لقد أدى الانتشار الكبير الذي حققته الصحوة إلى تعدد الاتجاهات الفكرية
والسياسية داخل إطار الصحوة الإسلامية ، واختلفت المدارس التي تسعى إلى جذب
أكبر عدد من المناصرين لفكرتها ، مما خلق نوعًا من التشرذم والاختلاف والتنافس
غير المنضبط بالضوابط الشرعية .
وإذا أضفنا إلى ذلك ضعف آليات الحوار بين تيارات الصحوة وغياب أجواء
الثقة ، فإن صورة تماسك العمل الإسلامي ودعم بعضه البعض تكون أكثر قتامة ؛
فقد أصبح العمل الفردي المنغلق على التيار أو الإطار الفكري أو الحزب السياسي
أحد السمات البارزة في العمل الإسلامي ، ولعل هذه السمة كانت موجودة في
المراحل السابقة ، أي: إنها سمة ليست جديدة على العمل الإسلامي ، ولكنها
أصبحت أكثر تجذرًا في المرحلة الحالية ، كما أن استمرارها مع وجود التحديات
الخارجية المتعاظمة يجعلها تمثل أحد أهم العوائق التي ستؤثر على مستقبل العمل
الإسلامي .
من المتغيرات الأخرى التي أصبحت تميز المرحلة الجديدة: النفسية القلقة ،
وتراجع الحماس المندفع ، وازدياد الخوف على مستقبل الصحوة الإسلامية عند كثير
من قادة العمل الاسلامي وشباب الصحوة ؛ وقد حصل ذلك بعد انهيار الحلم
الإسلامي في أفغانستان نتيجة الحرب الهوجاء بين رفقاء الجهاد ، فقد تجاوزت
الآمال حدودها في فترة من فترات الجهاد ، ثم عادت الآمال الآن بعدما حدث ما
حدث إلى درجة متدنية ، بل ربما غير الكثيرون قناعاتهم بأهداف الصحوة ورسالتها ، وقد عزّز هذه الحالة ضعف نتائج مشاركة كثير من تيارات الصحوة الإسلامية في
العمل السياسي في الدول العربية وغير العربية ، حيث لم يؤد دخول الإسلاميين إلى
البرلمانات والمجالس التشريعية إلى مكاسب حقيقية للعمل الإسلامي ، أو لتحقيق
الهدف المشترك ، وهو: تطبيق الشريعة الإسلامية في أنظمة الدول وتشريعاتها .
أما على الصعيد الفكري والعلمي: فقد بدأت بعض التحولات الفكرية من
البروز بقوة خلال المرحلة الجديدة ، فقد برز اتجاهان رئيسان في كيفية التعامل مع
الواقع ومع الحضارة الغربية المهيمنة ، حيث أدى تحول كثير من الرموز الفكرية
العلمانية والماركسية إلى الفكر الإسلامي ، وكذلك ممارسة الحوار الفكري مع
التيارات العلمانية ، إلى بروز تيار ( الفكر العقلاني ) الذي يرى أن الفكر الإسلامي
يجب أن( يتطور لصالح الواقع وتحت ضغطه ضد التعامل المثالي والتاريخي مع
الإسلام )، و( أن الواقع هو الأصل ، والعقل هو الأساس ، ولا سلطان إلا للعقل
ولا سلطة إلا لضرورة الواقع الذي نعيش فيه)، وفي مقابل ذلك: اتجه كثير من
المفكرين والمنظرين للصحوة إلى الدعوة إلى (فقه الواقع) والتأصيل الشرعي
للمستجدات الحضارية على الساحة الإسلامية ، ونتيجة لاختلاف المنطلقات والأسس
التي يرى بها كل طرف الأحداث والمتغيرات الداخلية والخارجية والسبل الصحيحة
للتعامل معها ، فقد دخل الاتجاهان في مناطق تجاذب سببت نوعًا من التشويش
الفكري على كثير من شباب الصحوة ؛ فقد أدى الاتجاه (العقلاني) إلى خلخلة ...
الثوابت الإسلامية ، وإلى تمييع كثير من قضايا المسلمين المصيرية ، وفي الوقت
نفسه: لم يحسم الفريق الآخر موقفه من مسألة (فقه الواقع) ، فلا زال الكثيرون
يتساءلون عن ماهيته ، ويشكك البعض في أهميته وجدواه .
ومن المتغيرات على الساحة الإسلامية: تقلص العوائد المالية التي كانت
تساهم في دعم مشروعات الصحوة الخيرية والإنسانية والدعوية ؛ فقد تأثرت
الصحوة بانخفاض وتدهور الاقتصاد في معظم الدول الاسلامية ، إضافة إلى
الظروف الخارجية التي بدأت تحاصر الدعم المالي الشعبي للعمل الإسلامي ،
وسيكون لهذا العامل دورًا أساسًا في مستقبل الصحوة في المرحلة الجديدة التي بدأت
تعيشها .
