فهرس الكتاب

الصفحة 1912 من 3028

أما واقع الأمة مع نفسها ، فلقد أصابها في كثير من ديارها خللٌ كبيرٌ في دينها واستمساكها بشرع ربها ، وحكمت في كثيرٍ من البلاد القوانين الوضعية وأقصيت الشريعة الإسلامية واعتاضوا عن أخوة الإسلام بقوميات ضيقة، وتقوقعوا في قطع من الأرض محدودة فتصدع البنيان المرصوص، وانتشرت أدواء الجاهلية، افتتن مفكروهم وأصحاب الرأي فيهم بنماذج من الشرق والغرب في الفكر والسلوك، ولاحت لهم خيارات براقة كما تلوح للغريق القشة من اشتراكية، وتقدميةٍ وديموقراطية زعموا أنها طريق التقدم وسبيل الوحدة واستعادة المغتصبات، ولكنها فشلت الفشل الذريع، ولم يجني منها أهل الإسلام إلا الذل والهوان والفرقة والشتات وألوان الإنحطاط والفساد والخذلان والهزائم.

فضلًا عن ضعف التنمية وخلل الإقتصاد وتراجع الإنتاج، بل لقد أحكموا في أعناقهم ربقة التقليد والتشبه للعدو الكافر في آدابه وفنونه وغير المفيد من مناهجه وعلومه، فتبعوا سننهم حتى دخلوا جحر الضب الخرب ، تقليدٌ واستخذاء، أفسدوا رجولة الرجال كما أفسدوا أنوثة النساء كل على حد سواء، وما درى هؤلاء المغفلون من أبناء قومنا أن هذا التقليد اللاهث ما هو إلا مشاكلةٌ تؤدي إلى اندماج الضعيف في القوي وضياع الحق وأهله، بل لقد أهلكتهم التبعية حتى أذهبوا أنفسهم وألغوا عقولهم، ووصل الحال في بعض البلاد أن اعتبر الانتساب إلى الإسلام والاستقامة عليه تهمة أو جريمة يؤاخذ عليها القانون .

لقد بات العالم الإسلامي بتفرقه وانقسامه إلى عدد كبير من الوحدات السياسية لا يجمع بينها أية رابطة من أي نوع . اقتصادياتها مفكّكة ، بينها فروق كبيرة في مستويات النمو والدخل ، وأعداد السكان ، وأحجام الأسواق ، تنخرط في السوق العالمية وتواجه التحديات التي تطرحها تطورات النظام العالمي الجديد ، بغير تنظيم اقتصادي يوحِّد جهودها ، ويعبئ إمكاناتها ، ويدعم قوتها التفاوضية إزاء التجمعات والتكتلات الاقتصادية الجديدة التي باتت تُشَكِّل أبرز ملامح النظام العالمي الجديد .

ومما زاد في واقع الأمة الأليم: هجرة الأدمغة والعقول . فغير خاف أن قدرة هذه الأمة على إنجاب العباقرة لا حدود لها ، ولكن إبداع هؤلاء العباقرة يصب في نهر الحضارة الغربية . ففي أمريكا وحدها نجد أن%50 على الأقل من المخترعين والمبدعين في شتى مجالات العلوم والمعرفة هم من أصول إسلامية لم يجدوا أمامهم سبيلًا سوى الهجرة إلى حيث هُيَّأت لهم أجواء حرية العمل وتيسير الحياة فوجدوا ما يحتاجونه من أدوات وإمكانيات لتفريغ عبقريتهم التي أثمرت تلك الإنجازات الباهرة والمخترعات العظيمة التي قامت عليها الحضارة الغربية . ولا يدري أحد إلى متى سيستمر هذا الاستنزاف لعقول أبنائنا التي تشكل كنوزًا من الذكاء والعبقرية ، لا تقل أهمية عن ثروات النفط والذهب والثروة المعدنية .

تقول الإحصائيات أن صادرات العالم الإسلامي تشكل في الأغلب والأعم السلع الخام غير المصنعة أو نصف المصنعة وتباع بأسعار زهيدة ، وتبقى مستودعًا وتابعًا للدول الصناعية وفي نفس الوقت عالمًا مستهلكًا ، وبذلك تزيد الفجوة بين العالمين بين العالم الإسلامي المستهلك والعالم الصناعي المنتج ومالك التقنية والثروة.

ولا تقتصر معاناة الأمة من أعدائها في الخارج بل إن أعداء الداخل أشد فتكًا بها وأشرس عداوة ، إنهم قوم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والإلحاد { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ءامنا وإذا خلو إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} .

