأتلف وغير وبدل ، فحري بأمة الإسلام أن تحفظ هذا المعقل من السقوط وأن تبرز للمسلمين حقيقة الإسلام وخصائصه . وكم هو غنيٌ بالحقائق والخصائص.
ومع كل هذا المكر وهذا الكيد، فإن الله عز وجل حافظ دينه ومعلٍ كلمته ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
فأمل المؤمن بربة متصلٌ ليس مبنيًا على سراب، وليس أماني عجزة ولا تسالي يائسين، ولكنه حرص على ما ينفع واستعانة بالله، وبراءة من العجز والكسل وبعدٌ عن اللوم والتلاوم ، فإن الفأل الجميل والأمل العريق جزٌ من عقيدة المؤمن .
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع أسماء مثل: نجيح وراشد، يُسَرُّ ويعظم أمله في ربه لينجح في مقصده، ويرشد في أمره، وكان يعجبه الفأل، ويكره الطيرة والتشائم، وهذا التفاؤل الذي يؤمن به المؤمن ويدعو إليه المخلص ليس تفاؤل التغافل، ولكنه تفاؤل مع إدراك واقع الأمة في ضعفها الحقيقي في نفسها وقوتها واقتصادها والتصارع الداخلي فيما بينها، وهو في ذات الوقت تفاؤل لا يعمى عن مكر الأعداء وسعي بني قومهم ضد هذه الأمة والتهوين من أمرها؛ ليملؤوا صدورهم على أمة الإسلام غيظًا وحقدًا، إن تفاؤل المؤمن منطلق من عقيدته بأن الإسلام لا ينام وليس له أن ينام فهو دين الله الخالد، وهو دين الله المحفوظ، وإذا قصر فيه أقوام استبدل الله غيرهم { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم } .
إن الأمة وقد مرت بمراحل الضعف والهوان وذاقت من الذل ألوان وتجرعت من القهر كيزان أو جربت حلولًا ومخارج باءت بالفشل، وزادت من الهزائم والضياع، إن الأمة وقد مرت بكل ذلك ، قد بدأت تعود لوعيها، وتوقن أن الحل في إسلامها، بل توقن عين اليقين وحق اليقين وعلم اليقين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فهذه المساجد التي كانت خاليةً في بعض البلاد إلا من شيخٍ هرم أو رجلٍ همل أو يائس قعيد، تعاظم روادها، وصلاة الجماعة تكاثر مقيموها، عمرت بيوت الله بالشباب والكهول والشيوخ في حرصٍ على السنة وفقه في العبادة وخشوع في الأداء واستمساك في أداء الحشمة والعفاف والحجاب ، ومن البشائر صيحات النداءات المتعالية لتطبيق شرع الله على عباد الله في شؤونهم كافة، والتخلص من تحكيم الدساتير البشرية، وقبل ذلك وبعده فإن المسلمين رغم واقعهم الأليم، ورغم ضعفهم الظاهر فإنهم رقمٌ محسوب في السياسة الدولية. إن الحرب العسكرية والإعلامية على الإسلام ورجاله ودياره دليل كبير على تعاظم قوته وشعور الأعداء بخطره. إن كل قذيفة توجه وكل يدٍ تغتصب وكل جرحٍ ينزف مطارق وموقظات توقظ الأمة من غفلتها، وتوجهها نحو الصحيح من مسارها ومسيرتها.
لا زالت الجماهير المسلمة التي تعرضت لكل أنواع المسخ وغسل المخ، تعود إلى رياض دينها وتستعصي أن ترضى بالدنية من دينها، ما أثمر العنف الدولي إلا عنفًا أشد منه، ولم تزد شراسة الأعداء وعصية الغلاظ إلا استمساكًا بالدين وقناعة بالحق .
لقد كتب الله عز وجل لهذه الأمة البقاء إلى أن تقوم الساعة، فهي أفضل الأمم على الإطلاق { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } . لها القيادة والسيادة في الدنيا. وهذا تكليف وتشريف لم تنله أمة من قبل . فهو تشريف من الله حيث اختار هذه الأمة من دون الأمم الأخرى لتقود العالم أجمع . فأي شرف بعد هذا؟ وأي عز بعد ذاك؟ .
وهو كذلك تكليف…لأنها مسؤولية عظيمة ومهمة جسيمة تحتاج إلى بذل وعطاء…وتضحية بسخاء.. لكي تؤدي هذه الأمة ما أسند إليها من تلك المهمة. فيا لعلو المكانة.. ويا لثقل الأمانة.
ولمعرفة دور الأمة الريادي ليرفع كل واحد منا رأسه وليخرق حجب التاريخ ثم لينظر ويتأمل فيما فعله الآباء والأجداد في سابق العصور وما قدموا لهذه الدنيا على مر الدهور.
لقد أخرجوا الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد ، ونشروا العدل بين الناس وأشاعوا العلم وفاقوا أهل الدنيا في علومهم حتى تعلمت كل الحضارات منهم وأصبحت تنهل من علومهم.
هكذا تقدمت تلك الأمة في كل مجالات الحياة بعد أن ضحى المسلمون في سبيل دينهم بكل شيء.وهل هناك تضحية أعظم من روح يجود بها صاحبها راضيًا مطمئنًا بل فرحًا مسرورًا.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم فخارا
كنا جبالًا في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنمًا وجوارا
ندعو جهارا لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدر الأقدارا