المتغيرات الخارجية:
لقد شهد العالم خلال الأعوام الخمسة الماضية أحداثًا متسارعة وعظيمة الأهمية ... فقد سقطت الشيوعية رسميًا خلال هذه الفترة ، وبرزت إعادة تشكيل مناطق
التماس الحضاري والأيديولوجي ، وانتهت بذلك الحرب الباردة ، وصاحب ذلك:
نشوء العديد من الحروب الإقليمية في أوروبا وآسيا الوسطى وغيرها ، وحدث في
العالم العربي أهم حدث في تاريخ المنطقة المعاصر ، وهو حرب الخليج الثانية ،
الذي بدا فيه النظام العربي الذي قادته القومية العربية متصدعًا وغير قادر على
الاستمرار ، وبدأت في المنطقة ، ما يسمى بعملية ( السلام ) بين عدو المسلمين
الأول والحكومات العربية . وفي أثناء التحرك الدولي لتنظيم المسرح العالمي بعد
هذه الأحداث لسد الفراغ من سقوط القوة العالمية الثانية واختفاء التنازع الأيديولوجي برزت الصحوة الإسلامية بوصفها قوة اجتماعية وسياسية لها وزنها على الساحة
العربية والدولية ، فأصبحت تمثل العائق الأبرز في اتجاه ترتيب النظام العالمي
الجديد ، فنتج عن ذلك: الاتجاه إلى تحجيم هذه القوة الجديدة أو احتوائها ، فبدأ
العالم الغربي يرى في القوة القادمة من منطقة العالم الاسلامي خطرًا يهدد مصالحه
في المنطقة ؛ مما جعله يدعو إلى تحالف علماني ضد ( الأصولية الإسلامية ) ،
ودخلت الصحوة الإسلامية نتيجة لذلك في صراع مكشوف مع معظم الأنظمة
الحاكمة في العالم الإسلامي ، واستطاعت بعض القوى الإسلامية أن يكون لها تأثير
في صنع القرار ، واتخذت بعض الأنظمة تدابير (احترازية) للحد من تأثير
الصحوة ؛ فاعتمدت سياسات أمنية واقتصادية وإعلامية وتربوية لتجفيف منابع
الصحوة .
هذه المتغيرات الخارجية التي حدثت خلال الأعوام القليلة الماضية تؤسس بلا
شك لمرحلة جديدة لم تشهدها الصحوة الإسلامية من قبل ؛ حيث تبدل المناخ العام ،
وعظمت التحديات وكثر الأعداء ، وتغيرت أساليب الصراع والتنافس ، وبدت في
خط المواجهة الأمامي أمام هيمنة الغرب حضاريًا وسياسيًا واقتصاديًا ، وأصبحت
الصحوة منذ ذلك الحين ظاهرة عالمية تشحذ الهمم لدراستها ورصد اتجاهاتها
وتطورها ومستقبلها .
ومعظم المتغيرات الداخلية والخارجية التي أشرنا إليها تحدث دون أن يكون
للصحوة دور بارز في صنعها أو التخطيط لها ؛ إذ إنها - في الغالب - تحدث في
وقت هي غير مستعدة لمواجهتها أو التعامل معها ، بل وربما عدم الوعي بها
والإحاطة بتفاصيلها ، فافتقد العاملون للإسلام والدعاة والمفكرون الرؤية
الاستراتيجية البعيدة المدى ، وانشغل الكثير منهم بالأحداث اليومية المتسارعة
ومحاولة مواجهتها ، وظهر عند الكثيرين التردد أو النكوص عن العمل ، وظهرت
الرغبة في العودة إلى الأساليب التي كانت صالحة ومنتجة في الفترات السابقة عندما
كان المناخ مسالمًا ، والتيار - عالميًا وإقليميًا - يسير في الاتجاه نفسه .
فهل نعي هذه المتغيرات ، ونعرف أبعاد المرحلة الجديدة التي دخلنا فيها ؟
مجلة البيان - (ج 104 / ص 28)
عرض: خالد أبو الفتوح
الأمة الواعية هي التي تراجع نفسها من حين لآخر ، تتأمل ماضيها بعين
البصير ، وتنقد حاضرها بعين الرقيب ، وتستشرف مستقبلها بعين الناصح الأمين
والعلماء (ورثة الأنبياء) يضطلعون بالدور الأكبر في هذه المراجعة ، دور
الطبيب الحاذق الخبير ، الذي يتفحص الأعراض والظواهر ؛ ليقف على حقيقة
العلة والداء ، ثم يصف بناءً على ذلك مسترشدًا بالنور وشفاء الصدور علاج هذا
الداء وطريقة استئصاله ، ليعمل أهل الخير وطائفة الحق منطلقين من أرضية ثابتة ، معلومة الأبعاد لتصحيح ما فسد ، وإقامة ما اعوج .