ليس للدين قيمة في حياتهم ، فلا يحلون حلالًا ولا يحرمون حرامًا، همهم وغايتهم خلخلة ثوابت المجتمع الإسلامي ووحدته وتكاتفه والقضاء على الطهر والعفاف ، ووأد شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستبدال كل ذلك بالقطيعة والتفرق والإباحية ونشر الرذيلة في المجتمع الإسلامي، وتسخير ما في أيديهم من وسائل إعلامية لتحقيق مخططاتهم.

يجعلون الدين وتعاليمه سخرية يتلاعب بها كتابهم، بل ولربما أظهروا سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام ـ كاللحية وغيرها ـ بصورة طرائف بأشكال كاريكاتيرية ، لتنفير الناس عن الإسلام وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم .

إنما تظهر معادن الناس ويتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق في الفترات العصيبة والأزمات . فأهل العلم والعقل والحجى يلتفون حول ولاة أمرهم إذا حزبت الأمور ، يشدون أزرهم ويناصحوهم ويبينوا لهم مكامن الخلل ومواطن الزلل بصدق وولاء ومحبة وطاعة امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .

أما أهل العلمنة والتغريب فإنهم في الأزمات يجعلون منابرهم الإعلامية منصات لإطلاق صواريخ تضرب في كل اتجاه وتستهدف الاستقرار والوحدة والثوابت والطهر والعفاف وكل مظاهر الخير في المجتمع مستغلين الظروف لشن حرب شرسة على الدين والقيم والهوية .

لقد وصلت الجرأة بهم إلى أن ينادي بعضهم بوجوب استبدال أحكام الحلال والحرام ، مع أن الحلال والحرام هما من أهم الأمور التي جعلها الله سببًا للحفاظ على حياة الناس .فالحياة الإنسانية منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض ، تدور على قاعدة الحلال والحرام ، ولولا هذه القاعدة لهلك الإنسان وانمحى العمران.

وبعض هؤلاء يذهب إلى القول بأن ما يمنع الشعوب الإسلامية من التجديد والتحديث والتطوير والاختراع هو المناهج الدراسية ، متجاهلًا أن الدين لا يمانع من التجديد بل إنه يدعو إليه ، ويحض عليه من خلال الاجتهاد وإعمال العقل ، وتلاقح الآراء والأفكار مع الغير، بل إن الإسلام نفسه عندما جاء ؛ جاء بجديد، وإذا كان الله تعالى قد أكمل الدين كما جاء في قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } فإنه لم يقل أنه قد أكمل لنا العلم أو المعرفة ، بل إن القرآن الكريم مليء بالآيات التي تدعو إلى التفكر والنظر والتأمل والبحث والاستكشاف ، ولم يقل أحد من علماء المسلمين أن باب الاجتهاد قد أغلق ، أو أن الحجر على العقل يعد ضرورة شرعية، كما لم ترد آية واحدة في القرآن تذم العقل أو المتعقلين .

إن فصل الدين عن الدولة يشكل حجر الزاوية في الفكر العلماني ، وبضاعة العلمانيين في موقفهم من الدين مزجاة وقليلة ورديئة ولو أنهم أنصفوا مع أنفسهم ونظروا بعقلانية رشيدة إلى الإسلام الذي ولدوا في حجره ، ونشأوا في كنفه ، لتحولوا من الهجوم عليه إلى الدفاع عنه ، فالإسلام لم يوجِد أي عداء بين العقل والوحي ، أو بين الوحي والعلم، ولقد نزل قوله تعالى { اقرأ باسم ربك الذي خلق } قبل قوله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فالعلم هو قاعدة الدين والدنيا جميعًا ، والوحي إنما جاء لإرشاد العقل وتسديده .والمسلمون أخذوا العلوم على أنها يكمل بعضها بعضًا ، فقد حفظوا القرآن وجودوه ودرسوه ونشروه في كل مكان ، وأنشأوا الكتاتيب في المساجد وفي البيوت ، ثم بنوا المكتبات وصنفوا وترجموا الكتب الكثيرة ، وإلى جانب ذلك كانوا يبنون المراصد الفلكية والمستشفيات واخترعوا الآلات العلمية الكثيرة ، ولم يعادوا تراث الأمم السابقة ، أو الأمم المعاصرة لهم ، ولم يعملوا بعقلية الصدام بين الحضارات ، بل تواصلوا معهم علميًا وفكريًا وثقافيًا ، فقد ترجم العرب كتبًا عن اليونانية الهندية والصينية وعن لغات أخرى كثيرة ، ولم يفرضوا ثقافتهم أو علومهم على الآخرين ، بل تركوا الباب مفتوحا لمن أراد أن يتعلم أو ينقل من هذه العلوم دون ضن أو إكراه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت